بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 240

(--- وجوه الاختلاف بينهما.

دليل القول بتعلّق القود على السكران‌

روى السكوني عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «كان قوم يشربون فيسكرون فيتباعجون‌[1]بسكاكين كانت معهم، فرفعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فسجنهم، فمات منهم رجلان وبقي رجلان، فقال أهل المقتولين: يا أمير المؤمنين أقدهما بصاحبينا، فقال للقوم: ما ترون؟ فقالوا: نرى أن تقيدهما، فقال علي عليه السلام للقوم: فلعل ذينك اللّذين ماتا قتل كلّ واحد منهما صاحبه، قالوا: لا ندري، فقال علي عليه السلام: بل اجعل دية المقتولين على قبائل الأربعة، وآخذ دية جراحة الباقيين من دية المقتولين»[2].

وجه الدلالة: أنّ ظاهر الحديث المفروغية عن كون القود عليهما لو فرض العلم بأن الباقيين قتلاهما، وبعبارة أُخرى: أنّ الأمير عليه السلام توقّف في القصاص لاحتمال أنّ كلّ واحد قتل صاحبه، ولذلك توقّف عن قصاص الباقيين. نعم لولا هذا الاحتمال لتوجّه عليهما القود.

وروى محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: «قضى أمير المؤمنين عليه السلام في أربعة شربوا مسكراً، فأخذ بعضهم على بعض السلاح فاقتتلوا فقتل اثنان وجرح اثنان، فأمر المجروحين فضرب كلّ واحد منهما ثمانين جلدة، وقضى بدية المقتولين على المجروحين، وأمر أن تقاس جراحة المجروحين---)

[1]. بعج بطنه بالسكين، إذا شقّه، فهو باعج.

[2]. الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب موجبات الضمان، الحديث 2.


صفحه 241

(--- فترفع من الدية، فإن مات المجروحان فليس على أحد من أولياء المقتولين شي‌ء».[1]

ولا يخفى‌ وجود التنافي بين النقلين، ومن القريب أن تكون القضية قضية واحدة، وأمّا وجه التنافي:

أوّلًا:أنّ المتبادر من رواية السكوني أنّ عدم القصاص لأجل عدم تعيّن القاتل، لوجود احتمال أنّ كلّاً منهما قتل الآخر، وإلّا فلو كان متعيّناً لقيد منهما.

ولكن المتبادر من صحيحة محمد بن قيس أنّه لا يقاد حتّى مع تعيّن القاتل؛ وذلك لأنّ الإمام تلقّى أنّ القتل صدر من المجروحين بشهادة أنّه جعل دية المقتولين على المجروحين، ولولا ذلك لما كان هناك وجه لهذا.

ثانياً:أنّ الإمام عليه السلام (حسب نقل السكوني) جعل دية المقتولين على القبائل الأربعة، وأخذ دية جراحة الباقيين من دية المقتولين، وأمّا على حسب صحيحة محمد بن قيس فقد جعل دية المقتولين على المجروحين وأمر أن تقاس جراحة المجروحين فترفع من الدية، ومع هذا التعارض لا يمكن العمل بالروايتين.

ولذلك تردّد في المتن في تعلّق القود، ولا بأس به لولا ملاحظة القواعد العامّة، أعني قوله تعالى:«النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»من غير فرق بين السكران وغيره. إلّا أن يدّعي الانصراف إلى الصاحي دون السكران، كلّ ذلك إذا لم يعلم أو لم يحتمل ترتّب القتل على شرب المسكر، وإلّا فالنص فيه محكّم ولا---)

[1]. الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب موجبات الضمان، الحديث 1.


صفحه 242

(--- معنى للانصراف.

الفرع الثاني: لو شكّ في زوال الاختيار

أمّا إذا قتل السكران شخصاً وشُكّ في زوال الاختيار فقد ألحقه في المتن بالعامد لاستصحاب الاختيار والقصد.

الفرع الثالث: لو شرب المسكر من غير إثم‌

إذا شرب المسكر للعلاج على نحو لا يكون آثماً وقتل نفساً خارجاً عن العمد والاختيار، فيأتي فيه ما تقدّم في الإثم وهو أنّه لو علم أو احتمل صدور القطع والقتل يتوجّه عليه القود؛ لأنّ العلم قبل الاضطرار- بل الاحتمال في المقام- منجِّز للتكليف فيتوجّه عليه القود، وأمّا إذا قطع بالسلامة ولكن صارت النتيجة على خلاف ما كان يتنبّأ يكون القتل خطأ خصوصاً إذا لم يكن آثماً في شرب الخمر.

