وعدم الوجوب مشروط بوجود الأب وقدرته على دفع الاُجرة ، أو عدم تبرع الاُمّ ، أو وجود مال للولد ، ووجود مرضعة أُخرى ، وفي حالة عدم توفر هذه الشروط ، يجب على الاُمّ إرضاعه ، كما يجب عليها الانفاق عليه إذا كان الأب معسرا أو مفقودا[١].
وفي الظروف الاستثنائية التي تقف حائلاً دون ارضاع الاُمّ لطفلها بسبب قلّة الحليب ، أو مرض الاُمّ ، أو موتها ، أو رفضها للرضاعة مجانا ، يستحبّ اختيار المرضعة المناسبة والملائمة ضمن مواصفات معينة ، قال أمير المؤمنينعليهالسلام: «اُنظروا من ترضع أولادكم ، فإنّ الولد يشبُّ عليه»[٢].
ويستحب اختيار المرأة المرضعة التي تتوفر فيها أربع خصال : العاقلة ، المسلمة ، العفيفة ، الوضيئة[٣].
قال الإمام محمد الباقرعليهالسلام:«استرضع لولدك بلبن الحسان ، وإياك والقباح فإنّ اللبن قد يعدي»[٤].
وقالعليهالسلام: «عليكم بالوضاء من الظؤرة ، فإنّ اللبن يعدي»[٥].
ويكره استرضاع الحمقاء ، قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم: «لا تسترضعوا الحمقاء ، فإن الولد يشبُّ عليه»[٦].
[١]الحدائق الناضرة ٢٥ : ٧٢. وجواهر الكلام ٣١ : ٢٧٢.[٢]الكافي ٦ : ٤٤. وجواهر الكلام ٢٩ : ٣٠٧.[٣]الوسيلة إلى نيل الفضيلة : ٣١٦. وجامع المقاصد ١٢ : ٢٠٨. وجواهر الكلام ٢٩ : ٣٠٦.[٤]الكافي ٦ : ٤٤. وجواهر الكلام ٢٩ : ٣٠٦.[٥]الكافي ٦ : ٤٤.[٦]مكارم الاخلاق : ٢٣٧. وجواهر الكلام ٢٩ : ٣٠٦.
وكذا البغيّة والمجنونة ، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم: «توقّوا على أولادكم من لبن البغيّة والمجنونة ، فإنّ اللبن يعدي»[١].
ويجوز استرضاع الكتابيات على كراهية ، وفي حال عدم وجود مرضعة مسلمة ، وترتفع الكراهة في حال منعهنَّ من شرب الخمر ، قال الإمام جعفر الصادقعليهالسلام: «إذا أرضعن لكم ، فامنعوهنَّ من شرب الخمر»[٢].
وكراهية استرضاع تلك الأصناف ناجمة من تأثير اللبن على الطفل ، ففي حديث رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم: « ... فإنّ اللبن يعدي ، وإنّ الغلام ينزع إلى اللبن»[٣].
ومن أجل تحسين حليب الطفل ، يستحبُّ اطعام النساء في نفاسهنَّ التمر ، قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم: «ليكن أول ما تأكل النفساء الرطب[٤].
ويفضّل اطعام نوع خاص من التمر وهو البرني، قال الإمام الصادقعليهالسلام: «أطعموا البرني نساءكم في نفاسهنَّ ، تحلم أولادكم»[٥].
وللاُم حق الارضاع لطفلها إن رضي الأب بغير أُجرة ، ولها حق الامتناع من الرضاعة ، إمّا إذا كانت مطلقة ، فهي أولى برضاعه سواء رضي الأب أم لم يرض ، ولها أُجرة المثل ، فإن طلبت أُجرة زائدة على ما يرضى به
[١]مكارم الاخلاق : ٢٢٣. وجواهر الكلام ٢٩ : ٣٠٦ ، ٣٠٨.[٢]الكافي ٦ : ٤٢. وجواهر الكلام ٢٩ : ٣٠٧.[٣]الكافي ٦ : ٤٣.[٤]الكافي ٦ : ٢٢.[٥]الكافي ٦ : ٢٢.
غيرها ، كان للأب حقّ انتزاعه من يدها[١].
ولا يجوز للأب أن يسلم الطفل إلى مرضعة تذهب به إلى منزلها إلاّ برضى الاُمّ[٢].
ومدة الرضاع هي سنتان ، وأقلّه واحد وعشرون شهرا ، ويجوز الزيادة على السنتين مقدار شهرين ، والزيادة لا أُجرة فيها[٣].
