فهو تامّ و لا يمنع حصول التصوّر بالوجه الأوّل طلب التصوّر على الوجه الثاني، إذ الناقص يحتاج إلى تامّ، و التامّ مستغن عن متمّم، فظهر الجواب.
و أمّا الجواب عن الحجّة الثانية، فهو أنّا لا نسلّم أنّه لا أظهر من المحسوسات و الوجدانيّات، فى الحكم بحصولها و وجودها و تمييزها بلوازمها و لا نسلّم أنّه لا أظهر منها فى معرفة حقائقها بأجزائها الذاتيّة المقوّمة التي تكشف عن معانيها.
بل نقول: المحسوسات و الوجدانيّات تشارك غيرها من الحقائق، فى حاجتها إلى كشف و إيضاح و حدّ يعرّفها و يميّزها. ليس تصوّرنا لها من وجه يصحّ معه الحكم عليها لمنع أن يجهل حقائقها فانّ التصديق بالشّيء لا يتوقّف على تصوّر معناه بمقوّماته و أجزائه الذّاتيّة، بل يكفى فى الحكم عليه أن نتصوّره بواسطة لوازمه الّتي تخصّه و نتوصّل بعد ذلك إلى معرفة حقيقته. هذا أصل فى التّصوّرات و التّصديقات غير مختصّ بهذه المسألة، ينبغى أن يتأمّل، لينتفع به فى امور كثيرة.
7- أقول: امّا الحجّة الأولى الّتي أوردها لمن ادّعى أنّ ماهيّة العلم منكشفة غير محتاجة إلى حدّ و رسم، فلو كانت مبنيّة على التمييز المجرّد، لكان الجواب عنه بما أجابه كافيا فانّه جواب صحيح، لكنّهم لا يبنون الحجّة على التمييز فقط، بل يقولون كما ذكره هو أيضا: انّ أحدنا يعلم كونه عالما بالبديهة، و إذا كان هذا الحكم بديهيّا فالتصوّرات التي يتأخّر الحكم عنها أولى بكونها بديهيّة، و لا شكّ أنّ تصوّر نفس العلم من جملة تلك التصوّرات.
لكنّ الجواب الذي ذكره جواب عن هذه الحجّة أيضا.
و ذلك أنّ التصوّر إذا احتمل النّقصان و التّمام و الشّدّة أمكن أن يكون المحتاج اليه فى الحكم البديهىّ المذكور تصوّرا ناقصا ضعيفا، و ما يحتاج فيه إلى الحدّ و الرّسم هو تمام ذلك التصوّر و كماله، على أنّ كثيرا من التصديقات البديهيّة متفرّع على تصوّرات غير بديهيّة، و الذي ذكره فى الجواب عن الحجّة الثانية يزيد ذلك وضوحا و بيانا، و هو حسن صحيح.
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری
(نقد الحدود فى تعريف العلم)
8- قال: و أمّا القائلون بأنّ حقيقة العلم غير متصوّره بالضّرورة فقد اختلفوا فى تفسيره، فمنهم من فسّره بأنّه اعتقاد الشىء على ما هو به، مع اقتضائه سكون النفس، و منهم من قال: هو ما يقتضى سكون النّفس، و منهم من قال هو معرفة المعلوم على ما هو به، و منهم من قال: هو ما به تتّصف الذّات بأنّها عالمة، أو ما به يصحّ من الذّات إحكام الأشياء و إتقانها.
و هذه العبارات و ما ضاهاها، و إن اختلفت، فإنّها تقتضى أنّ العلم معنى يقوم بالذّات العالمة، فيوجب بها الوصف و ينكشف لها به الأشياء و يظهر، فهو الأمر الّذي به يقع الانكشاف و ربّما عبّر عنه بعضهم بالكشف، إذ بالكشف يحصل الانكشاف، كما يحصل بالحركة التحرّك، و بالسواد التسوّد.
ثمّ القائلون بهذا مع اتّفاقهم على هذا القول يختلفون فى فروع تتعلّق، مثل اختلافهم فى أنّه هل يجوز أن يكون علم واحد متعلّقا بمعلومات كثيرة، أولا، و هل يصحّ أن يكون من ذلك ما هو قديم، حتّى يكون علم البارى قديما، أم لا؟ و هل يجب حصول العلم الّذي هو معنى لكلّ موصوف بأنّه عالم، أولا يوصف بذلك إلّا من كانت له هذه الصفة على طريق الجواز. و هذه الفروع و أشباهها ممّا يقع الخلاف فيها بين متكلّمى المعتزلة و الأشعريّة معروفة. فلا نطوّل بذكرها.
