فإنّ صحبتها بلاء ، وولدها ضياع»[١].
وكذا الحال في الزواج من المجنونة ، فحينما سُئل الإمام الباقرعليهالسلامعن ذلك أجاب : «لا ، ولكن إن كانت عنده أمة مجنونة فلا بأس أن يطأها ، ولا يطلب ولدها»[٢].
اختيار الزوج :
الزوج هو شريك عمر الزوجة ، وهو المسؤول عنها وعن تنشئة الأطفال وإعدادهم نفسيا وروحيا ، وهو المسؤول عن توفير ما تحتاجه الاُسرة من حاجات مادية ومعنوية ، لذا يستحبّ اختياره طبقا للموازين الإسلامية ، من أجل سلامة الزوجة والاُسرة من الناحية الخلقية والنفسية ، لانعكاس صفاته وأخلاقه على جميع أفراد الاُسرة من خلال المعايشة ، فله الدور الكبير في سعادة الاُسرة أو شقائها.
وعليه فقد أكدت الشريعة المقدسة على أن يكون الزوج مرضيا في خلقه ودينه ، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم: «إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه» ، وأردفصلىاللهعليهوآلهوسلمذلك بالنهي عن ردّ صاحب الخلق والدين فقال : «إنّكم إلاّ تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبي»[٣].
وأضاف الإمام محمد الجوادعليهالسلامصفة الأمانة إلى التدين فقال : «من خطب إليكم فرضيتم دينه وأمانته فزوّجوه ، إلاّ تفعلوه تكن فتنة في الأرض
[١]الكافي ٥ : ٣٥٤.[٢]وسائل الشيعة ٢٠ : ٨٥.[٣]تهذيب الأحكام ٧ : ٣٩٤.
وفساد كبي»[١].
الكفاءة في الزوج :
كانت العرب لا تقدِّم شيئا على عنصر الكفاءة في الرجل ، والرجل الكفؤ عندهم ، هو من كان ذا نسبٍ مناظر لنسب المرأة التي تقدَّم لخطوبتها ، ولايقدّم عندهم على النسب شيء ، ومازال هذا الفهم سائدا لدن الكثير من المجتمعات ، لا سيّما القبلية منها ، أو التي احتفظت بعاداتها القبلية وإن تمدنت في الظاهر.
لكن الإسلام قدّم رؤيته للكفاءة في معناها الصحيح وإطارها السليم ، المنسجم مع ميزان السماء : «إنّ أكرمكم عند اللّه أتقاكم»مع الأخذ بنظر الاعتبار حقّ المرأة في العيش. فعرّف رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلمالرجل الكفؤ بقوله : «الكفوء أن يكون عفيفا وعنده يسار»[٢].
وقيل : إنّ الكفاءة المعتبرة في النكاح أمران : الإيمان واليسار بقدر ما يقوم بأمرها والانفاق عليها ، ولا يراعى ما وراء ذلك من الأنساب والصنائع ، فلا بأس أن يتزوج أرباب الصنائع الدنيّة بأهل المروات والبيوتات[٣].
ويحرم رفض الرجل المتقدم للزواج المتصف بالدين والعفة والورع والأمانة واليسار ، إذا كان حقير النسب[٤].
[١]تهذيب الأحكام ٧ : ٣٩٦.[٢]الكافي ٥ : ٣٤٧.[٣]السرائر ٢ : ٥٥٧. وجامع المقاصد ١٢ : ١٣٥ ـ ١٣٦.[٤]الوسيلة إلى نيل الفضيلة : ٢٩٠ ـ ٢٩١. وجامع المقاصد ١٢ : ١٣٨.
ولقد روي عن الإمام الصادقعليهالسلامأنّه قال : «إنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلمزوّج المقداد بن الأسود ضباعة ابنة الزبير بن عبدالمطلب ، وإنّما زوّجه لتتّضع المناكح ، وليتأسوا برسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم، وليعلموا أن أكرمهم عند اللّه أتقاهم»[١].
ولملاحظة أن المرأة تتأثر بدين زوجها والتزامه بقدر تأثرها بأخلاقه وأدبه أكثر من تأثره هو بدينها وأدبها ، قال الإمام الصادقعليهالسلام: «تزوّجوا في الشكاك ولا تزوّجوهم ، لأنّ المرأة تأخذ من أدب زوجها ، ويقهرها على دينه»[٢].
ويكره للأب أن يزوّج ابنته من شارب الخمر ، والمتظاهر بالفسق ، والسيء السيرة[٣].
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم: «من شرب الخمر بعد ما حرّمها اللّه على لساني ، فليس بأهل أن يزوّج إذا خطب»[٤]؛ لأنّ شرب الخمر والادمان عليه يؤدي إلى خلق الاضطراب الاُسري والتفكك الاجتماعي في جميع ألوانه ، إضافة إلى ذلك فإنّه عقاب لشارب الخمر ليكون ردعا له.
