لا يتكثّر البتة.
و منها أنّ النّوع الّذي يتكثّر أشخاصه يجب أن يكون مادّيا، أو له تعلّق بالمادّة المتكثرة لذاته، حتّى يتعلّق كلّ شخص بجزء من المادّة.
و منها أنّ الموجود المفارق للمادّة لا يصير، بعد أن كان مفارقا، حاصلا فى مادّة أو مباشرا لمادّة.
و منها: أنّ الحيوان الواحد لا يكون ذا نفسين مباشرين معا لبدنه.
و منها: أنّ المزاج المستعدّ لاستفاضة صورة أو نفس تحفظه و تتصرّف فيه و تكمله و يستكمل بها، بل لا يمكن أن لا يفاض تلك عليه.
و إذا تقرّرت هذه القواعد تمّ البحثان المذكوران بلا دور، و ذلك لأنّ حدوث النّفس إنّما يجب لأنّها لو كانت قديمة لكانت إمّا واحدة لا تتكثّر من غير ملابسة للمادّة، و إمّا متكثّرة قبل التّعلق بالمادّة، و إمّا مفارقة، و بعد المفارقة متعلّقة بمادّة، و كلّها عندهم باطل.
و أمّا إبطال التّناسخ فبيانه هو أنّه يستلزم إمّا عدم إفاضة النّفس من مفيضها، مع وجود مستعدّ لها محتاج إليها. و إمّا تعلّق نفسين ببدن واحد معا. و إمّا تعطيل النّفوس مدّة و تعلّقها بالأبدان بعد ذلك، و إمّا تطابق عدد الموتى و عدد المواليد، و اتّصال بعضها ببعض فى آن واحد. و هذه الأبحاث تستدعى كلاما بسيطا لا يحتمله الاختصار.
فهذه أجوبة المسائل الّتي أوردتها بحسب ما سنح لى على سبيل الاستعجال، مع اشتغال الخاطر بالشّواغل المختلفة المتراكمة. فإن وقع فى بعضها سهو فليذكره، حتّى اصلحه إن قدرت على ذلك.
و إذا يسّر اللّه- تعالى- فراغا يمكن أن أخوض معه فى هذه المسائل و فيما هو من قبّلها أو أهمّ منها بكلام يشتمل على حلّ الشّكوك الواردة عليها إن شاء اللّه، و هو ولىّ التوفيق و إليه المرجع و المآب.
(9)أجوبة مسائل على بن سليمان البحرانىّ
(شرح مسألة العلم)
قال سيّد المحققين و أفضل الحكماء المتألّهين، نصير الملة، و الدّين، محمّد بن محمّد بن الحسن الطوسىّ- روّح اللّه روحه العزيز:
(تمهيد)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أتانى كتاب فى البلاغة منته
إلى غاية ليست تقارب بالوصف
فمنظومه كالدّر حاو نظامه
و منثوره مثل الدّرارى فى اللطف
دقيق المعانى فى جزالة لفظه
يحيّر فى ضمّ الغموض إلى الكشف
كغانية حار العقول بحسنها
تمرّض عيناها و ملثمها يشفى
أتى عن كبير ذى فضائل جمّة
عليم بما يبدى الحكيم و ما يخفى
فأصبحت مشتاقا إليه مشاهدا
بقلبى محيّاه و إن غاب عن طرفى
رجا الطرف أيضا كالفؤاد لقاءه
و أن لا يوافى قبل إدراكه حتفى
قرأت من العنوان حتّى فتحته
و قبّلت تقبيلا يزيد على ألف
فلمّا بدا لي ذكركم فى مسامعى
تعشّقكم قلبى و لم يركم طرفى
فصادفت هذا البيت فى شرح قصّتى
و إيضاح ما عاينته جملة يكفى
وردت رسالة شريفة و مقالة لطيفة، مشحونة بفرائد الفوائد، مشتملة على صحائف اللطائف، مستجمعة لعرائس النّفائس، مملوّة من زواهر الجواهر، من الجناب الكريم، السّيّدىّ السّندىّ، العالمىّ العاملىّ، الفاضلىّ المفضلىّ، المحقّقىّ المدقّقىّ، الجمالىّ الكمالىّ- أدام اللّه جماله و حرس كماله- إلى الدّاعى الضّعيف، المحروم اللهيف، محمّد الطوسىّ، فاقتبس من شرار ناره نكت الزّبور، و آنس من جانب طوره أثر النور. فوجدها بكرا حملت حرّة كريمة، و صادفها صدفا تضمّنت درّة يتيمة، هى أوراق مشتملة على رسائل، فى ضمنها مسائل، أرسلها و سأل عنها من كان أفضل زمانه و أوحد أقرانه، الذي نطق الحقّ على لسانه و لوّح الحقيقة من بيانه.
