آداب قبل شروع الدرس
من سمات الفقيه المقدس الميرزا التبريزي قدس سره سعيه الحثيث إلى إيصال رسالته للآخرين لاسيما تلامذته بكل حركة من حركاته وسكناته، فكانت أعماله هادفة ولايصدر منه فعل أو قول أمام الناس إلا عن دقة وحساب فائقين غالباً[1]، فإذا ما دخل المسجد الأعظم لإلقاء دروسه صلى ركعتين ثم رفع يديه إلى السماء للدعاء ثم يرتقي المنبر لإلقاء دروسه، وكان لهذا العمل الأثر البالغ في روحية الطلبة؛ حيث كانوا يشاهدون بأعينهم هذا المرجع بهذه المرتبة العظيمة وبهذا العلم الغزير يجثو قبل إلقاء درسه في ساحة القدس الإلهي ليطلب المدد والعون، وهذا بحدّ ذاته رسالة إلى جميع
[1]لابدّ للمعلّم أن يهتمّ بظاهر أعماله وأفعاله أيضاً.
قال الشهيد رحمه الله في ذلك:« أن يحترز من مخالفة أفعاله لأقواله وإن كانت على الوجه الشرعي مثل أن يحرّم شيئاً ويفعله أو يوجب شيئاً ويتركه أو يندب إلى فعل شيء ولا يفعله وإن كان فعله ذلك مطابقاً للشرع بحسب حاله فإنّ الأحكام الشرعيّة تختلف باختلاف الأشخاص كما لو أمر بتشييع الجنائز وباقي أحكامهم وأمر بالصيام وقضاء حوائج المؤمنين وأفعال البرّ وزيارة قبور الأنبياء والأئمة ولم يفعل ذلك لاشتغاله بما هو أهمّ منه بحيث ينافي اشتغاله بما يأمر به ما هو فيه والحال أنّه أفضل أو متعين وحينئذ فالواجب عليه مع خوف التباس الأمر أن يبيّن الوجه الموجب للمخالفة دفعاً للوسواس الشيطاني من قلب السامع» إلى أن قال:« وبالجملة فمثل العالم والمتعلّم في انتقاشه بأخلاقه وأفعاله مثل الفصّ والشمع فإنّه لا ينتقش في الشمع إلّاما هو منقوش في الفص وقد شاهدنا هذا عياناً في جماعات من طلبة العلم مع مشايخهم على اختلاف أفعالهم وأخلاقهم».[ منية المريد، ص 77]
المتصدين للتدريس، لقد أراد القول إن على الانسان المتدين أينما كان ومهما كان عمله أن يلتجأ إلى الله تعالى ويتوسل بأهل البيت عليهم السلام ويطلب منهم العناية والمدد[1].
[1]ينبغي للمعلّم قبل شروع الدرس مراعاة آداب، قال الشهيد رحمه الله في ذلك:« أن يسلّم على من حضر إذا وصل إلى المجلس ويصلّي ركعتين تحيّة المسجد إن كان مسجداً وإلّا نوى بهما الشكر للَّهتعالى على توفيقه وتأهيله لذلك أو الحاجة إلى تسديده وتأييده وعصمته من الخطأ أو مطلقتين فإن( الصلاة خير موضوع)». ثم قال:« يدعو بعدهما بالتوفيق والإعانة والعصمة» ثم قال:« أن ينوي قبل شروعه بل حين خروجه من منزله تعليم العلم ونشره وبثّ الفوائد الشرعية وتبليغ الأحكام الدينيّة التي اؤتمن عليها وأمر ببيانها والازدياد في العلم بالمذاكرة وإظهار الصواب والرجوع إلى الحق والاجتماع على ذكر اللَّه تعالى والدعاء للعلماء الماضين والسلف الصالحين وغير ذلك ممّا يحضره من المقاصد. فإنّ بإحضارها بالبال وكثرتها يزيد ثواب العمل فإنّما الأعمال بالنيات».[ منية المريد، ص 91 و 92]
ضرورة دراسة الكتب التقليدية
ومن النكات التي كان الميرزا التبريزي قدس سره يوصي بها الطلبة الشباب هي ضرورة دراسة الكتب الحوزوية التقليدية وعدم الخروج عن اطارها، فكان مخالفاً لمناهج التدريس الجديدة أشد المخالفة، يقول في ذلك:
«على طالب العلم أن يقتدي بسلفه في طريقة طلب العلم وقراءة الكتب التي كان عليها السلف فإنها تصنع من الانسان عالماً بحق».
كان مخالفاً لتغيير مناهج الدرس الحوزوي والعدول عن الكتب الحوزوية، وكان يرى ضرورة ترك الحرية للطلاب في انتخاب الكتاب الذي يريدون دراسته من الكتب القديمة، حتى يستطيع كل واحد منهم الدراسة بحسب ما لديه من استعداد وقدرة على ذلك[1]، وكان مخالفاً لانتقال الدروس إلى المدارس، وقد أعلن عن ذلك مراراً أيام حياته، وكان يعتقد بضرورة ترك الحرية للطالب في انتخاب وقت الدرس بحسب
[1]لابدّ لطالب العلم من مراعاة استعداده وفهمه.
