(9)أجوبة مسائل على بن سليمان البحرانىّ
(شرح مسألة العلم)
قال سيّد المحققين و أفضل الحكماء المتألّهين، نصير الملة، و الدّين، محمّد بن محمّد بن الحسن الطوسىّ- روّح اللّه روحه العزيز:
(تمهيد)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أتانى كتاب فى البلاغة منته
إلى غاية ليست تقارب بالوصف
فمنظومه كالدّر حاو نظامه
و منثوره مثل الدّرارى فى اللطف
دقيق المعانى فى جزالة لفظه
يحيّر فى ضمّ الغموض إلى الكشف
كغانية حار العقول بحسنها
تمرّض عيناها و ملثمها يشفى
أتى عن كبير ذى فضائل جمّة
عليم بما يبدى الحكيم و ما يخفى
فأصبحت مشتاقا إليه مشاهدا
بقلبى محيّاه و إن غاب عن طرفى
رجا الطرف أيضا كالفؤاد لقاءه
و أن لا يوافى قبل إدراكه حتفى
قرأت من العنوان حتّى فتحته
و قبّلت تقبيلا يزيد على ألف
فلمّا بدا لي ذكركم فى مسامعى
تعشّقكم قلبى و لم يركم طرفى
فصادفت هذا البيت فى شرح قصّتى
و إيضاح ما عاينته جملة يكفى
وردت رسالة شريفة و مقالة لطيفة، مشحونة بفرائد الفوائد، مشتملة على صحائف اللطائف، مستجمعة لعرائس النّفائس، مملوّة من زواهر الجواهر، من الجناب الكريم، السّيّدىّ السّندىّ، العالمىّ العاملىّ، الفاضلىّ المفضلىّ، المحقّقىّ المدقّقىّ، الجمالىّ الكمالىّ- أدام اللّه جماله و حرس كماله- إلى الدّاعى الضّعيف، المحروم اللهيف، محمّد الطوسىّ، فاقتبس من شرار ناره نكت الزّبور، و آنس من جانب طوره أثر النور. فوجدها بكرا حملت حرّة كريمة، و صادفها صدفا تضمّنت درّة يتيمة، هى أوراق مشتملة على رسائل، فى ضمنها مسائل، أرسلها و سأل عنها من كان أفضل زمانه و أوحد أقرانه، الذي نطق الحقّ على لسانه و لوّح الحقيقة من بيانه.
و رأيت المورد- أدام اللّه إفضاله- قد سألنى الكلام فيها و كشف القناع عن مطاويها، و أين أنا من المبارزة مع فرسان الكلام، و المعارضة مع البدر التّمام، و كيف يصل الأعرج إلى قلّة الجبل المنيع. و أنّى يدرك الظالع شأو الضّليع؟ لكنّى لحرصى على طلب التوصّل الرّوحانيّ إليه، بإجابة سؤاله، و شفعي بنيل التوسّل الحقيقيّ لديه، بإيراد الجواب عن مقاله، اجترأت فامتثلت أمره و اشتغلت بمرسومه، فإن كان موافقا لما أراد فقد أدركت طلبتى، و إلّا فليعذرنى، إذ قدّمت معذرتى، و اللّه المستعان و عليه التكلان. و لآخذ فى تصفّح كلام صاحب الرّسالة فصلا فصلا، و تقرير ما يتقرّر عندى منه أو يرد عليه، مستعينا بالله متوكّلا عليه، إنّه الموفّق و المعين.
(سؤال)
[قال جمال الدّين على بن سليمان البحرانىّ، رحمة اللّه عليه]بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِالحمد للّه على ما أولانا من ملامح مناهج التّوفيق، و هدانا من مطارح مدارج التّحقيق، و دلّنا من مسارح معارج سواء الطريق، و الصّلاة على أفضل الأوّلين و الآخرين، و أكمل النبيّين و المرسلين، محمّد المصطفى، و عترته الطاهرين.
