كالعلم بجملته وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنفة ككتاب سيبويه والمزني فان اهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلها ما يعلمونه من جملتها حتى لو ان مدخلا ادخل في كتاب سيبويه باباً من النحو ليس من الكتاب لعرف وميّز وعلم انه ملحق وليس من اصل الكتاب وكذلك القول في كتاب المزني ومعلوم ان العناية بنقل القرآن وضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء ... وان من خالف في ذلك من الامايمة والحشوية لا يعتد بخلافهم فان الخلاف في ذلك مضاف الى قوم من اصحاب الحديث نقلوا اخباراً ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع الى مثلها عن المعلوم المقطوع على صحته ..
وأضاف الحكيم المتاله الفيض الكاشاني بعد حكاية الكلام المتقدم عن السيد المرتضى معقباً اياه بقوله في تفسيره :
لقائل ان يكون كما ان الدواعي كانت متوفرة على نقل القرآن وحراسته من المؤمنين كذلك كانت متوفرة على تغييره من المنافقين المبدلين الموصية المغيرين للخلافه لتضمنه ما يضاد رأيهم وهواهم والتغيير فيه ان وقع فانما وقع قبل انتشاره في البلدان واستقراره على ما هو عليه الان والضبط الشديد انما كان بعد ذلك فلا تنافي بينهما بل لقائل ان يقول انه ما تغير في نفسه وانما التغيير في كتابتهم اياه وتلفظهم به فانهم ما حرفوه الا عند نسخهم من الاصل وبقى الاصل على ما هو عليه عند أهله وهم العلماء به فما هو عند العلماء به ليس بمحرف وانما المحرف ما اظهروه لاتباعهم ..[١].
وقال في موضع آخر من التفسير المذكور في ذيل قوله تعالى : (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون) (الحجر ـ ١٠).
(انا نحن نزلنا الذكر) رد لانكارهم واستهزائهم ولذلك اكد من وجوه (وانا له لحافظون) من التحريف والتغيير والزيادة والنقصان[٢].
[١]الصافي في تفسير القرآن ج ١ ص ٣٥ ط طهران.
[٢]نفس المصدر السابق ص ٨٩٨.
وقال أمين الاسلام الشيخ الطبرسي في تفسير جوامع الجامع :
هذا رد لانكارهم واستهزائهم في قولهم (يا ايها الذي نزل عليه الذكر) ولذلك قال (انا نحن) فأكد عليهم انه هو المنزل للقرآن على القطع والثبات وانه حافظه من كل زيادة ونقصان وتغيير وتحريف بخلاف الكتب المتقدمة فانه لم يتول حفظها وانما استحفظها الربانيين ولم يكل القرآن الى غير حفظه[١].
وقال شيخ الطائفة ابو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في كتاب تمهيد الاصول في علم الكلام : لنا في تصحيح نبوتهعليهالسلامطريقان احدهما الاستدلال بهذا القرآن الموجود معنا والثاني الاستدلال بباقي معجزاتهعليهالسلام... والاستدلال بالقرآن لا يتم الا بعد بيان خمسة اشياء :
(أحدها) ظهوره بمكة وادعاؤه انه مبعوث الى الخلق رسول اليهم.
(وثانيها) وتحديه العرب بهذا القرآن الذي ظهر على يده وادعاؤه ان الله تعالى انزله عليه وخصه به.
(وثالثها) ان العرب مع طول المدة لم يعارضوه.
(ورابعها) انهم لم يعارضون للتعذر والعجز.
(وخامسها) ان هذا التعذر خارق للعادة فاذا ثبت ذلك فاما ان يكون القرآن نفسه معجزاً خارقاً للعادة بفصاحته ولذلك لم يعارضوه اولان الله تعالى صرفهم عن معارضته ولولا الصرف لعارضوه وأي الامرين ثبت صحت نبوتهعليهالسلاملانه تعالى لا يصدق كذابا ولا يخرق العادة لمبطل اما ظهوره بمكة ودعاؤه الى نفسه فلا شبهة فيه بل ظهوره معلوم ضرورة لا ينكره عاقل وظهور هذا القرآن على يده ايضاً معلوم ضرورة مثل ذلك والشك في احدهما كالشك في الاخر وليس لاحد ان يقول كيف تدعون العلم الضروري والامامية تدعى تغيراً في القرآن الموجود ونقصاناً وكذلك جماعة من اصحاب الحديث.
