(--- كان عمداً، وكانت الدية على المشهود عليهما نصفين. وإن كان القتلُ شبيه العمد فكمثل ذلك، وإن كان خطأ كانت الدية على عاقلتهما نصفين.[1]
ووجهه:أنّ البيّنتين لا يمكن العمل بهما لاستلزامه قتل نفسين ولا يمكن تركهما للعلم بمطابقة إحداهما للواقع، ولاستلزامه بطلان دم مسلم، ولا العمل بإحداهما دون الأُخرى لكونه ترجيحاً بلا مرجّح. وأمّا ثبوت الدية عليهما فلكي لا يبطل دم امرئ مسلم.
وبعبارة أُخرى: أنّ القصاص يسقط لعدم معلومية مورده بعد تعارض البيّنتين فيه، فلا يمكن التهجّم عليه بقتل واحد منهما فضلًا عن قتلهما. وأمّا ثبوت الدية في الصور الثلاث: إذا كان المشهود به قتلًا عمدياً أو شبه عمد أو خطأ فلعدم بطلان دم المسلم وتساويهما في قيام البيّنة على كلّ منهما.[2]
ثم إنّ شهادتهما قبل طلب القاضي مبنيّة على أحد الأُمور الثلاثة:
1. جواز التبرّع بالشهادة في الدماء، ولو لم يكن هناك طلب من القاضي.
2. أن يكون للمدّعي وكيلان فادّعى كلّ منهما.
3. أو أنّ للمدّعى عليه براءة نفسه بإقامة البيّنة على أنّ القاتل غيره.
ولكن الظاهر عدم تمامية هذا القول لوجود العلم الإجمالي بكذب إحدى البيّنتين، فمع ذلك كيف يمكن الغمض عن القصاص والأخذ بالدية، فإنّ البيّنتين كما يتكاذبان في مورد القصاص يتكاذبان في الدية،---)
[1]. النهاية: 742- 743.
[2]. جواهر الكلام: 42/ 219.
(--- فإحداهما تكلّف زيداً بإعطاء الدية، والأُخرى تكلّف عمراً به، فالتنصيف مخالفة تفصيلية لهذا العلم، وعدم بطلان دم المسلم لا يقتضي كونهما عليهما، بل يمكن أن تكون على بيت المال.
القول الثاني:وهو ما احتمله المحقّق وقال: ويحتمل وجه آخر وهو تخيّر الولي في تصديق أيهما شاء كما لو أقرّ اثنان بقتله منفرداً، ومع ذلك فقد قال المحقّق: إنّ القول الأوّل أولى.
وقد استدلّ على هذا القول بوجوه ضعيفة احتجّ بها ابن إدريس، وهي:
1. قوله تعالى:«فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا»ونفي القتل عنهما (المشهود عليهما) ينافي إثبات السلطان.
2. أنّ البيّنة ناهضة على كلّ منهما بوجوب القود، فلا وجه لسقوطه.
3. إنّا أجمعنا على أنّه لو شهد اثنان على واحد بأنّه القاتل فأقرّ آخر بأنّه القاتل يتخيّر الولي في التصديق والإقرار.[1]فالشهادة الثانية بمنزلة إقرار فرد على أنّه القاتل.
وما ذكره من الوجوه ضعيف.
أمّا الأوّلفلأنّ الولي له السلطان إذا عرف القاتل، لا مطلقاً بأن يتردّد بين شخصين.
وأمّا الثانيفلأنّ البيّنة لا تنهض مع المعارض، والمفروض أنّ---)
[1]. السرائر: 3/ 341- 342.
(--- البيّنتين متعارضتان.
وأمّا الثالثفإنّ قياس تعارض البيّنتين بتعارض البيّنة والإقرار، أمر لا نقول به، فلا يمكن استكشاف حكم المقام من تلك المسألة.
القول الثالث:وهو ما يظهر من المحقّق في «نكت النهاية»، وحاصله: أنّ الأولياء إمّا أن يدّعوا القتل على أحدهما، أو يقولوا: لا نعلم؛ فإن ادّعوه على أحدهما قتلوه، لقيام البيّنة على الدعوى. وتهدر البيّنة الأُخرى فلا يكون لهم على الآخر سبيل.
