المسألة 2. يقتصّ للرجل من المرأة في الأطراف، وكذا يقتصّ للمرأة من الرجل فيها من غير ردّ، وتتساوى ديتهما في الأطراف ما لم يبلغ جراحة المرأة ثلث دية الحرّ، فإذا بلغته ترجع إلى النصف من الرجل فيهما. فحينئذٍ لا يقتصّ من الرجل لها إلا مع ردّ التفاوت.^
^دية المرأة في الأطراف تساوي دية الرجل ما لم تبلغ الثلث
إذا قطعت المرأة إصبعاً من الرجل أو إصبعين أو ثلاثة، يقتصّ للرجل منها من دون رجوع زائد على الجرح، وإذا قطع الرجل إصبعاً أو إصبعين أو ثلاثة أصابع من المرأة، يقتصّ للمرأة من الرجل من غير ردّ، لأنّ ديتهما إلى ثلث الدية متساوية، إنّما الكلام فيما إذا تجاوزت الثلث، فإنّ دية المرأة ترجع إلى النصف.
فعلى هذا إذا قطع الرجل أربعة أصابع من المرأة فلها أن تقتصّ منه مع ردّ التفاوت على حسب ما مرّ في النفس، وذلك للمستفيضة المعتضدة بعمل الأصحاب من غير خلاف.
روي عن أبان بن تغلب بسند صحيح قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة، كم فيها؟ قال: «عشرة من الإبل»، قلت: قطع اثنتين؟ قال: «عشرون»، قلت: قطع ثلاثاً؟ قال: «ثلاثون»، قلت: قطع أربعاً؟ قال: «عشرون»، قلت: سبحان الله يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟ إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ---)
(--- ممن قاله، ونقول: الذي جاء به شيطان، فقال عليه السلام: «مهلًا يا أبان، إنّ هذا حكم رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، إنّ المرأة تقابل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان إنّك أخذتني بالقياس، والسنّة إذا قيست محق الدين».[1]
هذا ممّا لا خلاف فيه إنّما الكلام في أنّ الموضوع هو بلوغ الثلث أو التجاوز عنه؟ والروايات في المقام مختلفة وهي على طائفتين:
الأُولى:ما يدلّ على أنّ الموضوع هو البلوغ، منها:
1. صحيحة أبان بن تغلب حيث جاء فيها: «فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف»- كما مرّ عليك نصُّها.
2. صحيحة الحلبي حيث جاء فيها: «وأصبع المرأة باصبع الرجل حتّى تبلغ الجراحة ثلث الدية، فإذا بلغت ثلث الدية، ضعفت دية الرجل على دية المرأة»[2].
3. خبر أبي بصير قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن الجراحات؟ فقال:
«جراحة المرأة مثل جراحة الرجل حتّى تبلغ ثلث الدية، فإذا بلغت ثلث الدية سواء، أضعفت جراحة الرجل ضعفين على جراحة المرأة، وسنّ الرجل وسن المراة سواء ...».[3]
كذا ما ورد في «الوسائل» إلّاأنّ صاحب الجواهر نقله بالنحو التالي:---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 44 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 1.
[2]. الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1.
[3]. الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 2.
(--- قال: «جراحات المرأة والرجل سواء إلى أن تبلغ ثلث الدية، فإذا جاز ذلك تضاعفت جراحة الرجل على جراحة المرأة ضعفين».[1]
4. ما رواه جميل بن درّاج، قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن المرأة بينها وبين الرجل قصاص؟ قال: «نعم، في الجراحات حتّى تبلغ الثلث سواء، فإذا بلغت الثلث سواء ارتفع الرجل وسفلت المرأة»[2].
الطائفة الثانية:ما يدل على أنّ الموضوع هو الجمع بين البلوغ والتجاوز، منها:
1. ما رواه ابن أبي يعفور، قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن رجل قطع إصبع امرأة؟ قال: «تقطع إصبعه حتّى ينتهي إلى ثلث المرأة، فإذا جاز الثلث أضعف الرجل»[3].
2. ما رواه الحلبي، قال: سئل أبو عبداللَّه عليه السلام عن جراحات الرجال والنساء في الديات والقصاص سواء؟ فقال: «الرجال والنساء في القصاص السنّ بالسنّ والشجّة بالشجّة، والإصبع بالإصبع سواء، حتّى تبلغ الجراحات ثلث الدية، فإذا جازت الثلث صيرت دية الرجال في الجراحات ثلثي الدية، ودية النساء ثلث الدية»[4].---)
[1]. جواهر الكلام: 42/ 87، ولاحظ الكافي: 7/ 300.
[2]. الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 3.
[3]. الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 4.