8- أقول: الحدّ الأوّل من الحدود التي حكاها عنهم، و هو «
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری
العلم يقتضيه بالذّات، و الباقيان يقارنانه لا على سبيل الوجوب.
و كذلك الحدّ الثّالث، و هو قولهم: «معرفة
مساوية للمعلوم عند العالم فى المبدأ الأوّل مشكل جدّا، و صاحب الرسالة لم يتعرّض لذلك.
و ذلك أنّ المبدأ الأوّل للموجودات- تعالى ذكره- إذا كان علمه بالأشياء بوجود صور الأشياء معقولة عنده، فلا يخلو إمّا أن تكون تلك الصّور قائمة بأنفسها أولا تكون، بل تكون قائمة بغيرها و لا يخلوا، إمّا أن يكون قيامها بذات المبدأ الأوّل، أو يكون بغيرها، فهذه ثلاثة تقديرات.
و على التقدير الأوّل يلزم القول بالمثل الأفلاطونيّة. و قد قيل فى إبطالها ما قيل؟
و على التّقدير الثاني يلزم أن يكون ذاته- تعالى- محلّا للكثرة من الامور الممكنة، فإنّ الصّور القائمة بشيء غير ذواتها لا تكون واجبة بذواتها. و علّتها إن كانت ذاته- تعالى- كان الشىء الواحد فاعلا و قابلا، معا، لشىء واحد، و هو محال عندهم، للبراهين المذكورة فى كتبهم، و إن كانت غير ذاته، كانت ذاته منفعلة عن الغير، مستكملة بالغير، و جميع ذلك محال.
و على التّقدير الثّالث ينتقض الحدّ المذكور، و هو قولهم: «إدراك
10- قال: و يقولون: انّ الذي سمّاه الأوّلون بالعلم هو العقل الفعليّ الّذي بسببه تحصل المعقولات (فى النفس)، و هى الصّور الّتي سمّوها علوما. و جماعة من الأوّلين، و هم الأشعريّة، سمّوا هذه التّصوّرات النّفسانيّة بالكلام النّفسانىّ.
فقد حصل الاتّفاق بين الفريقين فى إثبات الأمر الأوّل و الثّاني، و لكن بعضهم سمّى الأوّل علما و الثّاني كلاما نفسانيّا، و الفريق الآخر: الأوّل عقلا فعليّا بسيطا، و الثاني علما تصوّريّا، و جعلوا الكلام النّفسانىّ هو الأحكام التّصديقيّة النّفسانيّة.
10- أقول: أمّا الأمر الأوّل من الأمرين الأوّلين اللذين ذكرهما فلا شكّ فى وجوده، لانّ الذّات الّتي من شأنها أن تعلم أو تدرك يجب أن تمتاز عن التي ليس من شأنها ذلك، فإذن ما به الامتياز هو ذلك الأمر. و ذلك الأمر لا يجوز أن يكون زائدا على الذّات المقيّدة بالقيد المذكور، سواء كان زائدا على الذّات وحدها أو لم يكن.
و أمّا الأمر الثّاني، فالمراد من الصّورة الذّهنيّة صورة مساوية لصورة المدرك الّتي بها هو هو فى الماهيّة، و مغايرة لها بالعدد، و يحصل فى ذات المدرك أو فى آلة إدراكه.
و الحقّ أنّه ليس من شرط كلّ إدراك أن يكون بصورة ذهنيّة، و ذلك أنّ ذات العاقل إنمّا يعقل نفسه بعين صورتها التي بها هى هى. و أيضا المدرك للصّورة الذّهنيّة إنّما يدركها بعين تلك الصّورة لا بصورة أخرى، و إلّا لتسلسل، و لزم مع ذلك أن يجتمع فى المحلّ الواحد صور متساوية فى الماهيّة مختلفة بالعدد فقط، و ذلك محال.