وإن قالوا: لا نعلم، فالبيّنتان متعارضتان على الانفراد[1]، لا على مجرد القتل فيثبت القتل من أحدهما ولا يتعيّن، والقصاص يتوقّف على تعيين القاتل، فيسقط وتجب الدية؛ لأنّه ليس نسبة القتل إلى أحدهما أولى من نسبته إلى الآخر.[2]
يلاحظ عليه:بأنّه ليس قولًا ثالثاً بل تفصيلًا للقول الأوّل، فخصّوا القول الأوّل بما إذا لم يكن للأولياء ادّعاء خاص بالنسبة إلى أحد المتهمين، وفي غير هذا المورد، قالوا بأنّه يجوز للولي قتل من ادّعوا عليه القتل وقامت عليه البيّنة.
ومع ذلك كلّه ففيه إشكال، لأنّ تجويز القتل يكون بيد القاضي فكيف يحكم بقتل ما ادّعاه الأولياء مع كون البيّنة معارضةً بالبيّنة الأُخرى؟ حتّى لو افترضنا أنّ القائم بالقصاص نفس الأولياء مع قطع النظر عن القاضي فليس---)
[1]. متعارضتان في تعيين القاتل لا في أصل القتل.
[2]. نكت النهاية: 3/ 374- 375.
(--- لهم بأن يأخذوا بالبيّنة المعارضة.
القول الرابع:ما اختاره المصنّف من سقوط القود والدية جميعاً، ووجهه أنّ التعارض كما يوجب سقوط البيّنتين عن الحجّية في المعنى المطابقي فهكذا يوجب سقوطهما عن الحجّية في المعنى الالتزامي.
فإن القتل عن عمد هو المعنى المطابقي للبيّنتين فيسقطان وأمّا القصاص فهو معنى التزامي لهما، فإذا تعارضتا تسقطان عن الحجّية في كلا المعنيين:
القتل والقصاص، ونظيره: إذا شهدتا على القتل عن خطأ، فهذا هو المعنى المطابقي الّذي تعارضت فيه البيّنتان. وأمّا الدية فهو لازم المعنى، وقد ثبت في محلّه أنّ لازم التعارض سقوط الأمارة عن الحجّية في كلا الحقلين: المطابقي والالتزامي.
والأولى أن يقال: إنّ للقاضي أن يؤخّر القضاء حتى يتمكّن- على ضوء جمع القرائن والشواهد- من تعيين القاتل، ولو لم يتمكّن فالدية على بيت المال لئلّا يبطل دم مسلم. واللَّه العالم.
المسألة 6. لو شهدا بأنّه قتل عمداً فأقرّ آخر أنّه هو القاتل وأنّ المشهود عليه بريء من قتله، ففي رواية صحيحة معمول بها: إن أراد أولياء المقتول أن يقتلوا الذي أقرّ على نفسه فليقتلوه، ولا سبيل لهم على الآخر، ثم لا سبيل لورثة الذي أقرّ على نفسه على ورثة الذي شهد عليه.
وإن أرادوا أن يقتلوا الذي شهد عليه فليقتلوه، ولا سبيل لهم على الذي أقرّ، ثم ليؤدّ الذي أقرّ على نفسه إلى أولياء الذي شهد عليه نصف الدية، وإن أرادوا أن يقتلوهما جميعاً ذاك لهم، وعليهم أن يدفعوا إلى أولياء الذي شهد عليه نصف الدية خاصاً- دون صاحبه- ثم يقتلوهما، وإن أرادوا أن يأخذوا الدية فهي بينهما نصفان. والمسألة مشكلة جداً يجب الاحتياط فيها وعدم التهجّم على قتلهما.^
^لو شهدا على شخص بالقتل العمد وأقرّ آخر بالقتل
لو شهدا أنّه قتل زيداً عمداً فأقرّ آخر أنّه هو القاتل، وبرّأ المشهود عليه، فقد ذهب جماعة إلى الأحكام التالية:
1. للولي قتل المقرّ، ولا ردّ لإقراره بالانفراد.
2. للولي قتل المشهود عليه ويردّ المقرّ نصف ديته إلى أولياء المشهود عليه.
3. للولي قتلهما بعد أن يردّ الوليّ على المشهود عليه نصف ديته دون المقرّ.---)
(--- 4. ولو أراد الولي الدية كانت عليهما نصفين.
هذا وقد أفتى بما ذكرنا الشيخان والحلبي والقاضي والكيدري ويحيى بن سعيد وابن حمزة وابن زهرة، بل ادّعى في الرياض أنّ عبائرهم غير صريحة في المخالفة عدا الحلّي وفخر الدين.[1]
وقد استندوا في ذلك إلى صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن رجل قتل فحمل إلى الوالي وجاءه قوم فشهد عليه الشهود أنّه قتل عمداً، فدفع الوالي القاتل إلى أولياء المقتول ليقاد به، فلم يريموا[2]حتى أتاهم رجل فأقرّ عند الوالي أنّه قتل صاحبهم عمداً، وأنّ هذا الرجل الذي شهد عليه الشهود بريء من قتل صاحبه، فلا تقتلوه به وخذوني بدمه.
