(--- التابعين: الحسن البصري وعطاء وعكرمة، وفي الفقهاء: مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق، وإليه ذهب: أبو عبيد وأبو ثور، وذهبت طائفة إلى أنّه يُقتل بالذميّ، ولايقتل بالمستأمن ولا بالحربي، ذهب إليه الشعبي والنخعي وأبو حنيفة وأصحابه، والمستأمن عند أبي حنيفة كالحربي.
ثم استدلّوا بقوله تعالى:«وَ لَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا»[1].
وبما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده».
ثم نقل ما روت العامّة عن علي عليه السلام أنّه أخرج كتاباً من قراب سيفه فإذا فيه مكتوب: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده»[2].
والمسألة مورد اتّفاق إلّاأنّ الاستدلال بالآية مورد نظر، لانصراف الآية إلى السبيل على المؤمن بلا وجه، وأمّا قتله لأجل أنّه قتل ذميّاً محترم الدم، فالآية منصرفة عنه، فالأولى الاستدلال بالروايات التي مضى قسم منها عن الخلاف، وما تضافر عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، وهي مختلفة:
الأُولى:ما يدلّ على أنه لايقتل، بل يؤخذ من المسلم جنايته للذميّ على قدر دية الذمّيّ ثمانمائة درهم، روى محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام أنّه---)
[1]. النساء: 141.
[2]. الخلاف: 5/ 145، المسألة 2.
(--- قال: «لايُقاد مسلم بذميّ في القتل ولا في الجراحات، ولكن يؤخذ من المسلم جنايته للذميّ، على قدر ديّة الذمّي ثمانمائة درهم».[1]
الطائفة الثانية:ما يدلّ على أنّه يقتل بشرط ردّ فضل دية المسلم، منها:
1. روى ابن مسكان عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إذا قتل المسلم يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً فأرادوا أن يقيدوا، ردّوا فضل دية المسلم وأقادوه»[2].
2. روى سماعة عن أبي عبداللَّه عليه السلام في رجل قتل رجلًا من أهل الذمّة فقال: «هذا حديث شديد لا يتحمّله الناس، ولكن يعطي الذمّيّ دية المسلم ثم يقتل به المسلم».[3]
ومراده من إعطاء دية المسلم هو دفع فاضل الدية بقرينة سائر الروايات، فيطرح من عشرة آلاف درهم ثمانمائة درهم فيصير 9200 درهماً.
3. روى أبو بصير عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إذا قتل المسلم النصراني فأراد أهل النصراني أن يقتلوه، قتلوه وأدّوا فضل ما بين الديتين».[4]الطائفة الثالثة:ما يدلّ على أنّه يقتل إذا كان معتاداً للقتل الّذي يأتي الكلام عنه في المسألة التالية، ولا يخفى عدم وجود التعارض بين الطائفة الأُولى والثالثة، لأنّ النسبة بينهما نسبة العموم والخصوص فتختصّ---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 5.
[2]. الوسال: 19، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2.
[3]. الوسائل: 19، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3. وفي طبعة آل البيت« لا يحتمله» فلاحظ.
[4]. الوسائل: 19، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 4.
(--- الأُولى بالثانية، إنّما الكلام في رفع التعارض بين الأُوليين.
فربما يقال لأجل رفع التعارض بحمل الطائفة الثانية على المتعوّد، فلا يقتل إلّاإذا كان قد اعتاد قتلهم، والنسبة بينهما نسبة العموم والخصوص.
يلاحظ عليه: أوّلًا:أنّ لسان ما دلّ على جواز القتل بشرط رد فضل دية المسلم آب عن حمله على صورة الاحتياط، فإنّ المتبادر منها أنّه صدر من المسلم القتل اتّفاقاً لا مستمراً واعتياداً.
وثانياً:أنّ ما دلّ على جواز القتل عند الاعتياد خال عن ردّ فضل الدية، فلو كان شرطاً لجواز القتل كان على الإمام أن يذكر هذا الشرط في نفس المسألة.
