إليه و استقرّت لديه. و يكون على هذا التّقدير علّة امتياز النّفس [32، ب] بعد المفارقة صور تلك الأعمال المنشّئة و العلوم. و ما ذكر. فإنّه إذا جاز أن تبقى من حكم ارتباط النّفس بالبدن هيئات ثابتة توجب التميّز، فلا يستنكر أن يقع على هذا الوجه.
و كيف؟ و لا برهان على استحالته بل يترجّح هذا على التميّز بالهيئات فقط بما يستروح من الإخبارات الإلهيّة و النّبويّة المشيرة إلى هذا. سيّما و قد ثبت صدق المخبرين بما أظهروا من الآيات و المعجزات الثّابتة بالتّواتر، و سيّما نبيّنا- صلّى اللّه عليه و سلّم- الباقية معجزته الآن بين أيدى النّاس، و هى القرآن القائم مقام البرهان فى معرض الدّعوى.
و الفرق بين التميّز بالهيئات فقط و بين ما ذكرنا، هو أنّ الصّور النّاشئة من الأعمال و الصّفات و ما ذكرنا صور وجوديّة فى عوالم موجودة، أرواحها قوى توجّهات نفوس العالمين لها عن علم و اعتقاد، و بخاصيّة ما انعجن فيهم من القوى السّماويّة و توجّهات العقول و النّفوس ممّا يطلب الرّجوع إلى أصله تتميما لدائرة وجوده و حكمه.
و من هذا القبيل يستروح أنّ [علّة] بقاء صور الحيوانات و غيرها و موجبه القوى الحاصلة من توجّهات العقول و النّفوس الفيّاضة حال التكوين. و هذا فرقان بين التّميّز بالهيئات فقط، لكونها تميّزات معقولة تجمعها مرتبة النفس الكلّيّة، و هذه ليست كذلك.
ثمّ يقال: و قد تكون النّفس يتنوّع تلبّسها بتلك الصّور المناسبة المشار إليها بحسب علمها و اعتقادها حال إنشائها لها، و بالتّفصيل الّذي وردت به [33، ألف] الإخبارات الإلهيّة. و على الجملة، فالكلام فى هذا بالنّسبة إلى الاحتمالات يكثر تفصيله. و من اطّلع على جليّة الأمر، اقتصر عليه، غير أنّ المراد ما تلخّص للرأى الشّريف بطريق البرهان النظرىّ فى ذلك ممّا يعوّل المولى عليه و يركن إليه.
مسألة كليّة، [سادسة] تتضمّن عدّة مسائل
من البيّن أنّ الأجسام متناهية القوّة و القبول و قد شهدت الفطرة بأنّ جميع
الممكنات يجب أن يكون مقتضى استعداداتها الكلّيّة و إن كانت غير مجعولة أنّها لا تقبل من مطلق الفيض الربّانيّ إلّا حصّة مقيّدة معيّنة متناهية الحكم.
و بذلك وردت أيضا التّعريفات الإلهيّة على ألسنة الرّسل، ثمّ الكمّل، خصوصا فى حقّ أشرف الممكنات و أولاها قبولا للفيض. هذا مع تعريفهم إيّاه بأنّه أقرب الموجودات نسبة من الحقّ و وحدته، و أنّه الواسطة فى وصول الفيض و المدد إلى جميع الكائنات من الوجه المسمّى بسلسلة التّرتيب.
و إذا كان هو، مع شرفه و جلالة قدره، يحكم على قبوله و قوّته بالتّناهى و القيد من بعض الوجوه، فكيف من دونه؟ و ما الظّنّ بالأجسام و قواها و استعداداتها و قبولها.
و ما الظّنّ أيضا بالأمزجة الطبيعيّة و قواها.