قلنا العلم بنبوته عليه وآله السلام لا يفتقر الى العلم بان هذا القرآن الموجود
[١]جوامع الجامع تفسير القرآن ج ١ ص ٧٩١ ط بيروت دار الاضواء.
بيننا هو الذي وقع التحدي به بعينه لان مع الشك في ذلك نعلم صحة النبوة لان من المعلوم الذي لا يشك انهعليهالسلامتحدى العرب بكلام ذكر انه كلام ربه تعالى وان ملكاً انزله عليه وخصه به ومعلوم انهم لم يعارضوه لتعذرها عليهم.
وهذا كاف في العلم بنبوته عليه وآله السلام ودلالة على صدقه لان ذلك الكلام الذي تعذر عليهم معارضته لا يخلو ان يكون وجه تعذرها فرط فصاحته التي خرقت العادة أولانه تعالى صرفهم عن المعارضة وكلا الأمرين يدلان على صحة نبوته عليه وآله السلام نصرنا صحة نقل القرآن أولم ننصره على انه لا خلاف ان هذا الذي معنا هو القرآن الذي انزله الله تعالى وانما الخلاف في انه هل كان زائداً عليه أولا وذلك لا يحتاج اليه في العلم بنبوته لان التحدى حاصل بسورة منه فضلا عن جميعه على انه (اي علم الهدى السيد المرتضى) دل على فسادقول من خالفه في ذلك في المسألة الطرابلسية وجملة منه في الذخيرة بما لا مزيد عليه ولا حاجة بنا هنا الى ذكره[١].
القراءة التي نزل القرآن على وفقها
ورووا من طرقهم عدة روايات.
فمن ذلك ما رواه علي بن ابراهيم القمي في تفسيره عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمانه قال : لو انّ الناس قرؤا القرآن كما انزل ما اختلف اثنان[٢].
ومن ذلك ما رواه الثقة الكليني عن الامام الرضاعليهالسلام:
ان القرآن واحد نزل من عند واحد ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة[٣]وكذا ما رواه عن الفضل بن يسار قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام: ان الناس
[١]تمهيد الاصول في علم الاصول ص ٣٢٥ ـ ٣٢٦ ط طهران جامعة طهران.
[٢]شرح املا محمد صالح المازندراني على الكافي ج ١١ ص ١١ ط طهران.
[٣]منبع الحياة ص ٧١ ط بيروت.
يقولون : ان القرآن نزل على سبعة احرف فقال : كذبوا اعداء الله ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد.
وقال المولى محمد صالح المازندراني في شرحه على الكافي : فالتبس ذلك الحرف المنزل بغيره على الأمة لأجل ذلك فيجوز لهم القراءة باحد هذه الحروف حتى يظهر صاحب الأمر. وقال السيد نعمة الله الجزائري في منبع الحياة :
ان قولهعليهالسلام: القرآن واحد ينفي تكثر القراءات.
قوال الزمخشري في المحكي عنه : ان القراءات الصحيحة التي قرأ بها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهانما هي في صفتها وانما هي صفة واحدة.
تواتر القراءت السبع وكمال العشر
قال فقيه الأصول في زماننا السيد الخوئي في تفسيره المرسون بالبيان :
ذهب جمع من علماء السنة الى تواترها عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمنقل عن السبكي القول بتواتر القراءات العشر وافراط بعضهم فزعم ان من قال ان القراءات السبع لا يلزم فيها لتواتر فقوله كفر ونسب هذا الراي الى المفتي البلاد الاندلسية ابي سعيد فرج بن لب والمعروف عند الشيعة انها غير متواترة بل القراءت بين ما هو اجتهاد من القاري وبين ما هو منقول بخبر الواحد واختر هذا القول جماعة من المحققين من اهل السنة وغير بعيد ان يكون هذا هو المشهور بينهم ...[١].
أقول : ان ما افاده لا يخلو من مناقشة ذلك ان دعوى التواتر كانت قد شقت طريقها الى الفكر الشيعي بقوة بعد ان شاعت بين أهل السنة وليس الأمر على ما ذكره من ادعاء شهرة عدم التواتر عند أهل السنة مضافاً الى معروفيته عند الشيعة كذلك.
[١]البيان في تفسير القرآن ج ١ ص ٩٢ ط نجف.
اما عند أهل السنة فانه منقوض بقول الرازي في تفسير الكبير :
اتفق الاكثر على ان القراءات المنقولة بالتواتر .. الخ.
