(---
الأمر الثالث: التجاوز على أعراض المسلمين يخرج الذمّي عن ذمّته
يظهر من بعض الروايات أنّ التجاوز على أعراض المسلمين يخرج الذمّيّ عن ذمّته؛ فقد روي عن الامام الهادي عليه السلام في تفسير قوله تعالى:«فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ^ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ التي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَ خَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ»[1].
حينما سُئل الإمام في زمان المتوكل عن رجلٍّ نصرانيٍّ فجر بامرأة مسلمة وأرادوا أن يقيموا عليه الحدّ فأسلم، فكتب الامام في جوابه: «يضرب حتى يموت».[2]واستدلّ عليه بالآية المتقدّمة، ولعلّها ظاهرة في خروجه عن الذمّة. ولكن الظاهر في المقام عدم خروج هذا الشخص عنها، وإلّا لأوكل عقوبته إلى الإمام دون أولياء المقتول. وهذا يدلّ على عدم خروجه عن الذمّة.
الأمر الرابع: أولياء المقتول مخيّرون بين القتل والعفو والاسترقاق
الظاهر من الروايتين الأُولى والثانية أنّ أولياء المقتول مخيّرون بين أُمور ثلاثة: 1. القتل 2. العفو 3. الاسترقاق.
والظاهر أنّ دفع ماله إليهم لأجل استرقاقهم له، خصوصاً على ما نقله الكليني حيث قال: «وإن شاءُوا استرقّوا، وإن كان معه مال دفع إلى أولياء---)
[1]. غافر: 84- 85.
[2]. الوسائل: 18، الباب 36 من أبواب حد الزنا، الحديث 2.
(--- المقتول»، فإنّ الظاهر منه ترتّب دفع المال على صورة الاسترقاق دون ما إذا اختاروا القتل أو العفو فليس لهم عندئذ أخذ ماله.
نعم حسب ما نقله صاحب الوسائل عن الكليني بتوسيط «قيل» بين «استرقوا» وبين «وإن كان معه مال» يمكن أن يُعدّ أخذ ماله أمراً مستقلًا غير تابع للاسترقاق، ولكن الوجه الأوّل هو الأقوى.
قال العلامة في «التحرير»: وإذا اختار الأولياء القتل تولى ذلك عنهم السلطان، قال ابن إدريس: وإذا اختاروا قَتْلَه لم يكن لهم على ماله سبيلٌ، لأنّه لا يدخل في ملكهم إلا باختيارهم استرقاقه.[1]
[1]. تحرير الأحكام: 5/ 455، المسألة 7041.
المسألة 5. أولاد الذمّيّ القاتل أحرار لا يسترقّ واحد منهم لقتل والدهم، ولو أسلم الذمّيّ القاتل قبل استرقاقه لم يكن لأولياء المقتول غير قتله.^
^ في المسألة فرعان:
الفرع الأوّل: في استرقاق أولاد الذمّيّ القاتل
الظاهر أنّ المراد من الأولاد هم الأصاغر لا مطلق الأولاد، كما يقول المحقّق: وفي استرقاق ولده الصغار تردّد، أشبهه بقاؤهم على الحرية.[1]
وقال العلّامة: وهل يسترق الأولياء أولادهم الأصاغر؟ قال الشيخ: نعم، ومنعه ابن إدريس.[2]
وجه الاسترقاق هو تبعية الولد لأبيه، وقد ثبت له الاسترقاق فيثبت لتابعه؛ ولأنّ المقتضي لحقن دمه هو وماله ونفي استرقاقه هو التزامه بالذمّة، وبالقتل خرقها فتجري عليه أحكام الحرب، التي من جملتها استرقاق أصاغر أولاده.[3]
ووجه عدمه هو أنّ المتيقّن من تبعية الأولاد للآباء في الاسترقاق إذا أسروا في ميدان القتال لا في هذه الصورة، فأصالة بقائهم على الحرية لانعقادهم عليها كافٍ في عدم جواز استرقاقهم مضافاً إلى أنّ جناية الأب---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 211.
[2]. تحرير الأحكام: 5/ 455 برقم 7041.
