المسألة 3. لو أقرّ شخص بقتله عمداً وآخر بقتله خطأ، كان للولي الأخذ بقول صاحب العمد، فيقتصّ منه، والأخذ بقول صاحب الخطأ، فيلزمه بالدية، وليس له الأخذ بقولهما.^
^خيار الولي بين مَن أقرّ بالقتل العمد وآخر بالقتل الخطأ
لو قُتل شخصٌ وادّعى أحد الشخصين أنّه قتله عمداً، وادّعى الآخر أنّه قتله خطأ، فما هي وظيفة الولي أو القاضي أمام الرجلين؟
قال المحقّق بالتخيير، وقال: لو أقرّ واحدٌ بقتله عمداً، وآخر بقتله خطأ، تخيّر الولي تصديق أحدهما، وليس له على الآخر سبيل.[1]
وعلّله في الجواهر بقوله: إنّ إقرار كلٍّ منهما سبب في إيجاب مقتضاه على المقرّ، ولا يمكن الجمع بين الأمرين فيتخيّر ولو جهل الحال.[2]
يلاحظ عليه:كيف يمكن القول بتخييره مع علمه الإجمالي بكذب أحدهما، فهو أشبه بالشبهة المحصورة، فلو أخذ بقول صاحب العمد فاستعدّ للاقتصاص فهو شاكّ في حصول شرط الاقتصاص وهو العمد لاحتمال صدور القتل من الآخر.
ولو أخذ بقول صاحب الخطأ فاستعدّ لأخذ الدية، فهو شاكّ في استحقاقها، فمقتضى القاعدة ترك قوليهما إلى أن تتبيّن الحال.---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 218.
[2]. جواهر الكلام: 42/ 206.
(--- هذا هو مقتضى القاعدة وأمّا بالنظر إلى غيره، فقد ورد التخيير في ما رواه الكليني بسنده الصحيح عن الحسن بن محبوب عن الحسن بن صالح، قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن رجل وجد مقتولًا فجاء رجلان إلى وليّه، فقال أحدهما: أنا قتلته عمداً، وقال الآخر: أنا قتلته خطأ؟ فقال: «إن هو أخذ [بقول] صاحب العمد فليس له على صاحب الخطأ سبيل، وإن أخذ بقول صاحب الخطأ فليس له على صاحب العمد سبيل»[1].
وقد رواها الصدوق عن الحسن بن محبوب عن الحسن بن حيّ، والظاهر أنّ الراوي في آخر الحديث في كلا النقلين واحد، فالحسن بن صالح في نقل الكليني هو الحسن بن صالح بن حيّ، فقد سقط «صالح» بين اسم الراوي وجدّه، قال الشيخ الطوسي: الحسن بن صالح بن حيّ، له أصل.
وقال في رجال الباقر عليه السلام: الهمداني، الثوري، الكوفي، صاحب المقالة، زيدي، إليه تنسب الصالحية منهم.
وقال في رجال الصادق عليه السلام: أبو عبداللَّه، أُسند عنه.
وقال في «التهذيب»: هو زيدي بتريّ، متروك العمل بما يختصّ بروايته.
وقال ابن النديم في «الفهرست»: ولد سنة 168 ه، وكان من كبار الشيعة الزيدية وعظمائهم، وكان فقيهاً متكلّماً، له أكثر من 47 رواية، فقد روى عنه الحسن بن محبوب من أصحاب الإجماع في جميع ذلك إلّافي مورد---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 3 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 1.
(--- واحد، فقد روى عنه علي بن محمد بن سليمان النوفلي.[1]
وعلى هذا فالرواية غير صالحة للاحتجاج. نعم يمكن أن يقال: إنّها صالحة للاحتجاج بوجهين:
1. رواية ابن محبوب عنه في موارد كثيرة تبلغ 46 مورداً وقد قلنا في محلّه إنّ كثرة رواية الثقة عن شخص، آية كونه ثقة عنده وإلّا لغى عمله، نعم قلة روايته لا تدلّ على شيء.
2. عمل الأصحاب بها على درجة جابرة لضعف السند، فلو صحّ ما ذكرنا أمكن الإفتاء بالتخيير، وإلّا فاللازم إرجاء الحكم حتى يتبيّن الواقع.
[1]. الموسوعة الرجالية الميسّرة: برقم 1531.