فالذي يمكن أن يقال حمل هذه الطائفة على التقية، فقد مرّ جواز القتل من الشعبي وأبي حنيفة وأصحابه حيث نقله الشيخ في «الخلاف».
المسألة 1. لا فرق بين أصناف الكفّار من الذمّيّ والحربي والمستأمن وغيره، ولو كان الكافر محرّم القتل كالذميّ والمعاهد يعزّر لقتله، ويغرم المسلم دية الذمّيّ لهم.^
المسألة 2. لو اعتاد المسلم قتل أهل الذمّة، جاز الاقتصاص منه بعد ردّ فاضل ديته، وقيل إنّ ذلك حدٌّ لا قصاص، وهو ضعيف.^^
^ لا فرق في عدم جواز قتل المسلم بالكافر [إلّا ما يستثنى في المسألة التالية] بين الذمّيّ والحربي والمستأمن وغيره، لإطلاق ما دلّ على عدم جواز القتل، الّذي مرّ في ضمن الشرط الثاني.
نعم لو كان محرّم القتل كالذميّ والمعاهد، يعزّر لقتله ويغرم المسلم دية الذمّيّ لهم، كما دلّت عليه صحيحة محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام قال: «لا يقاد مسلم بذميّ في القتل ولا في الجراحات، ولكن يؤخذ على المسلم جنايته للذميّ، على قدر دية الذمّيّ ثمانمائة درهم» وقد مضى الكلام فيه عند دراسة الشرط الثاني.
^^لو اعتاد المسلم قتل أهل الذمّة
فهنا أقوال:
الأوّل:أنّه يقتل قصاصاً، بعد أن يردّ أولياء المقتول فاضل دية المسلم من دية الذمّيّ. وهو خيرة الشيخ في «النهاية»، وسلّار في «المراسم»، وابن حمزة في «الوسيلة».---)
(--- قال الشيخ: وإذا قتل المسلم ذميّاً عمداً وجب عليه ديته، ولايجب عليه القود إلّاأن يكون معتاداً لقتل أهل الذمّة، فإن كان كذلك وطلب أولياء المقتول القود، كان على الإمام أن يقيده به، بعد أن يأخذ من أولياء الذمّيّ ما يفضل من دية المسلم فيردّه على ورثته، فإن لم يكن معتاداً فلا يجوز قتله به على حال، ودية الذمّيّ ثمانمائة درهم جياداً أو قيمتها من العين، ودية نسائهم على النصف من دية رجالهم.[1]
ونسبه المحقّق إلى «قيل» مشعراً بضعفه، قال: وقيل: إن اعتاد قتل أهل الذمّة، جاز الاقتصاص بعد ردّ فاضل ديته.[2]
وكذلك العلّامة في «القواعد» حيث قال: وقيل: إن اعتاد قتل أهل الذّمة، قتل قصاصاً بعد ردّ فاضل دية المسلم.[3]
الثاني:أنّه يقتل حدّاً لا قصاصاً، لإفساده في الأرض. وهو قول ابن الجنيد، وأبي الصلاح.[4]
الثالث:أنّه لايقتل مطلقاً. وهو قول ابن إدريس، فإنّه بعد ما روى ما دلّ على جواز القتل بعد ردّ فاضل الدية، قال: ولا ينبغي أن يلتفت إلى هذه الرواية ولا يعرّج عليها، لأنّها مخالفة للقرآن والإجماع.[5]---)
[1]. النهاية: 749؛ ولاحظ: المراسم: 236، والوسيلة: 431.
[2]. شرائع الإسلام: 4/ 196.
[3]. قواعد الأحكام: 3/ 605.
[4]. مختلف الشيعة: 9/ 323.
[5]. السرائر: 3/ 352.
(--- والأقوى هو الأوّل، ويدلّ عليه ما ورد من الروايات:
الأُولى: رواية إسماعيل بن الفضل
روى إسماعيل بن الفضل رواية واحدة نقلت بصورة ثلاث روايات تختلف طولًا وقصراً (مع أنّها واحدة) لوحدة الراوي والإمام المرويّ عنه:
أ- قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن دماء المجوس واليهود والنصارى، هل عليهم وعلى من قتلهم شيء إذا غشوا المسلمين وأظهروا العداوة لهم؟ قال:
«لا، إلّاأن يكون متعوداً لقتلهم».