[3]. فالتبعيّة في المقام سبب لاسترقاق الولد الصغار. بخلاف التبعية في قتل ولد الزانية حيث إنّها سبب لقتل القاتل المسلم وعدم التبعية لعدم قتله، فانتظر.
(--- لا تتجاوزه، قال سبحانه:«وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى»[1].
وقد مرّ أن قتل الذمّيّ المسلم لايخرجه عن الذمّة وإلّا لما خيّر أولياء الدم بين الأُمور الثلاثة، أضف إلى ذلك: سكوت الرواية عنه مع كونه في مقام البيان، ولذلك قال المحقّق: إنّ الأشبه بالقواعد بقاؤهم على الحرية.
الفرع الثاني: لو أسلم قبل الاسترقاق
قال المحقّق: لم يكن لهم إلّاقتله، كما لو قتل وهو مسلم.
وقال العلّامة: ولو أسلم فإن كان قبل الإسترقاق لم يكن لهم على ماله وأولاده سبيل، وليس لهم استرقاقه بل لهم قتله كما لو قتل وهو مسلم؛ وإن كان بعد الاسترقاق، لم يسقط عنه شي من الأحكام.[2]
والدليل عليه رواية ضريس الكناسي، عن أبي جعفر عليه السلام في نصراني قتل مسلماً، فلمّا أُخذ أسلم؟ قال: «اقتله به».[3]
[1]. الأنعام: 164؛ الإسراء: 15؛ فاطر: 18؛ الزمر: 7.
[2]. تحرير الأحكام: 5/ 455، المسألة 7041.
[3]. الوسائل: 19، الباب 49 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1؛ ولاحظ التهذيب: 1/ 190. برقم 750.
المسألة 6. لو قتل الكافر كافراً وأسلم لم يقتل به، بل عليه الدية إن كان المقتول ذا دية.^
^لو قتل الكافر كافراً ثم أسلم
قال المحقّق: ولو قتل الكافر كافراً، وأسلم القاتل، لم يقتل به، وأُلزم الدية، إن كان المقتول ذا دية.[1]
إذا كان القاتل والمقتول كلاهما كافرين، يقع الكلام في تعلّق القصاص أوّلًا، والدية ثانياً، ومن المعلوم أنّ مطلق الكافرليس مصون الدم بل قسم منه، أعني: الذمّيّ فهو الذي يستحقّ القصاص والدية، وبذلك يعلم أنّ الأفضل في التعبير أن يقال: ولو قتل الكافر ذميّاً، حتى يستحق كلا الأمرين.
ولو فرضنا أنّ القاتل أسلم بعد القتل- عن صميم القلب لافراراً من القصاص- فهل هذا يوجب سقوط القصاص أوّلًا، وتتعلّق به الدية ثانياً؟
أمّا أوّلًا:فإنّ الإسلام يكون حاجزاً بينه وبين قتله، روى محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام قال: «لا يقاد مسلم بذمّيّ في القتل ولا في الجراحات، ولكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمّيّ على قدر دية الذمّيّ، ثمانمائة درهم».[2]
فإن قلت:إنّ ما ورد من الروايات حول أنّه لا يقتل المسلم إذا قتل الكافر، ناظر إلى ما كان القاتل مسلماً حال جنايته لا بعدها، كما في المقام.---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 211.
[2]. الوسائل: 19، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 5.
(---قلت:إنّ ظاهر بعض الروايات هو الأعم، سواء أكان مسلماً حينها أو بعدها وحين القصاص، نظير ما رواه إسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المسلم هل يقتل بأهل الذمّة؟ قال: «لا».[1]
أضف إلى ذلك: أنّه يمكن استظهار أنّ المناط حال الاقتصاص، فقد مرّ ذلك في رواية محمد بن قيس قوله: «لايقاد مسلم بذمّي في القتل»، مضافاً إلى كونه موافقاً للاحتياط المطلوب في الدماء.