[4]. الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب القصاص في الطرف، الحديث 6. ولاحظ الوسائل: 29 طبعة آل البيت عليهم السلام، ففي طبعة المكتبة الإسلامية، سقط.
(--- فيبقى الكلام في ترجيح أحد العنوانين على الآخر؛ والظاهر أنّ الميزان هو البلوغ وذلك للأُمور التالية:
1. لأنّ صحيحة أبان وردت في مقام البيان، والشاهد عليه التفصيل الموجود فيها، فلو كان التجاوز هو الموضوع لما اقتصر على ذكر البلوغ فقط.
2. أنّ المشهور بين الأصحاب هو البلوغ، ولذلك قال العلّامة في التحرير: ويُتساوى جراح المرأة والرجل وأطرافهما إلى أن يبلغ ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث نقصت المرأة إلى النصف، وربما قيل: ما لم يتجاوز الثلث، فإذا تجاوزت رجعت إلى النصف، والأوّل أصحّ لرواية أبان بن تغلب الصحيحة عن الصادق عليه السلام ورواية جميل بن دراج الصحيحة عنه.[1]
ويشير العلّامة في قوله: «وربما قيل» إلى ما ذكره الشيخ في «النهاية» أعني قوله: إلى أن تتجاوز المرأة ثلث دية الرجل، فإذا جاوزت الثلث، سفلت المرأة وتضاعف الرجل على ما نبينه فيما بعد إن شاء اللَّه.[2]
3. أنّ ما دلّ على القول الأوّل من الروايات هو أكثر عدداً وأصحّ سنداً، وأظهر دلالة، لفقدان التعارض بين الصدر والذيل بخلاف الطائفة الثانية، ففيها وجود التعارض بينهما.
قال صاحب الجواهر: إنّ النصوص المعارضة مع قصور سند جملة منها غير واضحة الدلالة إلّامن حيث مفهوم اشتراط الجواز في الذيل وهو معارض لمفهوم الغاية في الصدر، والجمع بينهما كما يمكن بصرف مفهوم الغاية---)
[1]. تحرير الاحكام: 5/ 568، المسألة 7221.
[2]. النهاية: 748.
(--- إلى الشرط كذا يمكن بالعكس.[1]
ومراده من (مفهوم الغاية في الصدر) هو دلالته على شرطية البلوغ فقط دون شيء آخر، أعني التجاوز.
أقول:إنّ الثمرة للقولين لا تظهر في مورد اليد، إذا كانت الدية إبلًا أو ديناراً، وذلك لأنّه لا واسطة بين البلوغ والتجاوز في الإصبع مطلقاً، سواء كانت الدية إبلًا أو ديناراً مثلًا؛ لأنّه لو قطع ثلاث أصابع تكون ديته ثلاثين إبلًا ولا تبلغ ثلث الدية، لأنّ ثلث الدية عبارة عن ثلاث وثلاثين وثلث دينار، فلا يتجاوز الثلث إلّابقطع أربعة أصابع حتّى تكون الدية أربعين من الإبل، وعندئذٍ يتحقّق العنوانان، وعلى ذلك فلا فرق أن يقال: بلغت الثلث أو تجاوزته.
نعم تظهر الثمرة بين كون الموضوع هو البلوغ أو التجاوز في المورد التالي: قد قُرر في محلّه أنّه لو انتهت الجراحة في اللسان إلى استئصاله بالنسبة إلى عامّة الحروف، فعلى الجارح الدية الكاملة، وأمّا في غير الاستئصال فتعتبر الدية حسب حروف المعجم، وهي ثمان وعشرون حرفاً، وتقسّط الدية على الحروف بالسوية، ويؤخذ نصيب ما أعدم منها، فلو قسّمنا الدية الكاملة وهي ألف دينار على عدد الحروف المذكورة، يكون نصيب كل حرف 7، 35 ديناراً تقريباً، وعلى هذا فلو أدّت الجناية على اللسان إلى ذهاب تسعة أحرف وثلث حرف واحد تكون ديته 333 ديناراً تقريباً، وهو ثلث الدية، فلو قلنا بأنّ---)
[1]. جواهر الكلام: 42/ 87.
(--- الميزان هو بلوغ الثلث، فلو أُصيبت المرأة بهذه الجراحة يتنزل نصيبها من الدية إلى النصف أي يكون 5، 166 ديناراً، وأمّا لو قلنا بأنّ الميزان هو التجاوز عن الثلث فتكون دية المرأة والرجل في هذه الصورة سواء.