قال: فقال أبو جعفر عليه السلام:
أ. «إن أراد أولياء المقتول أن يقتلوا الذي أقرّ على نفسه فليقتلوه، ولا سبيل لهم على الآخر،ولا سبيل لورثة الذي أقرّ على نفسه على ورثة[3]الذي شُهد عليه».
ب. وإن أرادوا أن يقتلوا الذي شهد عليه فليقتلوه، ولا سبيل لهم على الذي أقرّ. ثم ليؤدّ الدية الذي أقرّ على نفسه إلى أولياء الذي شُهد عليه،---)
[1]. جواهر الكلام: 42/ 223.
[2]. فلم يبرحوا وما زالوا.
[3]. الصحيح أن يقال:« على الذي شهد عليه» لأنّ المفروض قتل المقرّ لا المشهود عليه، كما سيوافيكفي الشرح.
(--- نصف الدية».
ج. قلت: أرأيت إن أرادوا أن يقتلوهما جميعاً؟
قال: «ذاك لهم، وعليهم أن يدفعوا إلى أولياء الذي شُهد عليه نصف الدية خاصّة دون صاحبه، ثم يقتلونهما به».
د. قلت: إن أرادوا أن يأخذوا الدية؟
قال: فقال: «الدية بينهما نصفان، لأنّ أحدهما أقرّ والآخر شُهد عليه».
ه. قلت: كيف جعلت لأولياء الذي شُهد عليه، على الذي أقرّ، نصف الدية حيث قتل (غير المقرّ)، ولم تجعل لأولياء الذي أقرّ،على أولياء الذي شُهد عليه، ولم يُقرّ؟
قال: «لأنّ الذي شُهد عليه ليس مثل الذي أقرّ، الذي شُهد عليه لم يقرّ ولم يبرّئ صاحبه، والآخر أقرّ وبرّأ صاحبه، فلزم الذي أقرّ وبرّأ صاحبه ما لم يلزم الذي شُهد عليه ولم يقر ولم يبرّئ صاحبه».[1]
والرواية مع صحّة سندها لم يعمل بها ابن إدريس تبعاً لقاعدة عدم حجيّة خبر الآحاد.
فلنذكر أُموراً لحلّ المسألة:
1. الفرق بين هذه المسألة والمسألة الخامسة هو أنّ التعارض كان هناك بين البيّنتين بخلاف المقام، فإنّ التعارض هنا بين البيّنة والإقرار.---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 5 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 1.
(--- 2. أنّ المفروض في قوله (الفقرة الأُولى): «إن أراد أولياء المقتول أنْ يقتلوا الذي أقرّ على نفسه» هو قتل المقرّ مع حفظ المشهود عليه، وعندئذٍ لا ينسجم مع قوله: «ثم لا سبيل لورثة الذي أقرّ على نفسه على ورثة الذي شُهد عليه» والصحيح أن يقال: على الذي شهد عليه.
ويدلّ على ذلك قول السائل في الفقرة الخامسة التي وردت عند قتل المشهود عليه دون المقرّ. وإليك النصّ:
قلت: كيف جعل لأولياء الّذي شُهد عليه «على الّذي أقرّ»، ولم يقل: على ورثة الّذي أقرّ.
وبه يظهر أنّ الصحيح في ذيل تلك الفقرة «على الّذي شُهد عليه»، لا «على أولياء الذي شُهد عليه»، فلاحظ.
3. أنّ قوله عندما سأل السائل عن قتل كليهما-: «ذاك لهم، وعليهم أن يدفعوا إلى أولياء الّذي شُهد عليه نصف الدية خاصّة دون صاحبه ثم يقتلونهما به».
والمفروض: أداء الدية قبل قتلهما بشهادة قوله: «ثم يقتلونهما به» وعندئذٍ يُدفع فاضل الدية إلى نفس المشهود عليه لا إلى ورثته. مع أنّه قال: أن يدفعوا الدية إلى أولياء الّذي شُهد عليه، نصف الدية.
4. أنّ مورد الرواية في قتل كليهما لا يخلو في بدء النظر عن صور أربع:
أ. علم الأولياء بكذب المقرّ، أو بكذب البيّنة، أو كذب كليهما.---)