و رأيت المورد- أدام اللّه إفضاله- قد سألنى الكلام فيها و كشف القناع عن مطاويها، و أين أنا من المبارزة مع فرسان الكلام، و المعارضة مع البدر التّمام، و كيف يصل الأعرج إلى قلّة الجبل المنيع. و أنّى يدرك الظالع شأو الضّليع؟ لكنّى لحرصى على طلب التوصّل الرّوحانيّ إليه، بإجابة سؤاله، و شفعي بنيل التوسّل الحقيقيّ لديه، بإيراد الجواب عن مقاله، اجترأت فامتثلت أمره و اشتغلت بمرسومه، فإن كان موافقا لما أراد فقد أدركت طلبتى، و إلّا فليعذرنى، إذ قدّمت معذرتى، و اللّه المستعان و عليه التكلان. و لآخذ فى تصفّح كلام صاحب الرّسالة فصلا فصلا، و تقرير ما يتقرّر عندى منه أو يرد عليه، مستعينا بالله متوكّلا عليه، إنّه الموفّق و المعين.
(سؤال)
[قال جمال الدّين على بن سليمان البحرانىّ، رحمة اللّه عليه]بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِالحمد للّه على ما أولانا من ملامح مناهج التّوفيق، و هدانا من مطارح مدارج التّحقيق، و دلّنا من مسارح معارج سواء الطريق، و الصّلاة على أفضل الأوّلين و الآخرين، و أكمل النبيّين و المرسلين، محمّد المصطفى، و عترته الطاهرين.
أمّا بعد، فانّ اللّه- سبحانه- لمّا وفّقنى فى ما مضى من الأيّام، و ألقى زمامى بيد المولى الإمام الهمام، سيف الإسلام، علّامة الأنام، لسان الحكماء و المتكلّمين، جمال المحقّين و المحقّقين، كمال الملّة و الدّين، أبى جعفر، أحمد بن على بن سعيد بن سعادة- تلقّاه اللّه بأكمل الوفادة، و تولّاه بأفضل الرّفادة، و بلّغه من منازل علّيّين أعلى مراتب المقرّبين- أشار فى جملة المباحث الشّريفة الإلهيّة و المسائل اللطيفة القدسيّة، إلى إيراد هذه المسألة، أعنى مسألة العلم على الإطلاق.
و ذكر فيها ما يتعلّق بالخلاف و الوفاق بين المتقدّمين و المتأخّرين، من الحكماء و المتكلّمين. فانشعبت منها، كما ترى، تفاريع جليلة و مسائل نبيلة، يطّلع المتأمّل فيها، على جواهر مكنونة، و يصل المتفكّر فيها إلى لطائف مخزونة، لا يكشف عنها الحجاب إلّا الأفراد من اولى الألباب، و لا يرفع عنها الجلباب إلّا من ايّد بروح الصواب.
و كان- قدّس اللّه سرّه و نوّر ضريحه- قد أشار إلى تلك التفاريع مجملة، و عدّها أربعا و عشرين مسألة، تجرى فى نسق الحساب مجرى الفهرست من الكتاب، فعاقه عن كشف قناعها عوائق الحدثان. حتّى درج إلى راحة الرّحمن و عرج إلى ساحة الرّضوان.
فرفعتها معتمدا فى الوصول إلى نوادرها و أغوارها، و النّزول على سرائرها و أسرارها، على وحدانىّ الزمان و ربانىّ البيان، قطب أرباب العرفان و البرهان، النّاهض إلى أعالى أفق عليّين، السّارح فى مسارح المتألّهين، النّاطق عن مشكاة الحقّ المبين، سلطان الحكماء و المتكلّمين، نصير الحقّ و الملّة و الدّين، محمّد بن محمّد الطوسىّ- أيّده اللّه بروح القدسيّين و بلّغه أعلى مناصب العلويّين- فأسعفنى فى سؤالى بأرفع مراتب الإرادة، و أسعدنى على منالى بأوسع مواهب السعادة، فأقمر ليلى بلوامع أنوار أنظاره الزّاهرة، و أسفر نهارى بسواطع أسرار أفكاره الباهرة، نعمة منه و تفضّلا. و تكرمة من لدنه و تطوّلا. فجزاه اللّه عن طوائف العلماء أفضل الجزاء،
و حباه من وظائف الفضلاء أجزل العطاء. إنّه سميع الدعاء، فعّال لما يشاء، و هو المستعان، و عليه التكلان.
