وما اشبه ذلك مما يكثر تعداده ويطول الجواب باثباته[١].
(القول التاسع عشر)
المنع من صدق اسم القرآن على غير المقطوع به بالتواتر ذهب اليه جمع من الاعلام.
قال النراقي في مستند الشيعة : اما ما ورد في بعض الاخبار من الامر بالقراءة كما يقرأ الناس أو كما تعلمتم فلا يفيد العموم مع انه انما ورد في مقال السؤال عما وجد في مصاحف الائمةعليهمالسلاممن بعض الكلمات الخالية عنها سائر المصاحف وانهم لا يحسنون قراءة ذلك.
اقول : المستفاد مما افاده قدس سره ان كل قراءة وردت بأي نحو اتفق لا يمكن الركون اليها مجرداً من دون قيد أو شرط بدعوى وورد النص عنهمعليهمالسلامبالقراءة كما يقرأ الناس فان القرائن الحالية والمقالية حاكمة على النص ومخصصة له بما يفيد المنع من كل قراءة لم يثبت تواترها عن النبيصلىاللهعليهوآلهولم تنقل عن من يعتد به لسابقة صحبة أو شدة ملازمة له أو لقرب عهده بهصلىاللهعليهوآلهمع اتصافه بشروط العدالة من حسن الظاهر واستقامة السيرة وسلامة المعتقد.
وقال الفيض الكاشاني في كتاب الوافي فيما تقدم نقله عنه :
الحق ان المتواتر من القرآن اليوم ليس الا القدر المشترك بين القراءات جميعاً دون خصوص آحادها اذ المقطوع به ليس الاّ ذاك فان المتواتر لا يشتبه بغيره.
وقال الفاضل المتتبع الشيخ محمد بن الحسن بن محمد الاصفهاني المشتهر على السنة الفقهاء بالفاضل الهندي صاحب كشف اللثام في كتاب قراح الاقتراح في تهذيب كتاب اقتراح النحو للشيخ جلال الدين السيوطي.
[١]البحر ج ٨٩ ص ٧٥.
والذي يحتج به في النحو من المسموعات ثلاثة الكتاب والسنة وكلام العرب ثم قال الكلام في الكتاب لا شك ان ما نقل منه متواتراً حجة واما ما نقل آحاداً فان كان باخبار عدل وهكذا الى النبيصلىاللهعليهوآلهفهو ايضاً حجة فان خالف قياساً معروفاً كان ذلك مستثنى لا يقاس عليه واما الاكتفاء بفصاحة الراوي فلا وجه له وان صرح بأنه مروية فصيح فانه حينئذ لا يكون الاحتجاج الا بفصاحته وبالجملة فما لم يحصل اليقين او الظن المقارب له بأنه من القرآن لا يصح الاستدلال به من حيث انه من القرآن[١].
وقد بالغ المقدس الاردبيلي بل شدد النكير على من مال الى دعوى تواتر القراءات بقوله :
يفهم من بعض كتب الاصول ان تجويز قراءاة ما ليس بمعلوم كونه قرآناً يقيناً فسق بل كفر فكل ما ليس بمعلوم ان يقيناً قرآن فينبغي لمن يجزم انه يقرأ قرآناً تحصيله من التواتر فلابد من العلم.
فعلى هذا فالظاهر عدم جواز الاكتفاء بالسماع من عدل واحد مع عدم حصول العلم بالقرائن مثل تكرره في الالسن بحيث يعلم لا يختل مع ان خصوصية كل كلمة كلمة في الاعراب والبناء وسائر الخصوصيات قليلاً ما يوجد العدل العارف بذلك فاشتراط ذلك موجب لسرعة ذهاب القرآن عن البين ولما ثبت تواتره فهو مأمون من الاختلال لفسقه مع انه مضبوط في الكتب حتى انه معدود حرفاً حرفاً وحركة حركة.
وكذا طريق الكتابة وغيرها مد يفيد الظن الغالب بل العلم بعدم الزيادة على ذلك والنقص فلا يبعد الاخذ في مثله عن ألهه غير العدل والكتب المدونة لحصول ظن قريب مع العلم بعدم التغيير ..[٢]
[١]الملحق المضاف في آخر المجلد الثاني من كشف اللثام ص ٤٨١ ط طهران منشورات فراهاني.
[٢]مجمع الفائدة والبرهان ج ٢ ص ٢١٧ ـ ٢١٨ ط قم جامعة مدرسين.