ما حكاه العاملي في مفتاح الكرامة عن كتاب وافية الاصول انه جاء فيه : اتفق قدماء العامة على عدم جواز العمل بقراءة غير السبع او العشر المشهورة وتبعهم من تكلم في هذا المقام بين الشيعة ولكن لم ينقل دليل يعتدّ به انتهى.
مضافاً الى السيرة العملية المطبق عليها الى يومنا هذا من جمهور أه السنة في الامصار والآفاق.
وقال ابو حيان بعد التعرض لكلام الزمخشري الآتي ذكره في ادلة نفى التواتر اعجب من اعجمي ضعيف في النحو يردّ على مرّ بي صريح محض قراءة متواترة موجود نظيرها في كلام العرب واعجب بسوء ظن هذا الرجل بقراءات الائمة الذين تخيرتهم هذه الأمة لنقل كتاب الله شرقاً وغرباً واعتمدهم المسلمون لضبطهم ومعرفتهم وديانتهم ـ انتهى.
وقال المحقق التفتازاني هذا أشد الجرم طعن في اسناد القراء السبعة رواياتهم وزعم انهم انما يقرأون من عند انفسهم وهذه عادته يطعن في تواتر القراءات السبع وينسب الخطأ تارة اليهم كما في هذا الموضوع وتارة الى الرواة عنهم وكلاهما أخطأ لان القراءة خطأ وكذا الرواة عنهم انتهى كلامه.
وقال ابن المنير : نبرأ الى الله ونبري جملة كلامه عما رماهم به فقد ركب عمياً وتخيل القراءة اجتهاداً واختياراً لانقلا واسناداً ونحن نعلم ان هذه القراءة قرأها النبيصلىاللهعليهوآلهعلى جبرئيلعليهالسلامكما انزلها عليه وبلغت الينا بالتواتر عنه فالوجوه السبعة المتواترة جملا وتفصيلا فلا مبالاة لقول الزمخشري وامثاله ولولا عذران المنكر ليس من اهل علمي القراءة والاصول لخيف عليه الخروج عن ربقة الاسلام ومع ذلك فهو في عهدة خطرة وزلة منكرة والذي ظن ان تفاصيل الوجوه السبعة فيها ما ليس متواتر غلط ولكنه اقل غلطاً من هذا فان هذا جعلها موكولة
الى الآراء ولم يقل ذلك أحد من المسلمين ثم انه شرع في تقرير شواهد من كلام العرب لهذه القراءة وقال في آخر كلامه ك ليس الغرض تصحيح القراءة العربية بل تصحيح العربية بالقراءة[١].
واما نفى التواتر المنقول عن جملة من محققيهم فهي وان كانت ذات تصيب في كتب التحقيق وسهم وافر على السنة العلماء الا انها متروكة ومهجورة ومعزوف عنها في حيز العمل عند جمهور المسلمين لعدم توفر البديل الذي يعتد به.
واما عند الشيعة الامامية فان أول من حكى القراءات السبع ف مصنفاته من علمائهم السيد الرضي[٢]في كتاب حقائق التأويل[٣]في غير موضع منه ثم جاءت النوبة الى العلامة الحلي[٤]فاستلقها واوجب العمل بمقتضاها دون سواها بل ادعى صريحاً تواترها كما هو صريح لفظه في المنتهى حيث قال : يجوز ان يقرأ بأي قراءة شاء من السبعة لتواترها اجمع ولا يجوز ان يقرأ بالشاذ وان اتصلت رواية بعدم تواترها.[٥]
فقلده اكثر من جاء من بعده من غير ضبط أو تحقيق ثم انتهت النوبة الى الشهيد الاول الشيخ جمال الدين محمد بن مكي العاملي[٦]الذي ادعى تواترها عن النبيصلىاللهعليهوآلهوزاد عليها كمال العشر.
وكان أول من ادعى ذلك بهذه المثابة وقد صرح بذلك في كتابه الموسوم بذكرى الشيعة بقوله : يجوز القراءة بالمتوات ولا يجوز بالشواذ ومنع بعض الأصحاب من قراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف وهي كمال العشر والأصح جوازها
[١]كشكول المحقق البحراني الشيخ يوسف (قده) ج ٣ ص ٣٣٩ ـ ٣٤٠.
[٢]المتوفى سنة ٤٠٦.
[٣]حقائق التأويل متشابه التنزيل ج ٥ ص ٨٧ ط بيروت.
[٤]المتوفى سنة ٧٦٢ هـ.
[٥]المنتهى ج ١ ص ٢٧٣.
[٦]المستشهد سنة ٧٧٢ هـ.
لثبوت تواترها كثبوت قراءة القراء السبعة[١].