أمّا بعد، فانّ اللّه- سبحانه- لمّا وفّقنى فى ما مضى من الأيّام، و ألقى زمامى بيد المولى الإمام الهمام، سيف الإسلام، علّامة الأنام، لسان الحكماء و المتكلّمين، جمال المحقّين و المحقّقين، كمال الملّة و الدّين، أبى جعفر، أحمد بن على بن سعيد بن سعادة- تلقّاه اللّه بأكمل الوفادة، و تولّاه بأفضل الرّفادة، و بلّغه من منازل علّيّين أعلى مراتب المقرّبين- أشار فى جملة المباحث الشّريفة الإلهيّة و المسائل اللطيفة القدسيّة، إلى إيراد هذه المسألة، أعنى مسألة العلم على الإطلاق.
و ذكر فيها ما يتعلّق بالخلاف و الوفاق بين المتقدّمين و المتأخّرين، من الحكماء و المتكلّمين. فانشعبت منها، كما ترى، تفاريع جليلة و مسائل نبيلة، يطّلع المتأمّل فيها، على جواهر مكنونة، و يصل المتفكّر فيها إلى لطائف مخزونة، لا يكشف عنها الحجاب إلّا الأفراد من اولى الألباب، و لا يرفع عنها الجلباب إلّا من ايّد بروح الصواب.
و كان- قدّس اللّه سرّه و نوّر ضريحه- قد أشار إلى تلك التفاريع مجملة، و عدّها أربعا و عشرين مسألة، تجرى فى نسق الحساب مجرى الفهرست من الكتاب، فعاقه عن كشف قناعها عوائق الحدثان. حتّى درج إلى راحة الرّحمن و عرج إلى ساحة الرّضوان.
فرفعتها معتمدا فى الوصول إلى نوادرها و أغوارها، و النّزول على سرائرها و أسرارها، على وحدانىّ الزمان و ربانىّ البيان، قطب أرباب العرفان و البرهان، النّاهض إلى أعالى أفق عليّين، السّارح فى مسارح المتألّهين، النّاطق عن مشكاة الحقّ المبين، سلطان الحكماء و المتكلّمين، نصير الحقّ و الملّة و الدّين، محمّد بن محمّد الطوسىّ- أيّده اللّه بروح القدسيّين و بلّغه أعلى مناصب العلويّين- فأسعفنى فى سؤالى بأرفع مراتب الإرادة، و أسعدنى على منالى بأوسع مواهب السعادة، فأقمر ليلى بلوامع أنوار أنظاره الزّاهرة، و أسفر نهارى بسواطع أسرار أفكاره الباهرة، نعمة منه و تفضّلا. و تكرمة من لدنه و تطوّلا. فجزاه اللّه عن طوائف العلماء أفضل الجزاء،
و حباه من وظائف الفضلاء أجزل العطاء. إنّه سميع الدعاء، فعّال لما يشاء، و هو المستعان، و عليه التكلان.
«و
معلوم، و ليس النّحو ذلك. و هذا و إن كان فيه موضع نظر و كلام، إلّا أنّ الاشتغال بتحقيق المثال انحراف عن طلب المقصود.
(العلم فعلىّ و انفعالىّ)
2- قال أيضا صاحب الرسالة، رضى اللّه عنه: و هذه القضيّة لا تسلّمها الأوائل على الاطلاق. و يقسمون العلم إلى علم انفعالىّ و إلى علم فعلىّ، و يدّعون أنّ الانفعالىّ تابع للمعلوم و مطابق له.
و يعنون بالانفعالىّ ما كان حاصلا بواسطة الموجودات الخارجيّة و مستفادا من جهتها، و يقولون: إنّ العلم الانفعالىّ متأخر فى الرّتبة أو فى الزّمان عن تحقّق الحقائق و حصول الماهيّات الخارجيّة، و أكثر علومنا من هذا الجنس.