وقال المحقق السيد حسين البروجردي في تفسير الصراط المستقيم بعد نقل شطر من كلام المقدس الاردبيلي المتقدم :
اما ما صدر عن المقدس فغريب جداً سيما حكمه بعدم كون غير المقطوع به قرآناً واغرب منه ما حكاه كسابقه عن حكاية التفسيق بل التكفير ولعله لذلك ما شيخنا في الجواهر الى عدم وجوب متابعة شيء من السبع او العشر.[١]
وحاصل ما افادوه وسطروه عطر الله مراقدهم ان المشترك ما بين القراءات السبع بل وبين غيرها قرآن قطعاً لثبوت تواتره واطباق عامة المسلمين على نقله وتعاهده بالضرورة.
واما ما يتعلق بخصوص ما تفرد به كل واحد من القراء السبع أو العشرة أو غيرها فما لم يقم دليل عليها يفيد تواترها عن الصادع بالرسالة النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهمورث للاطمئنان بحالها بالطرق المقبولة علمياً فلا يمكن عدها من القرآن في شيء ولا يصح القراءة بها على انها جزء من القرآن.
(القول العشرون)
جواز القراءة بكل ما كان متداولا في زمن الائمةعليهمالسلامسواء ثبت نقله عنهمعليهمالسلامأم عن غيرهم ممن شملهم الاذن بخلاف من منعوا من قراءته كابن مسعود الذي قال في شأنه الامام الصادقعليهالسلام: ان كان ابن مسعود لا يقرأ على قراءتنا فهو ضال وتفضيل القول فيه سورة (يس) في كتابنا كنز القراء.
قال فقيه المجتهدين في عصره السيد محسن الحكيم في منهاج الصالحين :
الاقوى جواز القراءة بجميع القراءات التي كانت متداولة في زمان الائمة.
وزاد الشهيد السعيد السيد الصدر في تعليقه على الكتاب المذكور بقوله ولم يعلم بمخالفتها لواقع النص القرآني[٢]
[١]تفسير الاصراط المستقيم ج ٣ ص ١٢٣ ط بيروت مؤسسة الوفاء.
[٢]منهاج الصالحين بتعليقة الشهيد الصدر ج ١ ص ٢٣١ ط بيروت دار التعارف.
اقول : ينبغي الاشارة الى عدة امور لا يضاح حقيقة المراد في المسألة :
(الامر الاول) المستفاد من كلامهما عدم المنع من القراءة المنقولة عن الائمةعليهمالسلامبدليل عدم الاستفصال بتقييد او تخصيص الذي يفيد العموم بل هو ظاهر اطلاق العبارة فيشمل الجواز قراءتهمعليهمالسلامكما يعم قراءة غيرهم ولعدم النهي عنها نهى تحريم.
(الامر الثاني) ان الادلة الواردة عنهمعليهمالسلامبجواز القراءة كما يقرأ الناس يستفاد منها أن تخصيص القراءة بما تداوله الناس في أزمنتهمعليهمالسلامحيث اطلاعهم على مدى قربهم من النص المنزل وعلى نوعية قراءتهم ومقدار مطابقتها لأصول اللغة وقواعدها لتنصيصهم على ذلك في عدة مقامات :
(الأول) ما ورد عن الامام ابي الحسن الرضاعليهالسلام: في خبر الكافي المتقدم ذكره حيث جاء فيه : (اقرؤا كما تعلمتم فسيجيء من يعلمكم) حيث يستفاد من (تعلمتم) ما تلقى من القراءة في ماضي الايام بالنسبة لزمان السؤال والاستفسار وما اشتهر من تواتر السبع وكمال العشر والاصطلاح عليهما جملة وتفصيلا انما هو أمر حادث لها في الازمنة المتأخرة بين العامة كما هو ظاهر لا شبهة فيه.
(الثاني) ما يقرب منه في ارادة الدلالة المتقدمة في خبر الكافي ايضاً عن سفيان بن السمط قال : سألت ابا عبد اللهعليهالسلامعن تنزيل القرآن قال : اقرؤوا كما علمتم).
(الثالث) خبر سالم بن سلمة الذي قال فيه الامام الصادقعليهالسلام: (اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم).
حيث يستفاد من ارادة التنبيه بالفعل المضارع (يقرأ) كفاية القراءة بما يتداوله الناس في زمان الاستفسارو ان العمل بها مجزي الى زمان قيام القائم وظهر دولته وبسط سلطانه لانهمعليهمالسلامقد احاطوا بها واطلعوا على نسبة شذوذها كما تقدم ذكره.