قال الشهيد رحمه الله في آداب المتعلّم في درسه:« أن يقتصر من المطالعة على ما يحتمله فهمه وينساق إليه ذهنه ولا يمجّه طبعه وليحذر من الاشتغال بما يبدّد الفكر ويحيّر الذهن من الكتب الكثيرة وتفاريق التصانيف فإنّه يضيّع زمانه ويفرّق ذهنه. وليعط الكتاب الذي يقرؤه والفنّ الذي يأخذه كلّيته حتّى يتقنه حذراً من الخبط والانتقال المؤدّي إلى التضييع وعدم الفلاح ومن هذا الباب الاشتغال بكتب الخلاف في العقليّات ونحوها قبل أن يصحّ فهمه ويستقرّ رأيه على الحق ويحسن ذهنه في فهم الجواب وهذا أمر يختلف باختلاف النفوس والإنسان فيه على نفسه بصيرة.[ منية المريد، ص 135]
استعداده وزمان قابليته للدرس حتى يتمكن من الاستفادة القصوى من درسه، وأنّ على الطلاب المرور على الدروس المختلفة ليروا ما يناسب قابليتهم واستعدادهم فيشتركوا فيها[1].
[1]ينبغي لطالب العلم الحضور في الدروس المختلفة بحسب استعداده.
قال الشهيد رحمه الله في ذلك في آداب المتعلّم في درسه:« أن يلازم حلقة شيخه بل جميع مجالسه إذا أمكن فإن ذلك لا يزيده إلّاخيراً وتحصيلًا وأدباً واطّلاعاً على فوائد متبدّدة لا يكاد يجدها في الدفاتر كما أشار إليه علي عليه السلام في حديثه:( ولا تمل من طول صحبته فإنّما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك منها منفعة) ولا يقتصر على سماع درس نفسه فقط فإنّ ذلك علامة قصور الهمّة بل يعتني بسائر الدروس فإنّها كنوز مختلفة وجواهر متعدّدة فليغتنم ما فتح له منها إن احتمل ذهنه ذلك فيشارك أصحابها حتى كأنّ كلّ درس له فإن عجز عن ضبط جميعها اعتنى بالأهمّ فالأهمّ».[ منية المريد، ص 134]
الاحترام لكتب الفقه والحديث
كان الفقيه الكبير المرحوم الميرزا جواد التبريزي قدس سره دقيقاً وحذراً في حمل كتب الفقه والحديث، ولأجل أن يأخذ كتاباً ما فانه كان يرفع أحياناً عدد من الكتب ويضعها على الأرض حتى يصل إلى الكتاب الذي يحتاجه.
وكان يولي احتراماً خاصاً لكتب الفقه والحديث عندما ينقلها من مكان إلى آخر فكان يراعي الدقة والاحترام عند نقلها[1]، ويقول دائماً: «إن هذه الكتب تحتوي على الأحاديث الشريفة لأهل البيت عليهم السلام فانقلوها بدقة واحترام». وكان ينحني بشدة حتى يضع الكتاب على الأرض أو على الطاولة، وأحياناً يقبل الكتب احتراماً لما تحتويه من علوم ومعارف لأهل البيت عليهم السلام، وكان هذا درساً لجلسائه والمحيطين به.
[1]ينبغي لطالب العلم مراعاة الأدب بالنسبة إلى كتبه.
قال الشهيد رحمه الله في ذلك:« ... ويراعي الأدب في وضع الكتب باعتبار علومها وشرفها وشرف مصنّفها فيضع الأشرف أعلى الكلّ ثم يراعي التدريج فإن كان فيها المصحف الكريم جعله أعلى الكل والأولى أن يكون في خريطة ذات عروة في مسمار أو وتد في حائط طاهر نظيف في صدر المجلس ثمّ كتب الحديث الصرف ثم تفسير القرآن ثم تفسير الحديث ثم أصول الدين ثم أصول الفقه ثم الفقه ثم العربية. ولا يضع ذات القطع الكبير فوق ذوات الصغير لئلّا يكثر تساقطها ولا يكثر وضع الردة في أثنائه لئلّا يسرع تكسّرها». ثم قال:« أن لا يجعل الكتاب خزانة للكراريس أو غيرها ولا مخدة ولا مروحة ولا مكنساً ولا مسنداً ولا متكئاً ولا مقتلة للبراغيث وغيرها لا سيّما في الورق ولا يطوي حاشية الورقة أو زاويتها ولا يعلم بعود أو بشيء جاف بل بورقة لطيفة ونحوها وإذا ظفر فلا يكبس ظفره قوياً».[ منية المريد، ص 193 و 194]
ويقول ابنه: لم أر والدي يوماً يمد رجله اثناء المطالعة وكان يجلس باحترام والكتب تحيط به من كل جانب وأثناء درسه كان يقول: «ان حمل هذه الكتب بهذه الأيدي أمان من نار جهنم لأن فيها أحاديث ومعارف أهل البيت عليهم السلام».