المسألة 4. لو اتّهم رجل بقتل وأقرّ المتهم بقتله عمداً، فجاء آخر وأقرّ أنّه هو الذي قتله، ورجع المقرّ الأوّل عن إقراره، درئ عنهما القصاص والدية، وتؤدّى دية المقتول من بيت المال على رواية عمل بها الأصحاب، ولا بأس به، لكن يقتصر على موردها والمتيقّن من مورد فتوى الأصحاب، فلو لم يرجع الأوّل عن إقراره عمل على القواعد، ولو لم يكن بيت مال للمسلمين فلا يبعد إلزامهما أو إلزام أحدهما بالدية، ولو لم يكن لهما مال، ففي القود إشكال.^
^مَن أقرّ بالقتل العمد ثم رجع عن إقراره بعد اعتراف آخر به
لو أقرّ شخصّ بقتل رجل عمداً وأقرّ آخر أنّه هو الّذي قتله، ورجع الأوّل عن إقراره، فما هو الحكم؟
ثم إنّ الفرق بين هذه المسألة وما تقدّمها واضح، بوجهين:
1. أنّ أحد الإقرارين على العمد والآخر على الخطأ في المسألة السابقة، ولكنّهما في المقام على العمد.
2. عدم رجوع المقرّ الأوّل في المسألة السابقة دون المقام.
إذا عرفت ذلك فلندرس مقتضى القاعدة في المسألة.
الظاهر أنّ العلم الإجمالي بكذب أحد الادّعائين يصدّنا عن الأخذ بأيّ منهما، نظير المسألة السابقة، فلا يمكن القول بالتخيير، إذ في كلّ احتمال مخالفة الواقع خصوصاً في الدماء، وإنّ رجوع الغير لا يؤثر في حجّية---)
(--- إقراره بل هو باقٍ على ما كان، وقد اشتهر أنّه لا إنكار بعد الإقرار، فكأنّ كلّاً منهما يقرّ بأنّه القاتل.
وعلى هذا فمقتضى القاعدة تأخير الحكم إلى أن يظهر الواقع.
هذا على مقتضى القاعدة ولكن وردت في المقام رواية تدلّ على درء القصاص والدية عنهما، وأنّ دية المقتول من بيت المال، فهل هي حجّة يخرج بها عن مقتضى القاعدة أو لا؟
وإليك نصّ الرواية:
روى الكليني عن علي بن إبراهيم مرسلًا عن بعض أصحابنا، رفعه إلى أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «أُتي أمير المؤمنين عليه السلام برجل وجد في خربة وبيده سكين ملطخ بالدم، وإذا رجل مذبوح يتشحّط في دمه، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ما تقول؟ قال: أنا قتلته، قال: اذهبوا به فأقيدوه به، فلمّا ذهبوا به أقبل رجل مسرع- إلى أن قال-: فقال: أنا قتلته، فقال أمير المؤمنين عليه السلام للأوّل: ما حملك على إقرارك على نفسك؟ فقال: وما كنت أستطيع أن أقول، وقد شهد عليّ أمثال هؤلاء الرجال وأخذوني، وبيدي سكين ملطخ بالدم، والرجل يتشحط في دمه، وأنا قائم عليه، خفت الضرب فأقرّرت، وأنا رجل كنت ذبحت بجنب هذه الخربة شاة، وأخذني البول فدخلت الخربة فرأيت الرجل متشحّطاً في دمه، فقمت متعجباً، فدخل عليّ هؤلاء فأخذوني، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: خذوا هذين فاذهبوا بهما إلى الحسن، وقولوا له: ما الحكم فيهما، فقال: فذهبوا إلى الحسن وقصّوا عليه قصتهما، فقال الحسن عليه السلام: قولوا لأمير المؤمنين عليه السلام:---)
(--- إن كان هذا ذبح ذاك فقد أحيا هذا، وقد قال اللَّه عزّ وجلّ:«وَ مَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا»[1]يخلّى عنهما، وتخرج دية المذبوح من بيت المال».[2]
ورواها الشيخ بإسناده عن علي بن إبراهيم نحوه[3].
ورواها الصدوق مرسلة وقال: وقال أبو جعفر عليه السلام: «وجد على عهد أمير المؤمنين صلوات اللَّه عليه رجل مذبوح في خربة ... الخ»[4].