و بعد تقديم هذه المقدّمة فنقول: ما البرهان القاضى باستحالة انقراض النّوع الإنسانيّ من هذا العالم بحادث كلّيّ يطرأ فى العالم العلوىّ توجبها خواصّ بعض القوى و التّشكّلات و الاتّصالات المجهولة للبشر ممّا لم يدرك بالتّجربة و الرّصد و القواعد الهندسيّة؟
و ما المانع أن يكون [33، ب] الموجب لما ذكرنا، منضمّا إلى خواصّ التّشكّلات الفلكيّة و خواصّ الاتّصالات، أمرا آخر من الأمور الإلهيّة يعلمه الحقّ و ينقطع، أعنى النّوع الإنسانيّ و كثير من موجودات هذا العالم العنصرىّ، مدّة ثمّ يعود هذا التكوين فى هذا العالم، إمّا على هذا الوجه أو مثله، أو على نمط آخر؟
بل نقول: و ما البرهان على عدم تناهى القوى الفلكيّة أيضا و كونها لا تقبل التّغيّر و الفساد و التّبديل؟ فإنّا لم نجد- فى كلّ ما ذكروه فى إثبات بقاء الأفلاك و دوام آثارها على هذا الوجه و خلوّها عن خواصّ الطبيعة و دوام قبول عالم الكون و الفساد تلك الآثار على هذا النحو المدرك أو مثله من الأوضاع و التّكوينات- برهانا تامّا يثلج به صدر مستبصر لا يرضى بالأقاويل و التّقريرات الإقناعيّة، بل استبعادات محضة و استحسانات تركن إليها الأفكار، متعلّقها تعظيم العالم العلوىّ و الأجسام البسيطة، فى زعمهم، لا غير.
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری
و أيضا، فما ذكروه- فى أنّ سبب فناء المركّبات التّركيب، و أنّ البسائط لا تقبل الفناء- ضعيف فإنّ المركّبات إنّما وجدت عن البسائط، بل هى مجموع أمور بسيطة. فلو لم تفن تلك لم يفن المركّب. و المتجدّد ليس إلّا الهيأة الاجتماعيّة و التّركيبيّة، و لا يخلو الاجتماع و التركيب من أن يكونا من جملة أجزاء المركّب و المجتمع أو يكونا نسبتين. فإن كانا من جملة أجزاء المركّب و المجتمع، فحكمهما حكم تلك البسائط المجتمعة، و قد تقدّم القول فيها. و إن كانا نسبتين فالنّسب لا تحقّق لها فى أنفسها إلّا بشرط وجود [34، ألف] المنسوب و المنسوب إليه، فكيف تكون علّة للبقاء و الدّوام.
ثمّ نقول: و بأيّ برهان يثبت عندنا خلوّ الأجسام الفلكيّة عن أحكام الطبيعة و خواصّها؟ سيّما، و التّعريفات الإلهيّة على ألسنة الرّسل و الكمّل قد وردت و صرّحت بأنّ الأجسام طبيعيّة، و أنّ حكم بعضها كبعض من حيث الذّات مع تغيّر حادث فى الصّفات و وافقهم على ذلك جماعة من أكابر الحكماء الأوائل، و وقفنا على ذلك فى مصنّفاتهم، و كلّ ذلك على العلم الكريم غير خاف.
و أشار إلى ذلك أيضا، نقلا و تقريرا، صاحب رسائل إخوان الصفاء، و أخبر: «أنّ
سبحانه، [34، ب] يكشف بحسن بيان المولى و إفادته المعضلات، و ييسّر حلّ المشكلات.
مسألة [سابعة]
الإنسان فى هذه النّشأة و الدّار يتعذّر عليه التّجريد التّامّ المفسّر بانقطاع تعلّق النّفس المدبّرة للبدن عن البدن، إذ لو انقطعت العلاقة بالكلّيّة، لكان الموت فإنّ الموت ليس غير ما ذكرنا. و إذا تعذّر انقطاع علاقة النّفس عن تدبير البدن حال الحياة، فلا تخلو النّفس عن أحكام المزاج الطبيعىّ المدبّر فيما تدركه من الآلام و اللّذّات، فلا تخلص عن شوت الطبيعة و حكمها. فمن أين لها أنّ ثمّة آلاما و لذّات روحانيّة صرفة خالية عن أحكام الطبيعة؟، و بأيّ برهان يثبت ذلك؟ و ما المستند فيه؟. و هكذا اللّذّة و الابتهاج المنسوبان إلى الحقّ، سبحانه و تعالى؟.
و لا يقال: إنّا نجد لأنفسنا تلذّذا بإدراك العلوم و المراتب السّنيّة المستلزمة للحكم و الجاه، و ليس ذلك من قبيل الملذوذات الطبيعيّة المعهودة.