وأمّا لو بلغت الجناية إلى ضياع عشرة حروف فتكون ديتها 357 ديناراً تقريباً، وهي تزيد على الثلث أربع وعشرين ديناراً تقريباً، فلو أُصيبت المرأة بضياع عشرة حروف تتنّزل ديتها إلى النصف 5، 178 ديناراً، على كلا القولين.
ثم إنّ الحكم (دية المرأة نصف دية الرجل) لايختصّ فيما لو تساوت الديتان بينهما في درجات ثم اختلفتا، بل يعمّ ما ورد النصّ على الثلث وما فوقه ابتداءً، فدية المرأة نصف دية الرجل، مثلًا: قال الشيخ في «المبسوط»: في الشفتين: في العليا الثلث وفي السفلى الثلثان، فدية المرأة في العليا نصف دية الرجل فضلًا عن الثلثين.[1]
وقالوا في سلس البول الدية: إذا دام إلى الليل، وإن كان إلى الزوال فثلثا الدية، وإن دام إلى ارتفاع النهار فثلث الدية. ففي الجميع تكون دية المرأة نصف دية الرجل، إلى غير ذلك من الموارد.[2]
إذا عرفت ذلك فهنا فروع:
الفرع الأوّل:إذا طلبت المرأة القصاص في ثلاث أصابع والعفو عن الرابعة، فهل يجوز لها ذلك، وجهان:
أ. أنّ الحقّ راجع إليها فهي تتخيّر بين قطع ثلاث أصابع من دون ردّ---)
[1]. المبسوط: 7/ 132.
[2]. شرائع الاسلام: 4/ 263، جواهر الكلام: 43/ 314.
(--- شيء أو قطع أربع وردّ الزائد.
ب. أنّ المرأة مخيّرة بين أخذ الدية وعدم قطع شيء من الأصابع أو قطع الأربعة وردّ دية اثنين بناءً على أنّ الثابت لها بالأصالة إنّما هو الدية، أو القصاص في الأربعة مع ردّ الفاضل.[1]
ولك أن تقول: إنّ المرأة يجوز لها القصاص على وجه التساوي إذا لم تتجاوز الجناية عن الثلث كما إذا قطعت ثلاثة أصابع منها، وأمّا إذا تجاوزت الجناية فهي مخيّرة بين أخذ الدية وعدم قطع شيء من الأصابع، أو قطع الأربعة وردّ دية اثنين، وأمّا إجراء القصاص في اثنين والعفو عن اثنين آخرين، فلم يثبت.
الفرع الثاني:لا شكّ أنّ الحكم السابق قطعي فيما لو قطع الرجل أصابع المرأة بضربة واحدة، وأمّا لو قطعها بضربات متعدّدة بحيث تُعدّ كلّ ضربة جنايةً مستقلّة، كما إذا قطع كلّ إصبع من الأصابع الأربعة في أُسبوع، فالظاهر أنّ للمرأة جواز قطع الجميع من دون ردّ شيء، لأنّ ما سبق من رجوع الدية بعد الثلث إلى النصف هو فيما إذا كانت الجناية واحدة، وأمّا إذا تعدّدت فلكلٍّ حكمٌ ثابت يستصحب عند الشكّ.
الفرع الثالث:إذا انعكس الأمر، فقطعت المرأة أصابع الرجل، فهنا الأمر سهل، فأصبع بأصبع، أي للرجل أن يقطع أربعة أصابع من المرأة في مقابل قطعها أصابعه الأربعة من دون ردّ شيء زائد.
[1]. مسالك الأفهام: 15/ 126.
الثاني: التساوي في الدين، فلا يقتل مسلم بكافر، مع عدم اعتياده قتل الكفّار.^
^الثاني: التساوي في الدين
قد أشار في المتن إلى أمرين:
1. عدم جواز قتل المسلم بالكافر. وهذا هو الذي سندرسه هنا.
2. يجوز قتله عند الاعتياد وهذا هو الذي ستأتي دراسته في المسألة رقم (2).
الأمر الأوّل: لايقتل المسلم بالكافر
سواء أكان حربياً أو ذمّياً أو معاهداً أو مستأمناً. وشذّ من قال من العامّة بجواز قتل المسلم بالذميّ، ونُسب إلى أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة، وفي حقّه يقول القائل:
يا قاتل المسلم بالكافر
جِرتَ وما العادل كالجائر
يا من ببغداد وأطرافها
من فقهاء الناس أو الشاعر
جار على الدين أبو يو
سف بقتله المسلم بالكافر
فاسترجعوا وابكوا على دينكم
واصطبروا فالأجر للصابر
قال الشيخ: لا يقتل مسلمٌ بكافر، سواء كان معاهداً أو مستأمناً أو حربياً.
وبه قال في الصحابة: علي عليه السلام وعمر وعثمان وزيد بن ثابت، وفي---)