إقامة مجالس العزاء لأهل بيت النبوة عليهم السلام
كان فقيه أهل البيت الميرزا جواد التبريزي قدس سره معروفاً بشدة البكاء في مجالس عزاء أهل البيت عليهم السلام الأمر الذي كان له الأثر العجيب على الحاضرين فكان الطلبة لاسيما الشباب منهم يهيمون في النظر إلى وجهه النوراني الذي يجود بزخات الدموع كسحاب مثقل بالمطر.
ولطالما كرر الميرزا قدس سره هذه العبارات على ابنه: «اطلبوا من الخطباء أن يطيلوا في ذكر المصيبة»، فقد كان مولعاً بسماع مصائب أهل البيت عليهم السلام يكفكف دموعه بكامل التواضع بذلك المنديل الأسود الذي أوصى بدفنه معه في القبر، ثم يهيم بحالته الروحانية تلك في محبة أهل البيت عليهم السلام ويذرف غزيز دمعته لمصائبهم، وكان يهدف إلى اضفاء هذه الحالة العزائية على الآخرين إضافةً إلى التزامه بها، فاذا ما رأى أحد الحاضرين غير مكترث بالمصيبة نبّهه بنفسه أو عبر واسطة.
وكان يقيم مأتماً للعزاء في صباح كل خميس في مكتبه ويحضره بنفسه بكل رغبة وشوق متأدباً في مجلس ذكر مقامات أهل البيت عليهم السلام.
أحاديث أهل البيت وعلوم آل محمد عليهم السلام
لقد كان الفقيه المقدس الميرزا التبريزي قدس سره شديد التأنّي في تقليب الكتب و في انتقاء الكتاب الذي يستند عليه وربما حدث أن تناول العديد من الكتب ثم يرجعها إلى مكانها إلى أن ينتخب منها كتاباً، كان يولي الكتب الروائية والفقهية احتراماً خاصاً[1]ويتناولها بكل احترام وعناية ومما ينقل عنه في ذلك قوله دائماً «إنها أحاديث وعلوم ومعارف أهل البيت عليهم السلام الشريفة فانتبهوا في حملها ونقلها».
لم يلحظ على الميرزا التبريزي قدس سره يوماً أنه تناول كتاباً ثم ألقاه إلى
[1]إن لعلمي الحديث والفقه شرفاً عظيماً وكذا كتبهما باعتبارهما.
قال الشهيد رحمه الله في ذلك:« وأمّا علم الحديث فهو أجلّ العلوم قدراً وأعلاها رتبةً وأعظمها مثوبةً بعد القرآن وهو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه و آله أو إلى الأئمة المعصومين عليه السلام قولًا أو فعلًا أو تقريراً أو صفةً حتى الحركات والسكنات واليقظة والنوم وهو ضربان رواية ودراية. فالأوّل العلم بما ذكر. والثاني وهو المراد بعلم الحديث عند الإطلاق وهو علم يعرف به معاني ما ذكر ومتنه وطرقه وصحيحه وسقيمه وما يحتاج إليه من شروط الرواية وأصناف المرويّات ليعرف المقبول منه والمردود ليعمل به أو يجتنب. وهو أفضل العلمين فإنّ الغرض الذاتيّ منهما هو العمل والدراية هي السبب القريب له وقد روي عن الصادق عليه السلام أنه قال:( خبر تدريه خير من ألف ترويه)» إلى أن قال:« وأمّا الفقه فأصله- في اللغة- الفهم أو فهم الأشياء الدقيقة- وفي الاصطلاح: علم بحكم شرعي فرعيّ مكتسب من دليل تفصيلي سواء كان من نصه أم استنباطاً منه وفائدته امتثال أوامر اللَّه تعالى واجتناب نواهيه المحصّلان للفوائد الدنيويّة والأخروية. وممّا ورد في فضله وآدابه خبر:( من يرد اللَّه به خيرا فقّهه في الدين) ...».[ منية المريد، ص 212 و 215]
الأرض؛ بل كان ينحني إلى أن يضعه بيده على الأرض أو على الطاولة، وكان ذلك درساً لكل من كان حوله.
يقول نجله: لم أرَ والدي المرحوم يمد رجليه أثناء المطالعة قط، فكان يجلس جلسة المتربع دائماً وينشغل بمطالعته بين كتبه التي تحيط به من كل جانب، وكان يحمل كتبه الفقهية والروائية بنفسه إذا ما توجه لإعطاء الدرس وكان الميرزا يقول في ذلك: «إن حمل هذه الكتب أمان ليدي من نار جهنم لأنها معارف أهل البيت عليهم السلام وفقه آل محمد صلى الله عليه و آله».