قوله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ[1]يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (103) :
وذلك يدل على أنه فرض لكنه فرض على الكفاية.
ولعل قوله: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ) يدل على ذلك، فإنه يقتضي بظاهره أنه إذا قام به البعض، سقط عن الباقين[2]، فإنه قال: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ) .
أي إن جميعكم ربما لا يمكنهم ذلك، فليتول قوم منكم حتى يكون المعروف مأتيا والمنكر مرفوضا، وقد أمر الله تعالى بالأمر بالمعروف في مواضع في كتابه لا حاجة بنا إلى ذكرها، ووردت في ذلك أخبار أوفاها ما رواه أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قال:
«من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»[3].
وقد قال الله تعالى في هذا المعنى:
(وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ
[1]أي جماعة: يقصدها الناس ويقتدون بها.
[2]ويقول الامام الغزالي رضي الله عنه:
«في هذه الآية بيان الإيجاب، فان قوله تعالى «ولتكن» امر، وظاهر الأمر الإيجاب وفيها بيان ان الفلاح منوط به،، إذ حصر وقال: أولئك هم المفلحون، وفيها بيان انه فرض كفاية لا فرض عين، وانه إذا قام به امة سقط الفرض عن الآخرين. انظر كتاب البدعة، وكتاب الإسلام دين السعادة. [.....]
[3]أخرجه أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه، وابن ماجة في سننه، عن أبي سعيد رضي الله عنه.
بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ)[1].
وقال: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ)[2]- إلى قوله- (كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ) .
وقد قال الله تعالى:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)[3]الآية.
وليس ذلك ناسخا لوجوب الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنه إذا أمكنه إزالته بلسانه فليفعله، وإن لم يمكنه إلا بالعقوبة والقتل فليفعله، وإن انتهى بدون القتل لم يجز بالقتل وهذا يتلقى من قوله تعالى:
(فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ)[4].
وعليه بنى العلماء: أنه إذا دفع الصائل[5]على النفس، أو على المال عن نفسه، أو عن ماله، أو مال غيره، أو نفس غيره، فله ذلك ولا شيء عليه، ولو رأى زيد عمرا وقد قصد مال بكر، فيجب عليه أن يدفعه عنه، إذا لم يكن صاحب المال قادرا عليه ولا راضيا به، ولو قصد ماله، فيجوز له أن يتركه عليه ولا يدفعه، وفي الصيال على النفس خلاف.
[1]الآية: 9 من سورة الحجرات.
[2]الآية: 78، 79 من سورة المائدة.
[3]الآية: 105 من سورة المائدة.
[4]آية: 9 من سورة الحجرات.
[5]الصائل: الواثب، وصال الفحل يصول صولا: وثب.
ولو كان في يد الغاصب مال غيره وسعك أن تبيعه، ويقتله إن لم يقف، وكذلك في السارق إذا أخذ المتاع فيجوز ابتياعه، والسارق الذي ينقب البيوت كمثل، حتى قال العلماء: لو فرضنا قوما من أصحاب المكوس والضرائب والأموال الذين في أيديهم أموال الناس، وهم ممتنعون من إيصالها إلى الملاك، ولا ينفعهم الردع بالكلام والملام والتخويف بالله، فيجوز قتلهم من غير إنذار، لأنهم لا يقبلون ذلك من أحد لقوله تعالى:
(لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ) يعني: لم يقبل منكم ولا يقدر على منعه من الظلم، فعليك نفسك.
وقال تعالى في ذكر أصحاب السبت[1].
(أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا)[2].
فدل ذلك على أن من لم ينه عن الظلم، جعل راضيا به حتى وجب تعذيبه، وقد نسب قتل الأنبياء المتقدمين، إلى من كان في عصر النبي صلّى الله عليه وسلم من اليهود، الذين كانوا موالين لأسلافهم القاتلين لأنبيائهم.
وبنى الشافعي عليه: أن فعل الفاعل، إذا كان في نفسه قبيحا ومفسدة فيجوز دفع الفاعل عنه لما يأتي على نفسه، ولا ضمان على قاتله، مثل أن يصول مجنون أو بهيمة على مال لرجل أو نفسه، فيجوز للمصول عليه ولغيره قتله، ولا ضمان عليه، وهو من قبيل النهي عن المنكر، وليس معنى النهي تكليف الفعل، ولكنه دفع الفاعل عن الفعل القبيح والظلم والتشنيع.