«و
معلوم، و ليس النّحو ذلك. و هذا و إن كان فيه موضع نظر و كلام، إلّا أنّ الاشتغال بتحقيق المثال انحراف عن طلب المقصود.
(العلم فعلىّ و انفعالىّ)
2- قال أيضا صاحب الرسالة، رضى اللّه عنه: و هذه القضيّة لا تسلّمها الأوائل على الاطلاق. و يقسمون العلم إلى علم انفعالىّ و إلى علم فعلىّ، و يدّعون أنّ الانفعالىّ تابع للمعلوم و مطابق له.
و يعنون بالانفعالىّ ما كان حاصلا بواسطة الموجودات الخارجيّة و مستفادا من جهتها، و يقولون: إنّ العلم الانفعالىّ متأخر فى الرّتبة أو فى الزّمان عن تحقّق الحقائق و حصول الماهيّات الخارجيّة، و أكثر علومنا من هذا الجنس.
و أمّا العلم الفعلىّ فعندهم أنّ المعلوم تابع له و متحقّق الوجود بسببه، و أنّ الصورة العلميّة عندهم تحصل أوّلا و يحصل بسببها وجود الصّورة الخارجيّة، و يمثّلون ذلك بمن سبق إلى ذهنه صورة متخيّل لم يتقدّم له وجود، فكان تصوّره سببا لوجوده فى الخارج و تحقّقه.
2- أقول: هذه القسمة ليست بمستوفاة للأقسام المحتملة، و الصّحيح أن يقال:
العلم إمّا انفعالىّ، و إمّا فعلىّ، و إمّا ليس بأحدهما و سيأتى البحث عن القسم الثّالث فى موضع يليق بذلك، إن شاء اللّه تعالى.
(علم البارى سبحانه فعلىّ أو غير فعلىّ)
3- قال رحمه اللّه: و يقولون إنّ علم البارى كلّه فعلىّ، و ليس فيه انفعالىّ لأنّه لا يستفيد العلم بالأشياء من وجودها، و إلّا لزم الدور، إذ علمه بها على هذا التقدير متأخّر عن وجودها و وجودها متأخّر عن العلم بها، و ذلك محال.
3- أقول: علم البارى- سبحانه و تعالى- بذاته ليس على أحد القسمين، فإذن القول بأنّ علم البارى كلّه فعلىّ، ليس بحقّ. و أيضا، يمكن أن يكون وجود ما عدا البارى تابعا لقدرته، مستفادا من جهتها، و العلم مطابق لذلك، لا على سبيل التّبعيّة
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری
و لا على المتبوعيّة و الدّور إنّما يلزم من القول بأنّ وجود الأشياء مستفاد من العلم.
أمّا إذا قيل بأنّ وجودها مستفاد من القدرة أو غيرها ممّا ليس بالعلم- ثمّ العلم تابع لوجودها أو مطابق له لا على سبيل التبعيّة- فلم يلزم منه دور. و هذا قول من أنكر وجود العلم الفعلىّ. و التمثيل بالصّورة المتخيّلة السّابقة إلى الذّهن لا يفيد وجود علم يكون علّة موجودة لشىء. و كذلك ما يتمثّلون به من حصول التضرّس عند تصوّر الحموضة، و ذلك لأنّ الموجد هناك، إمّا القدرة مع الإرادة، و إمّا الطبيعة، لا العلم. و الاحتجاج بأنّ «علم
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری
«الأعيان» حتّى يكون الوجود أعمّ من الوجود فى الأعيان لكان الكلام مستقيما.
(نفى أنّ المعدوم ذات ثابتة)
5- قال: و لا يصحّ أيضا [قول] من نفى أنّ المعدوم ذات ثابتة فى نفسها، و ادّعى مع ذلك أنّ العلم تابع للمعلوم لانّ المعدوم على قول هذا ليس شيئا يتبعه العلم لأنّه نفى محض و عدم صرف و إنّما يكون معلوما على تقدير الوجود فيلزم أن لا يكون موجود معلوما للبارى- تعالى- إلّا عند الوجود و قبل الوجود فلا معلوم و لا علم.
5- أقول: يجب أن يفسّر قولهم: «