فإنّا نقول: من الجائز أن تكون اللّذّات الطبيعيّة صنفين: صنف كثيف و صنف لطيف: فالكثيف هو المعهود أحواله من الملذوذات. الحسّيّة بالحواسّ، كالمأكول و المشروب و غيرهما. و نوع آخر، هو مدرك للنفس من حيث القوى الباطنة، كالذّهن و الخيال. و التّعقّلات النّفسانيّة الحاصلة حال التّلبّس بالتّدبير، و القوى و الإدراكات الإنسانيّة لا تعرى بالكلّيّة عن أحكام الطبيعة. و من ادّعى أنّ ثمّة، وراء ما ذكر، آلاما و لذّات روحانيّة، لا حكم للطبيعة فيها، فعليه البرهان.
مسألة [ثامنة]
ما حقيقة الفيض الصّادر من الحقّ؟ و ما المتعقّل [35، ألف] للعقلاء من معرفته و كيفيّة صدوره و وصوله إلى القوابل؟ لا جائز أن يكون من قبيل الممكنات، و لا جائز أن يكون الحقّ، و ليس هاهنا أمر ثالث لا يكون الحقّ و لا غيره. فكيف الأمر؟ و ما المتعقّل من معنى الإيجاد أوّلا، ثمّ الإمداد ثانيا؟
و بأيّ برهان يثبت ذلك و يتّضح.
[مسألة تاسعة]
و من المسائل المفردة الّتي لم ينتظم على إثباتها و نفيها برهان، مسألة تسلسل علل موجودة غير منتهية إلى غاية.
مسألة (عاشرة)
النّسب الّتي بين الموجودات غير متناهية عندنا، (35 ب) و يجب أن تكون بالنّسبة إلى علم الحقّ متناهية، لما يلزم من المفاسد، ان لو لم تكن كذاك، و لما أسلفناه أيضا فى إثبات علم الحقّ بالجزئيّات، و لما أسلفناه أيضا فى إثبات علم الحقّ بالجزئيّات، و ضعف حجج المنكرين لذلك قياسا و استبعادا. و أيضا فالاتّفاق واقع على أنّ ما دخل [له] فى الوجود فإنّه متناه، و النّسب ناشئة من الموجودات، فكيف ينشأ من المتناهى ما لا يتناهى.
و كذلك يقال فى الأمزجة المتولّدة من العناصر. و مثل ذلك و أعلى منه التّشكّلات و الأوضاع الفلكيّة من الاتّصالات و الكيفيّات و غير ذلك، كالخواصّ و الآثار و نتائجها، فكيف الأمر؟
مسألة (حادية عشرة)
الجوهر لا يبطل ببطلان كيفيّة من كيفيّاته؟ و الحرارة لو بطلت من النّار، لبطلت النّار.
مسألة [ثانية عشرة]
الهيولى المجرّدة لا تقبل القسمة عقلا، و هكذا الصّورة فكيف بحلول الصّورة فى الهيولى صارتا جسما و قبلتا القسمة؟ و لم يتجدّد أمر ثالث غير الاجتماع؟ و أنّه نسبة لا تحقّق لها بنفسها، بل بالتّبعيّة لما له وجود محقّق، كما سبقت الإشارة إليه فى الأسئلة و الأجوبة. تمت الأسئلة بعون اللّه و حسن توفيقه.
[2]أجوبة نصير الدين الطوسىّ عن مسائل صدر الدين القونوىّ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(مقدمة)
الحمد للّه الّذي نصب فى كلّ زمان هاديا للخلق إلى الطريق القويم و مرشدا لهم إلى الصّراط المستقيم، و أيّده بتأييده حتّى جمع بين فضيلتى العلم و العمل، و بلغ مقاصد أهل الكمال بقوّتى الكشف و النظر، و صار مبيّنا لأحكام الشّريعة و مشيرا إلى أسرار أهل الحقيقة، سالكا سبيل الخيرات، واصلا إلى أقصى مقاصد أهل السّعادات، نائبا فى العالم لنبيّه المصطفى، و حبيبه المجتبى، محمّد، خير الخليقة، الدّاعى إلى أشرف الطريقة، صلّى اللّه عليه و على آله و أصحابه و أتباعه.
كما نصب فى زماننا هذا، المولى المعظّم و الإمام الأعظم، قطب الأولياء و خليفة الأنبياء، الدّاعى إلى الحقّ، الهادى للخلق، صدر الملّة و الدّين، مجد الإسلام و المسلمين، محمّد بن إسحاق- أدام اللّه أيّامه، و أنجح مرامه، و أسبغ عليه إنعامه، فى دنياه و أخراه و منقلبه و مثواه- إنّه مفيض الخيرات، و منزل البركات، و مجيب الدّعوات.