والمستغرب كيف انه قد اشتهر على السنة الفقهاء كافة كما سيمر بك نقل كلامهم ان اول من ادعى تواترها انما هو الشهيد الاول ولذا افردوه بالذكر عند النقص ولاابرام وهو غلط محقض بل هو اول من زاد عليها دعوى كمال العشر وقد تعاصرا الا ان العلامة الحلي كان اسبق ولادة ووفاة حيث توفى سنة ٧٦٢ هـ بينما الشهيد الاول كانت شهادته في سنة ٧٨٦ هـ بفارق زمن قدره اربع وعشرون عاماً.
وكان اول من تبعه في هذه الدعوى الشهيد الثاني الشيخ زين الدين الجبعي العاملي المستشهد سنة ٩٦٥ هـ في كتاب المقاصد العلية في شحر النفلية حيث بالغ الأخير بقوله : ان كلا من القراءات السبع من عند الله تعالى نزل بها الروح الأمين على قلب سيد المرسلينصلىاللهعليهوآلهالطاهرين تخفيفاً على الامة وتهويناً على اهل هذه الملة.
وحكى عند سبطه (ابن بنته) السيد السند في المدراك بقوله : وقد نقل جدي (قده) عن بعض محققي القراء انه أفرد كتاباً في اسماء الرجال الذين نقلوا هذه القراءات في كل طبقة وهم يزيدون عما يعتبر في التواتر[٢].
ثم تبعهم المحقق الثاني الشيخ علي في جامع المقاصد بقوله : فقد اتفقوا على تواتر السبع وفي الثلاث اأخر التي بها تكمل العشرة وهي قراءة ابي جعفر ويعقوب وخلف تردد نظراً الى الاختلاف في تواترها وقد شهد شيخنا في الذكرى بثبوت تواترها ولا يقصر عن ثبوت الاجماع بخبر الواحد فحينئذ تجوز القراءة بها ..[٣].
وتصل النوبة الى السيد محمد جواد العاملي (قده) الذي اعتمد هو الآخر
[١]ذكرى الشيعة ص ١٨٧ ط قم مكتبة بصيرتي.
[٢]مدارك الاحكام ص ١٨٧ ط قم حجري.
[٣]جامع المقاصد ج ٢ ص ٢٤٦ ط قم مؤسسة اهل البيت :.
على ما ادعاه الشهيد الاول فصرح بقوله : ليعلم ان هذه السبع ان لم تكن متواترة الينا كما ظن لكن قد تواتر نقل الاجماع على تواترها فيحصل لنا بذلك القطع ...[١].
... الظاهر من كلام اكثر علمائنا واجماعاتهم انها متواترة اليهصلىاللهعليهوآلهوسلم.
ونقل الامام الرازي اتفاق اكثر أصحابه على ذلك ..[٢]وقال في موضع آخر : وقد علم ... ان كل ما ورد الينا متوتراً من السبع فهو متواتر الى النبيصلىاللهعليهوآلهوما اختلفت الرواية فيه عن احدهما (اي راويي كل قارئ) يعدل عنه الى ما اتفقت فيه الرواية عن القارئ الآخر لانه ليس بواجب ولا مستحب عند الكل اتباع قراءات الواحد في جميع السورة ولا مانع عندهم (اي القراء) من ترجيح بعضها (اي بعض القراءات المروية عنهم) على بعض.[٣].
ومسنوافيك بالمزيد من الاقوال الأخر في هذه المسألة في الفصل التالي
وكيف كان فان ما ادعاه السيد الخوئي فيما نقلناه عنه في صدر الكلام انما صار اليه من عدم اعطاء النظر والتأمل حقه في المسألة الذي ادى به الى عدم الاحاطة التامة والصحيحة بأطراف الأقوال.
والذي ينبغي ان يذكر في المقام ان العلامة الحلي في كتاب المنتهى هو أول من ادعى تواتر السبع المشهورة ثم زاد عليها الشهيد الاول دعوى أخرى اضافية مفادها تواتر قراءات القراء الثلاثة ابي جعفر ويعقوب وخلف وهي كمال العشر في القرن الثامن الهجري وهذه الدعوى الأخيرة هي الأساس الذي اوقع من جاء بعد عصره في الالتباس وتأثث شباك الوسواس الخناس اما قبل القرن
[١]مفتاح الكرامة ج ٢ ص ٣٩١.
[٢]نفس المصدر السابق ص ٣٩٢.
[٣]نفس المصدر السابق ص ٣٩٤.