قال: وسألته عن المسلم هل يقتل بأهل الذمة وأهل الكتاب إذا قتلهم، قال: «لا، إلا أن يكون معتاداً لذلك لا يدع قتلهم، فيقتل وهو صاغر».[1]
والحديث في بادئ النظر لا يخلو عن اضطراب من وجهين:
الأوّل:السؤال عن شيء واحد مرتين، حيث سأل الراوي في الأوّل عن دماء اليهود والمجوس والنصارى، وفي الثاني عن قتل أهل الذمة وأهل الكتاب، مع أنّ الجواب عن أحد السؤالين مغنٍ عن السؤال الآخر.
الثاني:ماذا يريد السائل من قوله: هل عليهم- أولياء المقتول- شيءٌ؟ مع أنّه لو كان هنا شيءٌ، فإنّما هو على القاتل لا على أولياء المقتول.
والجواب عن الأوّل هو اختلاف المسؤول عنه فيهما، فإنّ السؤال في الأوّل عن دماء المجوس واليهود والنصارى إذا أخلّوا بشرائط الذمّة لا ما---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.
(--- إذا عملوا بها ... وأما المسؤول عنه في السؤال الثاني فهو مطلق أهل الذمّة الذين عبّر عنهم ثانياً بقوله: «أهل الكتاب»، وبين الموضوعين فرق واضح، وجواز القتل في الأوّل لا يكون دليلًا على جوازه في الثاني، فأين المخل بالشرائط عن العامل بها؟!
والجواب عن الثاني هو: أنّه يمكن أن يكون المراد دفع فاضل الدية عند قتل المسلم، وهذا على أولياء المقتول.
إذا عرفت ذلك فلندرس سائر صور الرواية.
ب- روى أبان عن إسماعيل بن الفضل:
قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المسلم هل يقتل بأهل الذمّة؟ قال «لا، إلا أن يكون معوّداً لقتلهم فيقتل وهو صاغر».[1]
ورواها الصدوق عن علي بن الحكم عن إسماعيل بن الفضل مثله، إلّاأنه قال: «إلا أن يكون معتاداً لذلك لايدع قتلهم».
ج- روى جعفر بن بشير، عن إسماعيل بن الفضل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: رجل قتل رجلًا من أهل الذمة؟ قال: «لايقتل به إلّاأن يكون متعوّداً للقتل».[2]
والظاهر أنّ الجميع رواية واحدة لوحدة الراوي والمروي عنه.---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 6.
[2]. الوسائل: 19، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 7.
(---
الثانية: رواية محمد بن الفضل
روى يونس عن محمد بن الفضل (أو الفضيل) عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قلت له: رجل قتل رجلًا من أهل الذمة؟ قال: «لا يقتل به إلا أن يكون متعوّداً للقتل».[1]
إذا عرفت ذلك فيقع الكلام في أُمور:
الأوّل: إذا قلنا بجواز قتل المتعوّد، فما هو الموضوع؟
هنا احتمالات:
1. قتل من غشى المسلمين وأظهر العداوة لهم.
2. قتل أهل الذمّة إذا عملوا بشرائط الذمّة.
3. مطلق أهل الكتاب وإن لم يكونوا من أهل الذمّة، كما في المستأمن.
والظاهر أنّ الموضوع هو الثاني، إذ هو القدر المتيقّن، وقد ورد ذلك اللفظ في السؤال الثاني في الرواية الأُولى لإسماعيل بن الفضل، كما ورد أيضاً في الرواية الثانية له. وعلى هذا فلو قتل المخل بشرائط أهل الذمة أو المستأمن فلا يقتل؛ لأنّ الأصل في الدماء الحرمة، فقتل المسلم في هاتين الصورتين موضع شك يدرأ بالشبهة.---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، ذيل الحديث 7.