يضاف الى ذلك ان (ال) في (الناس) تفيد العهد الذهني الخارجي والمراد بهم ما حكاه السيد البروجردي في تفسيره عن محكي ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة عن الشيخ ابي جعفر الاسكافي انه قال في كتابه المسمى بنقض العثمانية في جملة كلام له في الامامة :
وقد تعلمون ان بعض الملوك ربما احدثوا قولا أو ديناً لهوى فيحملون الناس على ذلك حتى لا يعرفوا غيره كنحو ما أخذ الناس الحجاج بن يوسف بقراءة عثمان وترك قراءة ابن مسعود وابي بن كعب وتوعد على ذلك سوى ما صنع هو وجبابرة بني امية وطغاة بني مروان بولد عليعليهالسلاموشيعته وانما كان سلطانه نحو عشرين سنة.
فما مات الحجاج حتى اجتمع اهل العراق على قراءة عثمان ونشأ ابناؤهم ولا يعرفون غيرها لامساك الاباء عنها وكف المعلمين عن تعليمها حتى لو قرأت قراءة عبد الله وأبي ما عرفوها ولظنوا بتأليفها الاستكراه والاستهجان لألف العادة وطول الجهالة لانه اذا استولت علىالرعية الغلبة وطالت عليهم ايام التسلط وشاعت فيهم المخافة وشملتهم التقية اتفقوا على التخاذل والتساكت فلا تزل الايام تأخذ من بصائرهم وتنقص من ضمائرهم حتى تصير البدعة التي احدثوها غامرة للسنة[١]
وهذا التعبير شبيه بتعبير اميرالمؤمنين عن عائشة بقوله :
(المرأة شر لا بد منه) حيث لم يرد (ال) الجنسية أو الاستغراقية كما قد يتبادر لبعض من لا علم له بل اراد بها (ال) التعريف لافادة ارادة تلك المرأة المعهودة في زمانه والتي جرت الويلات على المسلمين وخرجت من خدرها عصياناً لقوله تعالى « قرن في بيوتكن » وبارزته بالحرب في وقعة الجمل وغيرها من المواقف التي حفظها التاريخ.
(الأمر الثالث) ان القراءة المنسوبة اليهمعليهمالسلاموالتي تضمنتها طائفة
[١]تفسير الصراط المستقيم ج ٣ ص ١١٤ ط بيرون مؤسسة الوفاء.
كبيرة من الروايات ينبغي ان تقسم الى طائفتين :
(الطائفة الاولى)
ما يمكن بل ينبغي الاخذ به والعمل بمقتضاه وهو ما كان شأنه كشأن سائر القراءات ومقدار مخالفته لها كقدر التخالف والتغاير بينها ويستدل عليه بما ورد عنهمعليهمالسلامبالقراءة به والتزامه وهو بمثابة المخصص لعموم الامر بالقراءة كما يقرأ الناس فلا منافاة بينهما.
فمن ذلك الخبر المروي في الكافي والتهذيب والاستغاثة عن عروة التميمي عن زرارة عن ابي جعفرعليهالسلامقال سألته عن قول الله تعالى : (فاغسلوا وجوهكم وايديكم الى المرافق) قال : ليس هكذا تنزيها انما هي فاغسلوا وجوهكم وايديكم من المرافق).
وعليه فتكون من الايات التي دخلها التغيير من المخالفين وفيه دليل على ان القراءات السبع ليست بمتواترة وان (الى) في الاية غير غائية ولا تتوجه فيها الغاية الا بجعلها للمغسول دون الغسل.
ومن ذلك ما رواه الصدوق في العيون باسناده عن الوشا عن الرضاعليهالسلامقال : سمعته يقول : قال أبيعليهالسلامقال ابو عبد اللهعليهالسلامان الله عزوجل قال لنوح انه ليس من اهلك لانه كان مخالفاً له وجعل من اتبعه من اهله قال : وسألني كيف يقرؤن هذه الاية في ابن نوح؟
قلت : يقرؤها الناس على وجهين :(انه عمل غير صالح)و(انه عمل غير صلاح)[١]فقال : كذبوا هو ابنه ولكن الله عزوجل نفاه عنه حين خالفه في دينه.
قال السيد عبد الله شبر في مصابيح الانوار في حل مشكلات الاخبار في شرح هذا الخبر قوله على وجهين يعنى على وزن المصدر وعلى وزن الفعل وقراءة
[١]هود ـ ٤٦.