و بعد، فقد وصل من جنابه العالى، الّذي يجد أهل العلم و الذّوق جميعا مطالبهم لديه، إلى أحوج خلق اللّه، سبحانه، إليه، محمّد بن محمّد الطوسىّ، كتاب جامع للإشارات الرّوحانيّة إلى الأسرار الرّبّانيّة، متضمّنا للّطائف الحكميّة و النّكت العلميّة، مرشدا إلى المعانى الغيبيّة و الخطرات الذّوقيّة. فاستفاد منه بقدر [36، ب] استعداده، و جعله عدّة لما يحتاج إليه فى معاده، و امتثل أمره النّافذ و مرسومه المطاع، فى إيراد ما وقف عليه و وصل إليه، ممّا قيل فى المسائل الّتي حلّها لا يستطاع، و إن كان قاصرا فهمه عن إدراك ما يبتغى، مقصّرا عن أداء حقّه على الوجه الّذي ينبغى.
و بعث ما سنح له إلى مآبه الشّريف و جنابه المنيف، ليتشرّف بنظره الصّائب و يعرض على رأيه الثّاقب. فإن وقع موقع الارتضاء استسعد بذلك خادم الدّعاء، و إلّا
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری
فعذره مستغن عن الإيراد و الإصدار، و قصور فهمه غير ممكن أن يتدارك بالاعتذار.
فأقول: أمّا صدر الكتاب فمشتمل على فوائد من كلّ فنّ لا يحصى، و مسائل من كلّ جنس الغاية القصيا. و ليت التّوفيق يساعد فى الوصول إلى معرفتها، و التّقدير يعطى استعدادا لفهم حقيقتها.
و إذ كان ذلك أجلّ و أعلى من أن يشتغل ببيانها، أو يحتاج فى كلّ قضيّة إلى إيراد برهانها، أو يورد مقالة فى تحسينها، أو ترتّب فصول فى تزينها فجعلتها ذريعة لمطالبى الحقيقيّة و وسيلة إلى مآربى اليقينيّة، و شرعت فى إيراد ما يتعلّق بالمسائل المشتملة على الأسئلة، و الفوائد المتعلّقة بتلك الوجوه المشكلة، انقيادا لأمره و امتثالا لحكمه. فأقول. و بالله التّوفيق، و إليه انتهاء الطريق.
(جواب المسألة الأولى)
قوله- أدام اللّه أيّامه- «هل
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری
أحدهما: أن يكون ذلك المفهوم فى آحاد تلك الكثيرين بالسّواء، و هو كالإنسان فى زيد و عمرو، و الفرس فى هذا الفرس و ذاك الفرس. و تسمّى تلك الألفاظ متواطئة، و يكون حكمها فيما تقتضى تلك المفهومات حكما واحدا، كما ذكره.
و القسم الآخر: أن يكون ذلك المفهوم فى تلك الكثرة لا على السّواء، بل إمّا أن يكون فى بعضها أقدم، أو أولى، أو أشدّ، أو اكثر. و هو كالأبيض على الثّلج و العاج، و الموجود على الجوهر و العرض.
و فى هذا القسم [37، ب] لا يجب أن تكون مقتضيات تلك المفهومات واحدة، بل ربّما تختلف. مثل اسم الضّوء الواقع على ضوء الشّمس، و ضوء القمر وضوء النّار، وضوء الشّمس يقتضى زوال العشى دون سائر الأضواء و مثل اسم العلم الّذي يكون بعض ما يقع عليه مفهومه بديهيّا و بعضه مكتسبا، و بعضه فعليّا يوجب وجود معلومه و بعضه انفعاليّا لا يوجب ذلك.
و الوجود من هذا القبيل، فإنّه يكون فى الواجب قائما بذاته من غير عروضه لماهيّته، و فى غير الواجب يكون عارضا لماهيّته.
ثمّ العارض للماهيّة يقتضى فى الجسم و المادّة أن لا تكون تلك الماهيّة قائمة بغيرها، و فى الصّورة و العرض يقتضى قيامهما بمحلّ.
و كما أنّه ليس لقائل أن يقول: «لو