الفرع الرابع: مَن شرب كلّ ما يسلب العمد والاختيار

لو بنّج نفسه بما لا يُعدّ مسكراً، أو شرب مرقداً، أو كلّ ما يسلب العمد والاختيار كذلك لا لعذر، فقد اختلف العلمان في ذلك فذهب الشيخ في «المبسوط» إلى إلحاقه بالسكران، وقال: وأمّا من جُنّ بسبب هو غير معذور فيه، مثل أن يشرب الأدوية المجننة فذهب عقله، فهو كالسكران.[1]ولكن تردّد فيه المحقّق وقال: أمّا مَنْ بنّج نفسه أو شرب مرقداً لا---)

[1]. المبسوط: 7/ 50.


صفحه 243

(--- لعذر، فقد ألحقه الشيخ رحمه الله بالسكران، وفيه تردّد.[1]

وأمّا المصنّف فقد ألحقه بالسكران، ولكن فيه منع واضح؛ لأنّ السكران موضوع والمبنّج موضوع آخر، فلو قلنا بعدم القود بالسكران لا يلازم القول في المبنّج، والقول بالقصاص هنا أقوى أخذاً بإطلاق‌«النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»خرج السكران وبقي الباقي تحته، خصوصاً إذا علم بأنّه ربما يؤدّي إلى القتل. اللّهم إلّا أن يقال: إنّ السكران وإن غلب استعماله في الشراب لكنّه يشمل المبنّج أيضاً لغة، كما هو الظاهر من «المفردات»، وعلى هذا فالاحتياط عدم القصاص خصوصاً بملاحظة درء الحدود بالشبهات.

الفرع الخامس: لا قود على النائم إذا قتل شخصاً

ووصفه في «الجواهر» بقوله: الإجماع بقسميه عليه.[2]

لأنّ النوم أمر طبيعي للإنسان، فحكمه حكم سائر المتلفات، إنّما الكلام في أنّ الدية في ماله أو على عاقلته. والظاهر هو الأوّل؛ لأنّ الأصل في الضمان كونه على المتلف، خرج عنه الخطأ المحض فهو على العاقلة.

الفرع السادس: إذا قتل الأعمى شخصاً

لاشك أنّه إذا صدر القتل من الأعمى عن خطأ، فلا شكّ أنّ فحكمه حكم المبصر، أي فيه الدية على العاقلة دون القود؛ إنّما الكلام إذا صدر عنه عن عمد، فهل هو كالمبصر يُقاد منه، أو أنّ عمده خطأ كالصبي؟---)

[1]. شرائع الإسلام: 4/ 216.

[2]. جواهر الكلام: 42/ 188.


صفحه 244

(---أمّا الأوّل:فهو خيرة ابن إدريس‌[1]والمحقّق‌[2]وفخر المحقّقين‌[3]، فهؤلاء يقولون بأنّ الأعمى كالمبصر في وجوب القصاص عليه لوجود المقتضي له، وهو قصده إلى القتل وانتفاء المانع؛ لأنّ العمى‌ لا يصلح مانعاً مع اجتماع شروط القصاص حتّى التكليف والقصد ونحوهما.

هذا ولعموم الأدلّة من الآيات والروايات الشاملة للأعمى والمبصر على وجه واحد.

وأمّا الثاني:فهو خيرة ابن الجنيد[4]، والشيخ قال في «النهاية»: إن عمد الأعمى وخطأه سواء تجب فيه الدية على عاقلته،[5]وابن البراج‌[6].

هذان هما القولان المعروفان بين فقهائنا، ولاشكّ أنّ القول الأوّل هو مقتضى القواعد، أي عدم الفرق بين الأعمى والمبصر، وإنّما يخرج عنه إذا كان هناك دليل عليه، وليس في المقام إلّاروايتان:

1. ما رواه الحلبي، قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن رجل ضرب رأس رجل بمعول فسالت عيناه على خدّيه، فوثب المضروب على ضاربه فقتله؟ قال:

فقال أبو عبد اللَّه عليه السلام: «هذان متعدّيان جميعاً فلا أرى على الذي قتل الرجل قوداً، لأنّه قتله حين قتله وهو أعمى، والأعمى جنايته خطأ يلزم عاقلته ...».[7]---)

[1]. السرائر: 3/ 368.

[2]. شرائع الإسلام: 4/ 216.

[3]. إيضاح الفوائد: 4/ 601.

[4]. مختلف الشيعة: 9/ 347.

[5]. النهاية: 760.

[6]. المهذب: 2/ 495.

[7]. الوسائل: 19، الباب 10 من أبواب العاقلة، الحديث 1.


صفحه 245

(--- 2. ما رواه أبو عبيدة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن أعمى فقأ عين صحيح متعمّداً؟ فقال: «إنّ عمد الأعمى مثل الخطأ، هذا فيه الدية في ماله، فإن لم يكن له مال فالدية على الإمام ولا يبطل حق امرئ مسلم».[1]

والاستدلال بالروايتين فرع صحّة السند وتمامية الدلالة في المتن.