وكما حذّر الإسلام من تزوج المرأة المشهورة بالزنا ، فقد حذّر أيضا من تزويج الرجل المعلن بالزنا ، قال الإمام الصادقعليهالسلام: «لا تتزوج المرأة
[١]الكافي ٥ : ٣٤٤.[٢]الكافي ٥ : ٣٤٨.[٣]الوسيلة إلى نيل الفضيلة : ٢٩١. وجامع المقاصد ١٢ : ١٤٠.[٤]الكافي ٥ : ٣٤٨.
المعلنة بالزنا ، ولا يزوج المعلن بالزنا إلاّ بعد أن يعرف منهما التوبة»[١].
الأحكام المتعلقة بالخطبة :
الخطبة تعني مبادرة الرجل لطلب الزواج من امرأةٍ ، تبقى أجنبية عليه ما دام لم يعقد عليها عقد الزواج.
وهي بداية للتعارف عن قرب ، يطلع من خلالها كل من الرجل والمرأة على خصوصيات الآخر ، وخصوصا ما يتعلق بالجانب الجسدي والجمالي ، لذا جوّز الإسلام النظر في حدود مشروعة وقيود منسجمة مع قيمه وأُسسه في العلاقة بين الرجل والمرأة.
فيجوز للرجل أن ينظر إلى وجه المرأة ، ويرى يديها بارزة من الثوب ، وينظر إليها ماشية في ثيابها[٢]، ويجوز لها كذلك ، ولا يحلّ لهما ذلك من دون ارادة التزويج[٣].
عن الإمام الصادقعليهالسلامأنّه قال : «لا بأس بأن ينظر إلى وجهها ومعاصمها إذا أراد أن يتزوجها»[٤].
وقال أيضا : «لا بأس بأن ينظر الرجل إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها ، ينظر إلى خلفها وإلى وجهها»[٥].
[١]تهذيب الاحكام ٧ : ٣٢٧.[٢]المقنعة : ٥٢٠. وجامع المقاصد ١٢ : ٢٦ ـ ٢٧.[٣]الكافي في الفقه : ٢٩٦. وجواهر الكلام ٢٩ : ٦٥.[٤]الكافي ٥ : ٣٦٥.[٥]المصدر السابق.
وله أيضا جواز تكرار النظر ، وأن ينظر إليها قائمة وماشية ، وأن ينظر إلى شعرها ومحاسنها وجسدها من فوق الثياب[١].
وقيّد الإمام الصادقعليهالسلامذلك بعدم التلذّذ ، فحينما سُئل عن النظر إلى شعرها ومحاسنها قالعليهالسلام: «لا بأس بذلك إذا لم يكن متلذذا»[٢].
وخلاصة الأحكام المتعلقة بالخطبة هي جواز النظر بشرط إرادة التزويج ، فمن لم ينوِ التزويج يكون نظره محرما ، ويشترط عدم التلذّذ لأنّه حرام بأيّ حال من الأحوال.
استحباب الخطاب أثناء الخطبة :
يستحبّ ذكر اللّه تعالى أثناء الخطبة ، ليحصل الارتباط به تعالى في جميع الأحوال ، ويكون ذلك انطلاقا للالتزام بمفاهيم الإسلام وقيمه وتقريرها في واقع الحياة الزوجية ، ليكون الوئام والحب والاُلفة والاُنس هو الحاكم على العلاقات بعد الزواج ، والخطبة المسنونة المروية عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلمهي كالتالي : «الحمدُ للّه ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهدي اللّه فلا مضلَّ له ، ومن يضلل اللّه فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، واتقوا اللّه الذي تسائلون به والأرحام، إنّ اللّه كان عليكم رقيبا، اتقوا اللّه حق تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون ، اتقوا اللّه وقولوا قولاً سديدا ، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ، ومن يطع اللّه ورسوله فقد
[١]شرائع الإسلام ٤ : ١٨٨. وجواهر الكلام ٢٩ : ٦٦ ـ ٦٧.[٢]الكافي ٥ : ٣٦٥.
فاز فوزا عظيما»[١].
أحكام خطبة المرأة ذات العدّة :
المرأة المطلقة طلاقا رجعيا تعتبر ذات زوج ، فللزوج حق الرجوع إليها في أثناء العدّة دون عقد جديد ، وقد حكم الإسلام بحرمة التقدم لخطبتها ، تعريضا كانت أم تصريحا ، لأنّها ذات زوج[٢].
والتعريض هو أن يخاطب الرجل المرأة بكلام يحتمل فيه إرادة النكاح وغيره ، مثل أن يقول لها : رُبّ راغب فيك ، رُبّ حريص عليك ، لا تبقين بلا زوج[٣].
والتصريح هو أن يخاطب الرجل المرأة خطابا صريحا لا يحتمل فيه غير إرادة النكاح ، بأن يقول لها : إذا انقضت عدّتك تزوجتك[٤].