ويستحسن في مرحلة الرضاع مناغاة الطفل ، لأنّها تؤثر على سرعة النطق ، ونموّه اللغوي والعاطفي في المستقبل ، حيث يشعر من خلال المناغاة بوجود الأمن والطمأنينية والهدوء ، ولنا في سُنّة أهل البيتعليهمالسلامخير منار واقتداء ، فكانت سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراءعليهاالسلامتناغي الحسنعليهالسلامفي هذه المرحلة وتقول :
أشبه أباك يا حسن
واخلع عن الحق الرّسنْ
واعبد إلها ذا مننْ
ولا توالِ ذا الإحَنْ
وكانت تناغي الحسينعليهالسلام:
أنت شبيه بأبي
لست شبيها بعليّ[٤]
الفطام :
حددت الشريعة الإسلامية مدة الارضاع التامة بأربع وعشرين شهرا
[١]الوسيلة إلى نيل الفضيلة : ٣١٥ ـ ٣١٦.[٢]الوسيلة إلى نيل الفضيلة : ٣١٥ ـ ٣١٦. ومنهاج الصالحين ، المعاملات : ١٢٠.[٣]الوسيلة إلى نيل الفضيلة : ٣١٥ ـ ٣١٦. والصراط القويم : ٢١٤.[٤]بحار الأنوار ٤٣ : ٢٨٦.
كما جاء في قوله تعالى : «والوالِداتُ يُرضِعنَ أولادَهُنَّ حَولَينِ كامِلينَ لِمن أرادَ أن يُتمَّ الرَّضَاعةَ ...»[١].
واقل الرضاع ـ كما تقدّم ـ واحد وعشرون شهرا ، وينبغي على الوالدين ان أرادا فطام الصبي في هذه المدة أن يتشاورا فيما بينهما ، قال تعالى : « ... فإن أرادَا فِصَالاً عن تراضٍ مِّنهما وتَشاورٍ فلا جُناحَ عَليهِما .. »[٢].
ويجوز تأخير الرضاع إلى شهر أو شهرين بعد مدة التمام وهي أربع وعشرون شهرا ، ويحرم الرضاع بعد ذلك ، لأنّ لبن المرأة يصير من الخبائث ومن فضلات مالا يُؤكل لحمه ، فيحرم على المكلف شربه ، وكل ما حرّم على المكلف شربه يحرم إعطاؤه لغير المكلف[٣].
فيجب على الاُم أو الأب المستأجر لمرضعة مراعاة وقت الرضاع ووقت الفطام ، بلا افراط ولا تفريط ، فيحسن ارضاع الولد واحدا وعشرين شهرا ولا ينبغي ارضاعه أقل من ذلك[٤]، قال الامام الصادقعليهالسلام: «الرضاع واحد وعشرون شهرا ، فما نقص فهو جور على الصبي»[٥]، ذلك لأنّ الطفل بحاجة إلى اللبن في هذه المدة ، وبحاجة إلى الدف ء العاطفي والحنان على حدٍّ سواء.
[١]سورة البقرة : ٢ / ٢٣٣.[٢]سورة البقرة : ٢ / ٢٣٣.[٣]مهذب الاحكام ٢٥ : ٢٧٥.[٤]منهاج الصالحين ، المعاملات : ١٢٠.[٥]الكافي ٦ : ٤٠.
الحضانة :
الحضانة هي الولاية على الطفل لفائدة تربيته ، وما يتعلق بها من مصلحته[١]، ومرحلة الحضانة هي أهمّ المراحل في نموّ الطفل البدني واللغوي والعقلي والأخلاقي ، وهي مرحلة تشكيل البناء النفسي الذي تقوم عليه أعمدة الصحة النفسية والخلقية ، وتتطلب هذه المرحلة من الوالدين ابداء عنايةٍ خاصةٍ في رعاية الطفل وحمايته ، وتوفير ما يحتاجه من مقومات النموّ البدنية والروحية ، ليكون عنصرا فعالاً في المجتمع.
والاُمّ أحقُّ بحضانة الولد مدّة الرضاع ، فلا يجوز للاب أن يأخذه في هذه المدة منها ، فإذا انقضت مدة الرضاع ، فالأب أحق بالذكر ، والاُمّ أحق بالاُنثى حتى تبلغ سبع سنين من عمرها ، ثم يكون الأب أحقّ بها ، وإن فارق الاُمّ بفسخ أو طلاق قبل أن تبلغ سبع سنين لم يسقط حقّ حضانتها ما لم تتزوج بالغير ، فلو تزوجت سقط حقّها ، وكانت الحضانة للأب[٢].
قال الإمام الصادقعليهالسلام: «المرأة أحق بالولد ما لم تتزوج»[٣].
وعنهعليهالسلامقال : « ما دام الولد في الرضاع فهو بين الأبوين بالسوية ، فإذا فطم فالأب أحقُّ به من الاُمّ ، فإذا مات الأب فالاُمّ أحقُّ به من العصبة ... »[٤].
