(---
في أقسام التسبيب
ثم إنّ المصنّف ذكر للتسبيب أقساماً:
الأوّل: انفراد الجاني بالتسبيب المتلف
وقد بدأ ببيانه من المسألة الثالثة إلى المسألة الخامسة عشرة.
الثاني: أن ينضم إليه مباشرة المجني عليه كما لو قدّم طعاماً مسموماً
وبدأ ببيانه من المسألة السادسة عشرة إلى المسألة الثالثة والعشرين.
الثالث: أن ينضم إليه مباشرة حيوان كما لو ألقاه في البحر فالتقمه حوت
وقد بدأ ببيانه من المسألة الرابعة والعشرين إلى المسألة الحادية والثلاثين.
الرابع: أن ينضم إليه مباشرة إنسان آخر كما لو حفر بئراً فوقع فيه أحد بدفع الآخر
وبدأ ببيانه من المسألة الثانية والثلاثين إلى آخر الفصل.
وهذه المراتب الأربع للتسبيب، ولكل مرتبة أمثلة.
ولكنّك عرفت أنّ المهم هو إثبات عنوان العمد، ولا تأثير لكون الفعل صادراً عنه بالمباشرة أو بالتسبيب.
أمّا القتل المباشري فقد مثل له المصنّف بالذبح والخنق باليد---)
(--- وسقي السم القاتل والضرب بالسكين والسيف، والحجر الغامز.[1]
والجرح في المقتل[2]، كالفؤاد والخاصرة والصدر وأصل الأُذن والأُنثيين والمثانة ونقرة النحر، فكلّ ذلك ممّا يقتل غالباً.
وقد حكم المصنّف على الجميع بأنّها من مقولة القتل عن عمد، وذلك لما عرفت من الضابطة، وهي: أنّ الفعل ممّا يقتل غالباً فالقتل موصوف بالعمد، سواء قصد القتل أو لا. والأمثلة المذكورة من هذه المقولة.
[1]. أي الكابس على البدن لثقله.
[2]. أي الجرح في المكان الّذي يقتل ولو بغرز الإبرة.
المسألة 3. لو رماه بسهم أو بندقة فمات، فهو عمد عليه القود ولو لم يقصد القتل به، وكذا لو خنقه بحبل ولم يزح عنه حتى مات، أو غمسه في ماء ونحوه ومنعه عن الخروج حتى مات، أو جعل رأسه في جراب النورة حتى مات، إلى غير ذلك من الأسباب التي انفرد الجاني في التسبيب المتلف، فهي من العمد.^
1. في التسبيب المتلف الّذي انفرد به الجاني
^ بدأ المصنّف بذكر التسبيب الّذي ينفرد به المتلف ضمن مسائل تنتهي إلى المسألة الخامسة عشرة.
فذكر في هذه المسألة من أقسام القتل بالتسبيب صوراً:
أ. إذا رمى بسهم أو بغيره واتّخذ المقتل غرضاً ففيه القصاص.
ب. إذا رمى بسهم من دون أن يتخذ المقتل غرضاً للرمي، بل رمى على وجه الإطلاق فأصاب المقتل، فالقتل عمدي؛ لأنّ الآلة قاتلة غالباً والمفروض أنّه رماه على وجه الإطلاق غير مجتنب عن المقتل، فإذا أصابه يكفي كون الفعل قاتلًا.
ج. لو رماه ملتزماً بالاجتناب عن الوصول إلى المقتل ولكنّه---)
(--- أصابه، فالقتل يوصف بالخطأ أو شبه العمد.
هذا ما يرجع إلى الأُوليين- أعني: الرمي بالسهم أو بالبندقية- وأمّا الثلاثة الأخيرة، أعني:
1. الخَنَق بالحبل ولم يُرخه عنه، حتى مات.
2. الغمس في الماء ونحوه ومنعه عن الخروج حتى مات.
3. جعل رأسه في جراب النورة حتى مات.
فوجهه: أنّ الفعل، وإن شئت قلت: الآلة ممّا يقتل غالباً فهو عمد، سواء قصد القتل أم لا.
وحصيلة الكلام:أنّ الأسباب الأخيرة لها صورة واحدة، ولهذا حكم فيها بالقود، بخلاف الأُوليين فلهما صور في بعضها القَوَد كما مرّ.
المسألة 4. في مثل الخنق ومابعده لو أخرجه منقطع النفس، أو غير منقطع لكن متردّد النفس، فمات من أثر ما فُعل به، فهو عمد عليه القود.^
المسألة 5. لو فعل به أحد المذكورات بمقدار لا يقتل مثله غالباً لمثله ثم أرسله فمات بسببه، فإن قصد ولو رجاء القتل به ففيه القصاص، وإلّا فالدية؛ وكذا لو داس بطنه بما لا يقتل به غالباً، أو عصر خصيته فمات، أو أرسله منقطع القوة فمات.^^
^ لو خنقه وتركه منقطع النفس أو متردّد النفس
الفرق بين هذه الصورة وما تقدّم، هو أنّ القاتل لم يرسل المقتول، حتّى مات بخنقه أو تحت الماء، ولكنّه في هذه الصورة، أرسله وله نفس منقطع أو متردّد لكنّه مات إثر ما فعل به، فهو أيضاً قتل عمد؛ لأنّ الفعل أو الآلة ممّا يقتل، وإرساله أو إخراجه من الماء بعد تأثير الفعل القاتل لا يخرجه من وصف العمد.