[1]واصحاب السبت هم جماعة من اليهود خالفوا امر ربهم، ففجأتهم نقمته سبحانه على صنيعهم واعتدائهم واحتيالهم في المخالفة.
[2]الآية: 165 من سورة الأعراف.
وأبو حنيفة يخالف في ذلك، لأنه يرى أن القاتل ليس ظالما بفعله، ويقال له إنه ليس ظالما بفعله، إلا لأن الفعل غير قبيح ولا مفسدة، ولكن لجهل الفاعل، ولو علمه كان به ظالما ولحقه الذم واللوم والسفه، وهذا بين.
ومن جملة ذلك: أنه إذا كان في بلد الإسلام من يضلل الناس بشبهة وبدعة، فإنه يجب إزالته بما أمكن، لأنه نهي عن المنكر، ومن لم يكن داعيا للناس إلى ذلك، وإنما يذعن إلى الحق، فإقامة الدلائل على صحة قول أهل الحق وتبيين فساد شبهه، ما لم يخرج على أهل الحق بسيفه، ويكون له أصحاب يمتنع بهم عن الإمام، فإن خرج داعيا إلى مقالته مقاتلا عليها، فهذا الباغي الذي أمر الله تعالى بقتاله حتى يفيء إلى أمر الله
قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً[1]مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ[2]خَبالًا) (الآية 118) :
فيه دلالة، على أنه لا يجوز الاستعانة بأهل الذمة في شيء من أمور المسلمين من العمالات والكتابة.
ولما استكتب أبو موسى رجلا من أهل الذمة، كتب اليه عمر يعنفه ويلومه ويتلو عليه هذه الآية.
وقيل لعمر: إن هاهنا رجل من أهل الحيرة لم ير رجل أحفظ منه ولا أخط بقلم، فإن رأيت أن تتخذه كاتبا، قال:
[1]أي أصحابا يستبطنون أمركم من دون أبناء جنسكم وهم المسلمون.
قال الزمخشري: «بطانة الرجل ووليجته خصيصه وصفيه الذي يفضي اليه بشعورة ثقة به» .
[2]يقول الزمخشري: ألا في الأمر يألو: إذا قصر فيه.
«قد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين»[1].
قوله تعالى: (وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)[2](159) :
يدل على جواز الاجتهاد[3]في الأمور، والأخذ بالمظنون مع إمكان الوحي، فإن الله تعالى أذن لرسول صلّى الله عليه وسلم في ذلك.
قوله تعالى: (وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ)[4]، ومن يغلل يأت
[1]رواه ابن أبي حاتم، وعمر هو ابن الخطاب رضي الله عنه.
ويقول الرازي:
«فقد جعل عمر رضي الله عنه هذه الآية دليلا على النهي عن اتخاذ النصراني بطانة» .
[2]أي أمر الحرب وغيره توددا إليهم، وتطييبا لنفوسهم، واستظهارا بآرائهم وتمهيدا لسنة المشاورة في الامة.
يقول القرطبي:
«والشورى مبنية على اختلاف الآراء، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف، وينظر أقربها قولا الى الكتاب والسنة أن أمكنته، فإذا أرشده الله تعالى الى ما شاء منه عزم عليه وأنفذه متوكلا عليه، إذ هذه غاية الاجتهاد المطلوب، وبهذا امر الله تعالى نبيه في هذه الآية» اهـ.
[3]قال الخفاجي: «في الآية ارشاد الى الاجتهاد وجوازه بحضرته صلّى الله عليه وسلم» .
وقال الرازي: «دلت الآية على انه صلى الله عليه وسلم كان مأمورا بالاجتهاد إذا لم ينزل عليه وحي، والاجتهاد يتقوى بالمناظرة والمباحثة، فلهذا كان مأمورا بالمشاورة» اهـ.
وقال بعض المفسرين:
«ثمرة الآية: وجوب التمسك بمكارم الأخلاق وخصوصا لمن يدعو الى الله تعالى ويأمر بالمعروف» .
[4]قرئ بالبناء للمعلوم، أي ما صح وما تأتي لنبي من الأنبياء أن يخون في المغنم، بعد مقام النبوة وعصمة الأنبياء عن جميع الرذائل، وعن تأثير دواعي النفس والشيطان فيهم.
وبالبناء للمجهول: أي ما صح أن ينسب الى الغلول ويخون. [.....]
(بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ)[1]الآية (161) :
وفيها دليل على أن الغلول[2]فيما قلّ وكثر، من أصناف الأموال، وأن الأموال الواصلة إلينا من الكفار مشتركا فيما بين الغانمين، إلا فيما استثنى من الأطعمة لأخبار اختصت بها.