أمّا السند فقد روى الشيخ الرواية الأُولى بالسند التالي: عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عبداللَّه، عن العلاء، عن محمد الحلبي. والسند لا غبار عليه إلّافي محمد بن عبداللَّه‌[2]، وهو مشترك بين الثقة وغيره.

يلاحظ عليه:أنّ الصدوق رواه بسنده عن العلاء[3]، وطريقه إليه صحيح في «الفقيه»، وسواء أُريد منه العلاء بن رزين أو العلاء بن سيابة[4]، لاحظ المشيخة. وعلى هذا فالرواية صالحة للاحتجاج.

وأمّا سند الرواية الثانية ففيه عمّار الساباطي وهو فطحي.

يلاحظ عليه:أنّ الأصحاب عملوا بروايات الفطحيين الثقات، وقد روي عن الإمام العسكري عليه السلام أنّه سُئل عنهم فقال: «خذوا ما رووا وذروا ما رأوا»[5].---)

[1]. الوسائل: 19، الباب 35 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.

[2]. مجمع الفائدة والبرهان: 14/ 15.

[3]. الفقيه: 4/ 107، برقم 361.

[4]. لاحظ: مشيخة الفقيه: 4/ 57، 126، آخر الكتاب.

[5]. من لا يحضره الفقيه: 4/ 542.


صفحه 246

(--- هذا كلّه حول سندي الروايتين، وأمّا الدلالة فقد أورد عليها بوجهين:

الأوّل:أنّ رواية الحلبي تتحدّث عن كون الدية على عاقلة الأعمى يؤخذون بها في ثلاث سنين في كلّ سنة نجماً، فإن لم يكن للأعمى عاقلة تعلّقت الدية بماله.

وأمّا الرواية الثانية فقد جعلت الدية في مال الأعمى ابتداءً، فإن لم يكن له مال فالدية على الإمام.

فعلى الرواية الأُولى تؤدّى‌ الدية بالترتيب التالي:

على العاقلة أوّلًا ثم الأعمى ثانياً.

وعلى الرواية الثانية تؤدّى‌ الدية بالترتيب التالي:

على الأعمى أوّلًا وعلى الإمام ثانياً.

يلاحظ عليه:بأنّ غاية ما يلزم تقييد الرواية الثانية بالأُولى، فيقال: الدية على العاقلة أوّلًا ثم على الأعمى في ماله وإلّا فعلى الإمام، فيتصرّف في الرواية الثانية بدأ بتقديم العاقلة على الأعمى، كما يتصرف في نهاية الرواية الأُولى بأن في حال فقدان ماله تكون الدية على الإمام.

وبعبارة أُخرى: تضاف الدية على العاقلة على الرواية الثانية، والدية على الإمام على الرواية الأُولى.

بقي هنا أمر وهو تخصيص الكتاب بخبر الواحد، وهذا وإن استسهله صاحب الجواهر وقال: ودعوى عدم صلاحية أخبار الآحاد- وإن---)


صفحه 247

(--- صحّت- لتخصيص الكتاب، قد ذكرنا فسادها في الأُصول.[1]

ولكنّه ليس بسهل فهذا هو المحقّق رحمه الله يمنع من تخصيص الكتاب بخبر الواحد.[2]

نعم تبيين مجملات الكتاب بالخبر الواحد أمر مقبول وعليه سيرة الفقهاء، إنّما الكلام في تخصيصه وتضيق دائرة حكمه بالخبر الواحد. وليس هذا إنكاراً لحجية الخبر الواحد وإنّما الكلام في سعة حجيته في مقابل عموم الكتاب وإطلاقه.

فإنّ للكتاب مقاماً سامياً لا يعدل عنه إلّابدليل قطعي، وهذه هي سيرة العقلاء في العدول عن الدستور الدائم، فلا يُعدل عنه إلّابدليل قطعي.

ولذلك تردّد المصنّف في الحكم، فمن أنصف فليقل: إنّه إذا ثبت بالعلائم والأمارات المفيدة للقطع أو إقرار الأعمى بأنّه كان بصدد قتل المجني عليه، يعامل معه معاملة المبصر، ونظيرها ما لو كانت الآلة قتّالة.

نعم لو لم تكن الآلة قتالة وادّعى‌ عدم قصد القتل، يشكل الاقتصاص منه، فعلى هذا فالظاهر هو التفصيل بين ما عُلم أو اعترف بأنّه بصدد القتل يقتصّ منه، سواء كانت الآلة قتّالة أو لا.

وهكذا لو كانت الآلة قتّالة وإن لم يعترف بقصد القتل.

نعم لو لم تكن الآلة قتّالة ولم يعترف بقصد القتل، فلا يقتص منه. واللَّه العالم.

[1]. جواهر الكلام: 42/ 190.

[2]. معارج الأُصول: 172.