وبذلك ظهر أنّ المشايخ الثلاثة رووا الحديث إمّا مرسلًا أو بإسناد فيه إرسال، والظاهر عمل الأصحاب بالرواية، ففي «الجواهر»: وفي التنقيح وغاية المرام، عليها عمل الأصحاب، وعن السرائر نسبتها إلى رواية أصحابنا ولم نجد مخالفاً في ذلك إلّاثاني الشهيدين وأبا العباس فيما حُكي عنه لأرسال الخبر المنجبر بما عرفت على وجه يصلح قاطعاً للأصل.[5]وقد عبر الصدوق عن الرواية بقوله: وقال: أبو جعفر عليه السلام مشعراً بجزمه بصدور الحديث.
والّذي أظن أنّ الحكم الوارد في الرواية على وفق القاعدة، لما عرفت من أنّ العلم الإجمالي بكذب أحد الإقرارين يصدّ الفقيه عن الأخذ بأحدهما، وقد وصل إليه سيدنا الحسن بن علي عليه السلام ولكن عبّر عن هذه الحقيقة بلطافة خاصّة تقنع السامع وقال عليه السلام: «إن كان هذا ذبح هذا فقد أحيا هذا».---)
[1]. المائدة: 32.
[2]. الوسائل: 19، الباب 4 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 1.
[3]. التهذيب: 10/ 173، برقم 679.
[4]. الفقيه: 3/ 514 في باب الحيل في الأحكام، الحديث 8.
[5]. جواهر الكلام: 42/ 207.
(--- ثم إنّ صاحب الجواهر جعل فتوى الإمام الحسن عليه السلام كرامة له باعتبار أنّه لو كان غيره لأخذ بقاعدة الإقرار إلّاأنّه لمّا كان مؤيداً بروح القدس ومسدّداً بتسديداته، والفرض أنّ الحكم عند اللَّه تعالى شأنه على خلاف قاعدة الإقرار للحكمة الّتي ذكرها أبو محمد عليه السلام، قضى فيها بما سمعت، وأراد أمير المؤمنين عليه السلام إظهار أمر الحسن عليه السلام وأنّه من معادن أسرار اللَّه تعالى.[1]
وما ذكره قدس سره له وجه، ولكن ما ذكرناه أوضح، حيث إنّ الإمام عليه السلام وقف على وجود الكذب في أحد الإقرارين فصدّه عن الأخذ بأحدهما، لكنّه تطرّق إلى ذلك ببيان آخر، كما عرفت.
وعلى كلّ تقدير فالعمل بالرواية الموافق للقاعدة هو المتعيّن.
هذا كلّه إذا رجع المقرّ الأوّل عن إقراره، وإلّا فيكون حكمه عند المصنّف وغيره حكم المسألة السابقة وهو التخيير في القصاص والدية، وقد عرفت الكلام فيه فلاحظ.
بقي الكلام في أمرين أُشير إليهما في المتن:
1. لو لم يرجع الأوّل عن إقراره عمل بالقواعد. 2. أنّ ظاهر قوله: «وتخرج دية المذبوح من بيت المال» عدم الفرق بين وجود بيت المال وعدمه ولكن المصنّف لم يستبعد إلزامهما أو أحدهما بالدية في صورة عدم وجود بيت المال، لئلّا يبطل دم مسلم، ولو لم يكن لهما مال ففي القود إشكال عند الماتن، وقد عرفت أنّ الحق تأخير الحكم إلى أن يتبيّن.
[1]. جواهر الكلام: 42/ 208.
الثاني: البيّنة
لا يثبت ما يوجب القصاص- سواء كان في النفس أو الطرف- إلّا بشاهدين عدلين، ولا اعتبار بشهادة النساء فيه منفردات ولا منضمّات إلى الرجال، ولا توجب بشهادتهنّ الدية فيما يوجب القصاص، نعم تجوز شهادتهنّ فيما توجب الدية كالقتل خطأ أو شبه عمد، وفي الجراحات التي لا توجب القصاص كالهاشمة وما فوقها. ولا يثبت ما يوجب القصاص بشهادة شاهد، ويمين المدّعي على قول مشهور.^
^الأمر الثاني الذي يثبت به القود: البيّنة
في المسألة فروع ستة:
1. ثبوت ما يوجب القصاص بشهادة الرجال.
2. عدم ثبوته بشهادة النساء منفردات.
3. عدم ثبوته بشهادة النساء منضمّات إلى الرجال.
4. عدم ثبوت الدية بشهادتهنّ فيما يوجب القصاص.
5. ثبوت الدية بشهادتهنّ في قتل الخطأ وشبه العمد والجراحات التي لا توجب القصاص.
6. عدم ثبوت ما يوجب القصاص بشهادة شاهد ويمين المدّعي.
وإليك دراسة الفروع:---)