فإذن، إنّما يحتاج فى الإدراك إلى صورة المدرك، أمّا الاحتياج إلى صورة ذهنيّة، فقد يكون حيث يكون المدرك غير حاضر عند المدرك و عدم الحصول يكون إمّا لكون المدرك غير موجود أصلا، أو لكونه غير موجود عند المدرك، أى يكون بحيث لا يصل آلة الإدراك إليه. و ذلك إنّما يكون بسبب شىء من الموانع العائدة، إمّا إلى المدرك نفسه، أو إلى آلة الإدراك، أو إليهما جميعا.
و اعلم: أنّ القول بالأمر الثّاني، أعنى الصّور، (لا) يغنى عن القول بالأمر الأوّل، لأنّ الذّات الّتي لا يكون من شأنها أن تدرك لا يمكن أن تتصوّر بصورة أصلا.
و إذا تقرر هذا، فنقول: كما أنّ الكاتب يطلق على من يتمكّن من الكتابة، سواء كان مباشرا للكتابة أو لم يكن، و على من يباشرها، حال المباشرة باعتبارين كذلك العالم يطلق على من يتمكّن من أن يعلم، سواء كان فى حال استحضار المعلوم أو لم يكن، و على من يكون مستحضرا له، حال الاستحضار، باعتبارين فوقوع اسم العالم على الأمر الأوّل يكون بالاعتبار الأوّل، و على الأمر الثاني بالاعتبار الثاني.
و العالم الذي يكون علمه ذاتيّا فهو بالاعتبار الأوّل، لأنّه بذلك الاعتبار لا يحتاج فى كونه عالما إلى شىء غير ذاته، و العلم بهذا الاعتبار شىء واحد. و أمّا بالاعتبار الثاني فهو محتاج إلى اعتبار صورة المعلوم، و هو من حيث صورة المعلوم مغاير لذاته، و العلم بذلك الاعتبار متكثّر بتكثّر المعلومات.
و إدراك الأوّل- تعالى- بالاعتبار الثاني، أمّا لذاته فيكون بعين ذاته لا غير، و يتّحد هناك المدرك و المدرك و الإدراك، و لا يتعدّد إلّا بالاعتبارات التي يستعملها العقول.
و أمّا لمعلولاته القريبة منه، فيكون بأعيان ذوات تلك المعلولات، إذ لا يتصوّر هناك عدم حضورها بالمعانى المذكورة أصلا، و تتّحد هناك المدركات و الإدراكات، و لا يتعدّدان إلّا بالاعتبار و يغايرهما المدرك.
و أمّا لمعلولاته البعيدة، كالماديّات و المعدومات، الّتي من شأنها إمكان أن توجد فى وقت أو تتعلّق بموجود، فيكون بارتسام صورها المعقولة فى المعلولات القريبة التي هى المدركات لها أوّلا و بالذات، و كذلك إلى أن ينتهى إلى إدراك المحسوسات بارتسامها فى آلات مدركها. و ذلك لانّ الموجود فى الحاضر حاضر، و المدرك للحاضر مدرك لما يحضر معه.
فإذن «لا
بيانه يحتاج إلى سعة من الكلام لا يحتمله هذا المختصر. و فى هذا القدر كفاية لمن يساعده التّوفيق. و اعلم أنّ تسمية العلم بالكلام مجازيّ، و هو كتسمية المدلول بالدّليل، و المعبّر عنه بالعبارة.
(نقد أنّ العلم هو الاضافة)
11- قال: و ذهب جماعة من المتكلمين إلى أنّ العلم ليس معنى ينكشف به المعلومات، كما قال الأوّلون و لا هو حصول صورة المعلومات فى الذّهن، كما ذكره الآخرون و إنّما هو شعور العالم بالمعلوم، و هو إضافة العالم إلى المعلوم، و ليس بمعنى يوجب التعلّق بالمعلوم و لا هيأة تقتضى الإضافة إلى المعلوم، و إنمّا هو نفس الإضافة، لا ماله الإضافة. و هذا اختيار أبى الحسين البصرىّ و أصحابه و من المتأخرين فخر الدّين الرازيّ.