و أمّا العلم الفعلىّ فعندهم أنّ المعلوم تابع له و متحقّق الوجود بسببه، و أنّ الصورة العلميّة عندهم تحصل أوّلا و يحصل بسببها وجود الصّورة الخارجيّة، و يمثّلون ذلك بمن سبق إلى ذهنه صورة متخيّل لم يتقدّم له وجود، فكان تصوّره سببا لوجوده فى الخارج و تحقّقه.
2- أقول: هذه القسمة ليست بمستوفاة للأقسام المحتملة، و الصّحيح أن يقال:
العلم إمّا انفعالىّ، و إمّا فعلىّ، و إمّا ليس بأحدهما و سيأتى البحث عن القسم الثّالث فى موضع يليق بذلك، إن شاء اللّه تعالى.
(علم البارى سبحانه فعلىّ أو غير فعلىّ)
3- قال رحمه اللّه: و يقولون إنّ علم البارى كلّه فعلىّ، و ليس فيه انفعالىّ لأنّه لا يستفيد العلم بالأشياء من وجودها، و إلّا لزم الدور، إذ علمه بها على هذا التقدير متأخّر عن وجودها و وجودها متأخّر عن العلم بها، و ذلك محال.
3- أقول: علم البارى- سبحانه و تعالى- بذاته ليس على أحد القسمين، فإذن القول بأنّ علم البارى كلّه فعلىّ، ليس بحقّ. و أيضا، يمكن أن يكون وجود ما عدا البارى تابعا لقدرته، مستفادا من جهتها، و العلم مطابق لذلك، لا على سبيل التّبعيّة
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری
و لا على المتبوعيّة و الدّور إنّما يلزم من القول بأنّ وجود الأشياء مستفاد من العلم.
أمّا إذا قيل بأنّ وجودها مستفاد من القدرة أو غيرها ممّا ليس بالعلم- ثمّ العلم تابع لوجودها أو مطابق له لا على سبيل التبعيّة- فلم يلزم منه دور. و هذا قول من أنكر وجود العلم الفعلىّ. و التمثيل بالصّورة المتخيّلة السّابقة إلى الذّهن لا يفيد وجود علم يكون علّة موجودة لشىء. و كذلك ما يتمثّلون به من حصول التضرّس عند تصوّر الحموضة، و ذلك لأنّ الموجد هناك، إمّا القدرة مع الإرادة، و إمّا الطبيعة، لا العلم. و الاحتجاج بأنّ «علم
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری
«الأعيان» حتّى يكون الوجود أعمّ من الوجود فى الأعيان لكان الكلام مستقيما.
(نفى أنّ المعدوم ذات ثابتة)
5- قال: و لا يصحّ أيضا [قول] من نفى أنّ المعدوم ذات ثابتة فى نفسها، و ادّعى مع ذلك أنّ العلم تابع للمعلوم لانّ المعدوم على قول هذا ليس شيئا يتبعه العلم لأنّه نفى محض و عدم صرف و إنّما يكون معلوما على تقدير الوجود فيلزم أن لا يكون موجود معلوما للبارى- تعالى- إلّا عند الوجود و قبل الوجود فلا معلوم و لا علم.
5- أقول: يجب أن يفسّر قولهم: «
بالحقيقة ماهيّتها، لا غير.
ثمّ إنّ العلم الأزلىّ و العلوم السّابقة على الصّور الموجودة فى الأعيان، الّتي يمثّلون بها، و إن لم تكن عللا موجودة لتلك الصّور فلا شكّ فى أنّها شرائط يحتاج إليها فى حصول الصور، فلا بدّ من أن تكون متقدّمة، و المتقدّم لا يكون متأخّرا، من الجهة الّتي هو بها متقدّم.
فإذن العلوم بالمتبوعيّة أولى من الصور الّتي يمتنع أن تكون متبوعة.
(العلم ليس بتابع للاعتقاد)
6- قال: و هذا مذهب، لم يحك الّا عن هشام بن الحكم، و فيه ما علمت من الفساد.
فهذه حجّة من قسم العلم إلى قسمين، و يخرج على هذا التقسيم الجواب عن احتياج من قال: «لو