وأمّا الثاني:أعني تعلّق الدية، فلأجل ما ربّما يقال: كلّ مورد امتنع القصاص تجب فيه الدية؛ وذلك لأنّ المفروض أنّ المقتول محقون الدم، فلو منع من الاقتصاص لأجل التفاوت بالدين فيجب جبران دمه بالدية، وإلّا يكون مهدور الدم، وهو خلاف الفرض. نعم لو أسلم فراراً عن القصاص لاينفع إسلامه، لما مرّ في الرواية الواردة عن الإمام الهادي عليه السلام.
[1]. الوسائل: 19، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 6.
المسألة 7. يقتل ولد الرشيدة بولد الزنية بعد وصفه الإسلام حين تميّزه ولولم يبلغ، وأمّا في حال صغره قبل التميّز أو بعده وقبل إسلامه، ففي قتله به وعدمه تأمّل وإشكال.^
^لو قتل ولدُ الحلال ولدَ الزنا
في المسألة فروع:
1. لو قتل ولد الحلال ولد الزنا بعد بلوغه ووصفه الإسلام.
2. إذا قتل ولد الحلال ولد الزنا قبل بلوغه وبعد تميّزه ووصفه الإسلام.
3. إذا قتل ولد الحلال ولد الزنا بعد تميّزه وقبل وصفه إسلامه.
4. إذا قتل ولد الحلال ولد الزنا قبل تميّزه.
فقد أفتى المصنّف بالقصاص في الصورتين الأُوليين، وتأمّل واستشكل في الصورتين الأخيرتين.
قال المحقّق: ويقتل ولد الرشيدة بولد الزنية لتساويهما في الإسلام.[1]
وقال العلّامة: يقتل ولد الرشدة بولد الزنية.[2]
والرشدة (بكسر الراء وفتحها) خلاف الزنية، وهي بهما أيضاً.
ثم إنّ الداعي لعنوان المسألة هو أنّ بعض الفقهاء كالسيد المرتضى يرى أنّ ولد الزنا كافر لايقتل به المسلم.[3]وهو قول شاذّ في مقابل الآخرين.---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 212.
[2]. تحرير الأحكام: 5/ 459 برقم 7050.
[3]. الانتصار: 544، المسألة 503.
(--- وحقيقة الكلام قبل الخوض في بيان الفروع أنّ ولد الزنا إذا كان الزاني مسلماً محكوم بالإسلام تبعاً، قبل البلوغ، وصف الإسلام أوْ لا، مميّزاً كان أو غير مميّز، كولد الحلال في عامّة المراتب؛ وذلك لأنّه ولد- حقيقي لغوي عرفي- للزاني، ويترتّب عليه كلّ أثر شرعي للأولاد، فيحرم عليه الزواج مع أُخته بنت الرشيدة، كما أنّه يجب على الوالد نفقته، إلى غير ذلك من الآثار.
نعم هو محروم من الإرث ونحوه إخراجاً حكميّاً لا وضعياً، فعلى ما ذكرنا فهو محكوم بالإسلام بالتبعية التكوينية للأب، سواء كان قبل التمييز أو بعده، قبل التوصيف أو بعده.
وبعبارة أُخرى:إنّ الاشتباه حصل بين كونه ولداً تكوينياً عرفياً لغوياً، وبين كونه ولداً شرعياً، تولّد من عقد شرعي أو ملك يمين؛ ولكن نفي الثاني لا يلازم نفي الأوّل، إذ لا شكّ أنّه ولد حقيقي، يحرم على الأب الزواج منها إذا كانت بنتاً ويجوز له النظر إليها، إلى غير ذلك من الأحكام العامّة في الأولاد، إلّا ما خرج بالدليل كالميراث و الإمامة في الصلاة والقضاء.
وبذلك يعلم أنّ ولد الحلال يقتل إذا قتل ولد الحرام حسب القواعد في عامّة الفروع الأربعة، الّتي أُشير إليها في المتن. لقوله سبحانه:«النَّفْسَ بِالنَّفْسِ».[1]
فعلى هذا لو قتله إذا كان بالغاً وأظهر الإسلام، أو قتله قبل البلوغ ولكنّه واصف الإسلام، فلا شكّ في القصاص عند المصنّف وغيره، إنّما---)
[1]. المائدة: 45.