والإسلام حينما حرّم ذلك أراد أن يهذّب النفوس أولاً ، وأن يصلح العلاقة الزوجية ثانيا ، فالمرأة في العدة الرجعية تبقى في عصمة الزوجية ، واحتمال رجوع الزوج إليها احتمالاً واردا ، فإذا خطبت من قبل الغير بالتعريض أو التصريح ، فإن ذلك يؤدي إلى تشجيعها على عدم الرجوع إلى حياتها الزوجية ، ولو علم زوجها أن أحدا تعرّض لها أو صرّح بالزواج منها أثناء العدّة ، فإنّ ذلك يمنعه من الرجوع إليها.
أمّا المعتدّة عن الطلاق البائن فهي أجنبية عن زوجها ، لا ترجع إليه إلاّ
[١]المبسوط ٤ : ١٩٥.[٢]المبسوط ٤ : ٢١٧. وجامع المقاصد ١٢ : ٤٨. وجواهر الكلام ٣٠ : ١١٩.[٣]المبسوط ٤ : ٢١٨.[٤]المبسوط ٤ : ٢١٨.
بعد أن تنكح زوجا آخر ، فيجوز لزوجها الأول أن يتزوجها بعقد جديد بعد طلاقها من الزوج الثاني ، ففي هذه الحالة يكون التعريض لها جائز ، فقد روي أنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلمقال لفاطمة بنت قيس ـ المطلقة ثلاثا ـ «إذا حللت فآذنيني[١].
أمّا التصريح لها بالخطبة فحرام ، وكذا الحال في المعتدة عدة الوفاة ، فيجوز التعريض بخطبتها ، ويحرم التصريح»[٢].
قال تعالى : «ولا جنُاحَ عليكُم فيما عرَّضتُم بهِ مِن خِطبَة النِّسآءِ أو أكنَنتُم في أنفُسِكُم عَلِمَ اللّه أنَّكُم ستَذكُرونَهُنَّ ولكن لا تُواعدوهُنَّ سِرّا إلاّ أن تقُولُوا قولاً معروفا ولا تَعزِمُوا عُقدَةَ النِّكاحِ حتَّى يَبلُغَ الكتابُ أجَلَهُ ..»[٣].
المهر والصداق :
المهر هو منحة من الرجل إلى المرأة التي يريد الزواج منها ، قال تعالى : «وآتوا النساء صدقاتهنَّ نحلة»[٤]. والنحلة هي (العطية من غير مثامنة)[٥].
وجوّز الفقهاء أن يكون المهر تعليم سورة أو آية من القرآن ، أو شيء من الحِكم والآداب[٦]، عملاً بما ورد عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلممن أنّه
[١]المبسوط ٤ : ٢١٨.[٢]المبسوط ٤ : ٢١٨. وجواهر الكلام ٣٠ : ١٢٠.[٣]سورة البقرة : ٢ / ٢٣٤ ـ ٢٣٥.[٤]سورة النساء : ٤ / ٤.[٥]الميزان في تفسير القرآن ٤ : ١٦٩.[٦]المقنعة : ٥٠٨. وجامع المقاصد ١٣ : ٣٣٣.
زوّج لرجل لا يملك شيئا ، فقال له : «قد زوجتك على ما تحسن من القرآن ، فعلمها إيّاه»[١].
وهذه المنحة هي حقّ للمرأة يبقى في ذمّة الرجل ، عن عبدالحميد الطائي ، قال : قلت لأبي عبداللّهعليهالسلامأتزوج المرأة وأدخل بها ولا أعطيها شيئا؟ قال : «نعم ، يكون دينا عليك»[٢].
وسُئلعليهالسلامعن رجل تزوج إمرأة ولم يفرض لها صداقها ، ثم دخل بها ، فقال : «لها صداق نسائها»[٣].
وعنهعليهالسلامأنّه قال : «من أمهر مهرا ثم لا ينوي قضاءه ، كان بمنزلة السارق»[٤].
وحرّم رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلمنكاح الشغار وهو كما في قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم: «أن يقول الرجل للرجل : زوجني ابنتك حتى أُزوجك ابنتي ، على أن لا مهر بيننا»[٥]، وذلك لأن في هذا النوع من الزواج امتهان للمرأة ، وتجاوز على حقّها المشروع في المهر.
ومقدار المهر متروك لما يتراضى عليه الناس ، وعن الإمام محمد الباقرعليهالسلامأنّه قال : «الصداق ما تراضيا عليه قل أو كثر[٦]. فليس له حدّ
[١]تهذيب الاحكام ٧ : ٣٥٤ ـ ٣٥٥.[٢]الاستبصار ٣ : ٢٢٠.[٣]تهذيب الاحكام ٧ : ٣٦٢.[٤]الكافي ٥ : ٣٨٣.[٥]تهذيب الاحكام ٧ : ٣٥٥. وجامع المقاصد ١٢ : ٤٨٧.[٦]تهذيب الاحكام ٧ : ٣٥٣.