المصدر توهم انه تولد من الزنا وان الخيانة وقعت من امه كما حكى عن اكثر الجمهور وجعلوه المراد من قوله تعالى :(تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما)[١]وقولهعليهالسلام(كذبوا) يعني في القراءة الموهمة لذلك.
فان قيل : الذي قرأ على وزن الفعل الكسائي ويعقوب وسهيل والباقون على صيغة المصدر فما معنى نفيهعليهالسلاممنها مع انها من القراءة المتواترة قرأ بها اكثر السبعة واكثر العلماء على ان القراءات السبع كل متواترة نزل بها الروح الامين وعلى ذلك بنوا ما روى عنهصلىاللهعليهوآلهانه قال نزل القرآن على سبعة احرف ان المراد بها القراءات قيل الجواب من وجهين :
(الاول) انا لا نسلم ان تواتر القراءات عن النبيصلىاللهعليهوآلهبل عن اربابها من القراء وهم آحاد من المخالفين استبدوا بآرائهم وجعلوا قراءتهم قسيمة لقراءة اهل البيت العالمين بالتنزيل والتأويل فيكون هذا الخبر قدحاً في تواترها عن النبيصلىاللهعليهوآلهوالثاني ان يكون التكذيب راجعاً الى تأويلهم قراءة المصدر بذلك التأويل القبيح الباطل فلا يكون راجعاً الى اصل القراءة ...[٢]
ومن ذلك ما ورد في قوله عزوجل : (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار) (التوبة ـ ١١٩) ففي الاحتجاج عن الصادقعليهالسلامولامجمع عن الرضاعليهالسلام(لقد تاب اله بالنبي عن المهاجرين) والقمي في تفسيره عن الصادقعليهالسلامانه قال هكذا انزلت وفي الاحتجاج عنه ايضاً انه قال : واي ذنب كان لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهحتى تاب منه انما تاب الله به على أمته.
ومن ذلك ما ورد في قوله تعالى : وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى اذا ضاقت عيلهم الارض ... الاية ففي المجمع عن السجاد والباقر والصادقعليهمالسلامانهم قرأوا (خالفوا)
[١]التحريم ـ ١٠.
[٢]مصابيح الانوار في حل مشكلات الاخبار ج ٢ ص ٤٦ ـ ٤٧ ط النجف المطبعة العلمية.
والقمي عن العالمعليهالسلاموالكافي والعياشي عن الصادقعليهالسلاممثله قال : لو كانوا خلفوا لكانوا في حال طاعة.
ومن ذلك ما ورد في قوله عزوجل : له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظنه من أمر الله (الرعد ـ ١٢) ففي تفسير القمي عن الصادقعليهالسلامان هذه الاية قرئت عنده فقال لقارئها الستم عرباً فكيف تكون المعقبات من بين يديه؟ وانما المعقب من خلفه فقال الرجل : جعلت فداك كيف هذا؟ فقال انما انزلت : (له معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظنه بامر الله) ومن ذا الذي يقدر ان يحفظ الشيء من امر الله؟ وهم الملائكة المقربون الموكلون بالناس الخبر ومثله في تفسير العياشي.
الى غير ذلك من الاحاديث المتظافرة المتواترة المعتبرة التي قال في شأنها العلامة المجلسي (ره) في مرآة العقول في شرح الكافي بعد الاشارة الى خبر هشام بن سالم : ولا يخفى ان هذا الخبر وكثير من الاخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره وعندي ان الاخبار في هذا الباب متواترة معنى وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد على الاخبار رأساً بل ظني ان الاخبار في هذا الباب لا يقصر عن اخبار الامامة فكيف بثبوتها بالخبر ..[١]
وقال المحقق البحراني في الحدائق الناضرة : اللازم اما العمل بما قالوا من ان كل ما قرأت به القراء السبعة وورد عنهم في اعراب او كلام او نظام فهو الحق الذي نزل به جبرئيلعليهالسلاممن رب العالمين على سيد المرسلين وفيه رد لهذه الاخبار على ما هي عليه من الصحة والصراحة والاستشهاد وهذا ما لا يكاد يتجرأ عليه المؤمن بالله سبحانه ورسولهصلىاللهعليهوآلهوالائمة الاطهارعليهمالسلامواما العمل بهذه الاخبار وبطلان ما قالوه وهو الحق الحقيق بالاتباع لذوي البصائر
[١]مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول ج ١٢ ص ٥٢٥.