[1]يقول صاحب محاسن التأويل:
أشار الى وعيد الغلول بقوله: (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ) أي بعينه، حاملا له على ظهره ليفتضح في المحشر.
وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان- كما أخرجه الامام أحمد في مسنده- يأخذ الوبرة من جنب البعير من الغنم فيقول:
«مالي فيه الا مثل ما لأحدكم منه، إياكم والغلول، فان الغلول خزي على صاحبه احمد في مسنده- يأخذ الوبرة من جنب البعير من الغنم فيقول:
«ما لي فيه الا مثل ما لأحدكم منه، إياكم والغلول، فان الغلول خزي على صاحبه يوم القيامة، أدوا الخيط والمخيط وما فوق ذلك، وجاهدوا في سبيل الله التريب والبعيد في الحضر والسفر، فان الجهاد باب من أبواب الجنة، انه لينجي الله تبارك وتعالى به من الهم والغم، واقيموا حدود الله في القريب والبعيد، ولا تأخذكم في الله لومة لائم» .
[2]أخرج أبو داود والنسائي عن زيد بن خالد الجهني أن رجلا من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم توفي يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
«صلوا على صاحبكم، فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: أن صاحبكم غل في سبيل الله، ففتشنا متاعه، فوجدنا خرزا من خرز يهود لا يساوي درهمين» .
(بسم الله الرّحمن الرّحيم)
سورة النساء[1]
قوله تعالى:
(وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ)[2]الآية[1]:
يدل على تأكيد الأمر في صلة الرحم، والمنع من قطيعتها، وهي اسم
[1]سميت سورة النساء: لأن ما نزل منها في أحكامهن أكثر مما نزل في غيرها.
وفي سبب نزولها روى العوفي عن ابن عباس: نزلت سورة النساء بالمدينة، وكذا روى ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت.
[2]تساءلون: معناه بعضكم بعضا به مثل: أسألك بالله، وأنشدك الله، والمفاعلة على ظاهرها أو بمعنى تسألون كثيرا.
والأرحام: جمع رحم وهو في الأصل مكان تكون الجنين في بطن أمه، ثم أطلق على القرابة مطلقا.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ) : تكرير للأمر وتذكير ببعض آخر من موجبات الامتثال له، فان سؤال بعضهم بعضا بالله تعالى بأن يقولوا: أسألك بالله، وأنشدك بالله، على سبيل الاستعطاف، يقتضي الاتقاء من مخالفة أوامره ونواهيه، وتعليق الاتقاء بالاسم الجليل لمزيد التأكيد والمبالغة في الحمل على الامتثال بتربية المهابة وإدخال الروعة، ولوقوع التساؤل به لا بغيره من أسمائه تعالى وصفاته.
لكافة الأقارب من غير فرق بين المحرم[1]وغيره، وأبو حنيفة يعتبر الرحم المحرم في منع الرجوع في الهبة، ويجوز الرجوع في حق بني الأعمام، مع أن القطيعة موجودة والقرابة حاصلة، ولذلك تعلق بها الإرث والولاية وغيرهما من الأحكام، فاعتبار المحرم زيادة على نص الكتاب من غير مستند، وهم يرون ذلك نسخا، سيما وفيه إشارة إلى التعليل بالقطيعة، وقد جوزها في حق بني الأعمام وبني الأخوال والخالات.
قوله تعالى: (وَآتُوا[2]الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) الآية[2]:
روى عن الحسن أنه قال: لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم، فجعل ولي اليتيم يعزل مال اليتيم عن ماله، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى:
(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ)[3].
وإنما قال الحسن ذلك لأنه تعالى قال:
(وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) إلى قوله (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى)
[1]يقول القرطبي:
«اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة وأن قطيعتها محرمة، وقد صح أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لأسماء وقد سألته- أأصل أمي- نعم صلي أمك» ، فأمرها بصلتها وهي كافرة.
فلتأكيدها دخل الفضل في صلة الكافر.
[2]وإيتاء اليتامى أموالهم كما يقول القرطبي- يكون بوجهين:
أحدهما: اجراء الطعام والكسوة ما دامت الولاية، إذ لا يمكن الا ذلك لمن لا يستحق الأخذ الكلي والاستبدد كالصغير والسفيه الكبير.
الثاني: الإيتاء بالتمكن واسلام الملل اليه، وذلك عند الابتلاء والإرشاد.
[3]سورة البقرة آية 220.