و الّذي نقول فى هذا: هو أنّ الذّاهب إلى أنّ العلم هو نفس الإضافة لا يخلو: إمّا أن يقول- مع هذه الإضافة التي يسمّيها الشعور- بالصّور الذّهنيّة، و إن كان لا يسمّى تلك الصّور علوما. فيكون خلافه فى المسمّى بالعلم ما هو، و هل هو الصّورة الّتي يلزمها الإضافة، أو هو نفس الاضافة. أو يقول: إنّ هاهنا صورا للمعلومات تحصل فى الأذهان، و لكلّ صورة من تلك نسبة خاصة و إضافة ثابتة. فيكون قد سلّم مراد الحكماء، و نازع فى اسم العلم أنّه موضوع لنفس النّسبة، أو للصّور الّتي يلزمها النّسبة، و ذلك بحث لفظىّ لا يليق بالمتكلّمين النّزاع فيه.
و كذلك يقال له على رأى المتكلمين: إنّه إمّا أن يثبت، مع الإضافة، المعنى الّذي يوجب الإضافة، فيكون نزاعه فى العبارة، كما تقدّم. و إمّا أن يذهب إلى نفى المعنى الذي يقول به المتكلّمون، و لا يثبت الصّور الذّهنيّة الّتي يختارها الأوّلون، و لا يثبت إلّا ذات العالم و ذات المعلوم، و النّسبة بين العالم و المعلوم، و لا يثبت شيئا آخر.
فنوضح فساد قوله: إنّ هذه النّسبة لا تخلو إمّا أن تكون حاصلة موجودة أو غير حاصلة و لا موجودة:
فإن كانت حاصلة فلا تتحقّق إلّا عند تحقّق كلّ واحد من المنتسبين، فيلزم أن لا تثبت هذه النّسبة الّتي هى العلم إلّا للموجودات، فيكون المعدوم لا يصح العلم به، لأنّه غير ثابت و لا حاصل، فتحصل النّسبة إليه. و لأجل هذا الدقيقة أثبت مشايخ المعتزلة للأشياء أعيانا ثابتة فى العدم، ليصحّ تعلّق العلم بها و تميّز بعضها عن بعض و لو أنّهم ممّن يقول بالوجود الذّهنىّ لما ارتكبوا من ذلك ما شنّع به عليهم فتحقّق أنّ النّسبة لا تكون إلّا بمنتسبين ثابتين، و أنّ العدم المحض و النّفي الصّرف لا يصحّ تميّزه، و لا تعلّق شىء به و نسبته إليه. و هذا واضح لمن تأمّله.
و إن كانت النّسبة التي هى العلم عنده لا تكون ثابتة حاصلة فقد استوى العلم و اللّاعلم لانّه إذا لم يكن عالما بالشّيء لم تكن النّسبة إليه حاصلة، و إذا كان عالما لم تكن النّسبة ثابتة.
و ما أدّى إلى أن يتساوى كون العالم عالما و لا كونه عالما فهو محال. فثبت أنّ ما قالوه- من أنّ حقيقة العلم هى الإضافة فقط، من غير زيادة أمر آخر- قول فاسد.
و اعلم: أنّ المتكلّمين من مشايخ المعتزلة و إن أثبتوا أمرا زائدا يوجب هذه الإضافة، فإنّهم لا يتخلّصون عن هذا الإشكال إلّا بالتزام أنّ المعدوم ذات ثابتة فى عدمه، ليصحّ تعلّق العلم عندهم به و حصول النسبة إليه. و إنّما لزمهم ذلك لأنّهم لا يثبتون الصّور الذّهنيّة، و يجعلون النّسبة إليها إذ لا بدّ من ثبوت النّسبة من ثبوت المنتسبين، و إذا لم يكن ثبوت ذهنىّ للحقيقة لم يبق إلّا ثبوت عينىّ خارجىّ، و ذلك هو قول القائل بأنّ المعدوم هو ذات ثابتة فى العدم. و قد سبق فى كلامنا فى المسائل السّالفة ما يوضح فساد هذا المذهب، فلا حاجة إلى إعادته.
و إذا تقرّر معنى العلم و ما يفسّره صاحب كلّ قول و ما يلزم عليه من الأسئلة فنقول:
أمّا من قال بانّ العلم تابع (للمعلوم) و كان يرى رأى المشايخ فى المعدوم، فكلامه واضح ظاهر على أصله لانّ المعدوم عنده متحقّق ثابت، يتعلّق به المعنى الّذي هو العلم، على ما هو به، فيكون العلم علما بمطابقة المعلوم الثّابت، و يكون