^^ الفرق بين هذه الصورة وما تقدّم من الصورتين أنّ الفعل في الأُوليين ممّا يقتل، غير أنّه لم يطلقه حتّى مات تحت الخنق، كما في الصورة الأُولى، أو أرسله وأخرجه من الماء بعد ما لم ينفعه، فعدّ من القتل عمداً كما في الصورة الثانية.
وأمّا الأخيرة فقد خنقه أو غمس رأسه تحت الماء ولكن لم يكن ممّا---)
(--- يقتل به غالباً، كما إذا كانت المدة قليلة، فقد قال المحقّق: ففي القصاص تردّد، والأشبه القصاص إذا قصد القتل، والدية إن لم يقصد أو اشتبه القصد.[1]وهو أيضاً مختار المصنّف.
وجهه: أنّ ما جاء من الأمثلة ليس ممّا يقتل غالباً كما هو المفروض، فعلى هذا لا يوصف بالعمد إلّاإذا قصد القتل، ولذلك فصّل بين قصد القتل فالقصاص، وعدمه فالدية.
وعلى هذا يجب أن يحمل قوله: «أو عصر خصيته فمات أو أرسله منقطع القوة فمات»، على ما لا يقتل به غالباً دون ما يقتل، بقرينة أنّه قيّد دوس البطن به.
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 196.
المسألة 6. لو كان الطرف ضعيفاً، لمرض أو كبر ونحوها، ففعل به ما ذُكر في المسألة السابقة، فالظاهر أنّ فيه القصاص ولو لم يقصد القتل مع علمه بضعفه، وإلّا ففيه التفصيل المتقدم.^
المسألة 7. لو ضربه بعصا- مثلًا- فلم يقلع عنه حتى مات، أو ضربه مكرراً ما لا يتحمّله مثله بالنسبة إلى بدنه ككونه ضعيفاً أو صغيراً، أو بالنسبة إلى الضرب الوارد ككون الضارب قوياً، أو بالنسبة إلى الزمان كفصل البرودة الشديدة- مثلًا- فمات، فهو عمد.^^
^لو فعل به بمقدار لا يقتل مثله وكان الطرف ضعيفاً
إذا كان الطرف ضعيفاً ففعل به أحد المذكورات في المسألة السابقة بمقدار لا يقتل مثله، غالباً لمثله، كما إذا خنقه ثم أرسله، ولكن كان الطرف ضعيفاً لم يتحمّله، فهنا تفصيل:
1. إن علم أنّ فيه ضعفاً لا يتحمّله ففيه القصاص؛ لأنّه قصد الفعل المنتهي إلى القتل، سواءً قصد قتله أم لم يقصد، لكفاية كون الفعل قاتلًا.
2. إذا لم يعلم أنّ فيه ضعفاً لكن قصد القتل، فيوصف بالعمد لما مرّ من أنّ الفعل إذا لم يكن ممّا يقتل ولكن قُصد به القتل، يوصف بالعمد.
3. تلك الصورة لكن لم يقصد القتل، فيكون شبه العمد وفيه الدية.
^^ كان الكلام في المسألة السابقة ملاحظة حال المضروب فقط؛ ولكنّه هنا أعم من ملاحظة حال المضروب من كونه ضعيفاً أو صغيراً، وحال الضارب من كونه قوياً أو غير قوي، وحال زمان الفعل من كونه في هواء---)
(--- بارد أو لا. إذا عرفت ذلك فأعلم أنّ هنا فرعين:
الأوّل: لو ضربه فلم يقلع عنه حتّى مات
لو ضربه بعصا مثلًا فلم يقلع عنه حتّى مات، ففيه القصاص، فإنّ الفعل قاتل، سواء أقصد قتله أم لا، حيث إنّ الضرب بالعصا على مخّه مثلًا قاتل، إذ قد يؤدّي نزف الدم داخل الدماغ إلى الموت.
والمتبادر من عبارة المتن أنّه ضربه ضربة واحدة فمات بقرينة تقابله مع قوله: لو ضربه مكرراً.
ويدلّ على ذلك ما رواه أبو الصباح الكناني والحلبي، عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: سألناه عن رجل ضرب رجلًا بعصا فلم يقلع عنه الضرب حتّى مات، أيدفع إلى ولي المقتول فيقتله؟ قال: «نعم، ولكن لا يترك يعبث به، ولكن يجيز عليه بالسيف»[1].
والمتبادر من الرواية أنّ الضارب لم يكن يقصد القتل، وإلّا لما كان هنا وجه للسؤال، إذ عندئذٍ يكون الضارب قاصداً للقتل والآلة قاتلة، ولذلك قلنا:
إنّه يقاد قصد أم لم يقصد.فإن قلت:يظهر من مرسلة يونس أنّه من مقولة شبه العمد؛ إذ روى عن بعض أصحابه، عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إن ضرب رجل رجلًا بعصا أو بحجر فمات من ضربة واحدة قبل أن يتكلّم فهو يشبه العمد، فالدية على القاتل.---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2.