وفي حال فقدان الأبوين تكون الحضانة لأب الأب مقدما على غيره
[١]الحدائق الناضرة ٢٥ : ٨٣.[٢]مهذب الاحكام ٢٥ : ٢٧٨.[٣]وسائل الشيعة ٢١ : ٤٧١.[٤]الكافي ٦ : ٤٥.
من الاخوة والأجداد[١].
وإن فقد أب الأب تكون الحضانة لأقارب الطفل على ترتيب مراتب الارث الأقرب منهم يمنع الأبعد[٢].
ومن شروط حق الحضانة للاُمّ[٣]:
١ ـ أن تكون مسلمة.
٢ ـ أن تكون عاقلة.
٣ ـ أن تكون سالمة من الأمراض المعدية.
٤ ـ أن تكون فارغة من حقوق الزوج، فلو تزوّجت سقط حقها من الحضانة.
٥ ـ أن تكون أمينة.
٦ ـ وأضاف بعض الفقهاء شرط عدم فسق الاُمّ[٤].
ولا يجوز للاُم الحاضنة أن تسافر بالولد إلى بلد بغير رضا أبيه ، ولا يجوز للأب أن يسافر به ما دام في حضانة أُمّه[٥].
[١]الحدائق الناضرة ٢٥ : ٩٦.[٢]مهذب الاحكام ٢٥ : ٢٨١.[٣]الحدائق الناضرة ٢٥ : ٩٠ ـ ٩١ ، ٩٣. والصراط القويم : ٢١٤.[٤]الوسيلة إلى نيل الفضيلة : ٢٨٨.[٥]مهذب الاحكام ٢٥ : ٢٨٣.
الفصل الثالثالحقوق الاُسرية
وضع المنهج الإسلامي حقوقا وواجبات على جميع أفراد الاُسرة ، وأمر بمراعاتها من أجل إشاعة الاستقرار والطمأنينة في أجواء الاُسرة ، والتقيّد بها يسهم في تعميق الأواصر وتمتين العلاقات ، وينفي كل أنواع المشاحنات والخلافات المحتملة ، والتي تؤثر سلبا على جوّ الاستقرار الذي يحيط بالاُسرة ، وبالتالي تؤثر على استقرار المجتمع المتكون من مجموعة من الاُسر.
أولاً : حقوق الزوج :
من أهمّ حقوق الزوج حقّ القيمومة ، قال اللّه تعالى : «الرِجالُ قوّامُونَ على النِّساءِ بما فَضّلَّ اللّه بَعضهُم على بَعضٍ وبما أنفقُوا مِن أموالِهم»[١].
فالاُسرة باعتبارها أصغر وحدة في البناء الاجتماعي بحاجة إلى قيّم ومسؤول عن أفرادها له حقّ الاشراف والتوجيه ومتابعة الأعمال
[١]النساء ٤ : ٣٤.
والممارسات ، وقد أوكل اللّه تعالى هذا الحق إلى الزوج ، فالواجب على الزوجة مراعاة هذا الحق المنسجم مع طبيعة الفوارق البدنية والعاطفية لكلٍّ من الزوجين ، وأن تراعي هذه القيمومة في تعاملها مع الأطفال وتشعرهم بمقام والدهم.
ومن الحقوق المترتبة على حق القيمومة حق الطاعة ، قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم: « أن تطيعه ولا تعصيه ، ولا تصدّق من بيتها شيئا إلاّ باذنه ، ولا تصوم تطوعا إلاّ باذنه ، ولا تمنعه نفسها ، وإن كانت على ظهر قتب ، ولا تخرج من بيتها إلاّ بإذنه ... »[١].
حتى إنّه ورد كراهة إطالة الصلاة من قبل المرأة لكي تتهرب من زوجها، قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم: «لا تطوّلن صلاتكن لتمنعنَّ أزواجكن»[٢].
ويجب عليها احراز رضاه في أدائها للأعمال المستحبة ، فلا يجوز لها الاعتكاف المستحب إلاّ باذنه[٣]، ولا يجوز لها أن تحجّ استحبابا إلاّ باذنه، وإذا نذرت الحج بغير إذنه لم ينعقد نذرها»[٤].
ومن أجل تعميق العلاقات العاطفية وإدامة الروابط الروحية وادخال السرور والمتعة في نفس الزوج ، يستحب للمرأة الاهتمام بمقدمات ذلك ، فعن الإمام الصادقعليهالسلامقال : «جاءت امرأة إلى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلمفقالت : يا رسول اللّه ، ما حقّ الزوج على المرأة؟ قال : أكثر من ذلك ،
[١]من لا يحضره الفقيه ٣ : ٢٧٧.[٢]الكافي ٥ : ٥٠٨.[٣]الكافي في الفقه : ١٨٧.[٤]الوسيلة إلى نيل الفضيلة : ١٩١.