(--- في الفرع الثاني فتدبّر. وقد أوضحنا حال التعليق في العقود في كتابنا «البيع في الشريعة الإسلامية الغرّاء».
4. ولو عفا بشرط إعطاء الدية، لا يسقط القود ولا يحصل الانقلاب إلّا بإعطائها، والفرق بين هذا الفرع وما تقدّمه واضح؛ لأنّ العوض في الأوّلين هو اشتغال ذمّته بالدية، وقد حصل سواء وفى أم لم يف، فللولي مطالبة الجاني للخروج عن الذمة، بخلاف هذا الفرع فإنّ العوض هو الاعطاء الخارجي فما لم يتحقّق الإعطاء لا تتحقّق المبادلة، فكأنّ العوض في الفرع السابق أشبه بالكلّي في الذمّة، وفي الثاني العين الخارجية.
5. هل يجب على الجاني إعطاء الدية لخلاص نفسه (إذا رضي الولي بها) أو لا يجب؟
قيل: يجب لوجوب حفظ النفس، وإذا دار الأمر بين دفع مال أو تلف النفس، فالأوّل هو المتعيّن.
وقيل: لا يجب وهو الأقوى؛ لأنّ الشارع أمر بالبذل فقال:«النَّفْسَ بِالنَّفْسِ». مضافاً إلى صحيحة عبد اللَّه بن سنان حيث إنّها تخيّر الجاني بين الأمرين حيث قال: «وإن رضوا بالدية وأحبّ ذلك القاتل، فالدية»[1].
وصريحه أنّ دفع الدية أمر غير ملزم وإنّما هو باختيار الجاني.
[1]. الوسائل: 19، الباب 19 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3.
المسألة 2. يجوز التصالح على الدية أو الزائد عليها أو الناقص، فلو لم يرض الولي إلّابأضعاف الدية جاز، وللجاني القبول، فإذا قبل صحّ، ويجب عليه الوفاء.^
المسألة 3. لا يجوز للحاكم أن يقضي بالقصاص ما لم يثبت أنّ التلف كان بالجناية، فإن اشتبه عنده ولم يقم بيّنة على ذلك، ولم يثبت بإقرار الجاني اقتصر على القصاص أو الأرش في الجناية لا النفس، فإذا قطع يد شخص ولم يعلم- ولو بالبيّنة أو الإقرار- أنّ القتل حصل بالجناية لا يجوز القتل.^^
^في جواز المصالحة على الدية والزائد عليها
إذا لم يرض الولي بالدية جازت المفاداة بالزيادة.[1]وذلك لأنّ حق القصاص للولي وهو لا يرضى بإسقاط القود إلّابشيء زائد على الدية، فلا مانع إذا كان برضاً من الطرفين، فيدخل تحت عمومات الصلح فتشمل الموارد بإطلاقها.
^^عدم جواز القضاء بالقصاص ما لم يثبت التلف بالجناية
لا شكّ أنّه إذا جنى بقطع يد شخص مثلًا، فسرت الجناية إلى أن مات المجنيّ عليه بسبب السراية، فيحكم على الجاني بالقصاص؛ إنّما الكلام إذا مات ولم يتيقّن أنّ التلف حصل بالجناية بتصديق أهل الخبرة أو إقرار---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 228.
(--- الجاني، فعندئذٍ يقتصر على أحد الأمرين:
أ. القصاص بمقدار الجناية؛ لأنّ الزائد عليهما- أعني: القصاص في النفس- بعدُ لم يثبت- أعني: كون التلف لأجل السراية-.
ب. أخذ الدية أو الأرش إذا رضيا بهما.
المسألة 4. يرث القصاص من يرث المال عدا الزوج والزوجة، فإنّهما لا يستحقان قصاصاً، ومنهم من قال: لا يرث القصاص الإخوة والأخوات من الأُم ومن يتقرّب بها. وقيل: ليس للنساء قود ولا عفو وإن تقرّبن بالأب، والأوّل أشبه.^
^يرث القصاص مَن يرث المال عدا الزوج والزوجة
نقل المحقّق في المقام أقوالًا ثلاثة:
1. يرث القصاص من يرث المال عدا الزوج والزوجة ولكن لهما نصيبهما من الدية في عمد أو خطأ.
2. قيل: لا يرث القصاص إلّاالعصبة دون الإخوة والأخوات من الأُم ومن يتقرّب بها، وهو الأظهر.
3. وقيل: ليس للنساء (وإن تقرّبن بالأب) عفو ولا قود على الأشبه[1].
والفرق بين القول الثاني والثالث واضح؛ لأنّ المراد من العصبة كلّ مَن يتقرّب للمقتول من جانب الأب، فعندئذٍ يعمّ الأخوات من الأب؛ وأمّا على القول الثالث فالنساء محرومات من العفو والقود مطلقاً حتى الأخوات من الأب. ولأجل هذا الفرق ذكر صاحب الجواهر عند القول الثالث ما جعلناه بين القوسين، أعني: (وإن تقربن بالأب).
إذا علمت ذلك فلندرس الأقوال:---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 228.
(---أمّا القول الأوّل- أعني: يرث القصاص كلّ من يرث المال-: فهو خيرة الشيخ في «المبسوط»، قال: أمّا الكلام في القصاص فهو إذا قتل عمداً محضاً فإنّه كالدية في الميراث يرثه من يرثها، فالدية يرثها من يرث المال، والقود يرثه من يرث الدية والمال معاً، وهذا مذهب الأكثر. وأمّا الزوج والزوجة فلا خلاف بين أصحابنا أنّه لا حظ لهما في القصاص- بمعنى لا ترث الزوجة حقّ القصاص إذا قتل زوجها وبالعكس- ولهما نصيبهما من الميراث من الدية. واختاره ابن إدريس.[1]
ونسب صاحب الجواهر هذا القول إلى: السرائر والتحرير والمختلف والإرشاد والإيضاح واللمعة والمسالك والروض والروضة، بل يظهر من رواية ابن فضّال الآتية أنّه مورد إجماع،[2]حيث وصف اختصاص القصاص بالعصبة بأنّه خلاف ما عليه أصحابنا فيكون عدم الاختصاص مورد الاتّفاق.
فلا فرق بين الذكور والإناث، والمتقرّب بالأب أو بالأُم أو بكليهما فكلّ من يرث المال يرث القصاص، إلّاالزوجين فهما يرثان المال ولا يرثان القصاص، وفي الوقت نفسه يرثان نصيبهما من الدية، فكأنّ حرمانهما من القصاص، مورد إجماع.
ويدلّ على هذا القول عموم قوله:«وَ أُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ»[3]. فإنّه جمع مضاف يعمّ كلّ الأرحام الأقرب فالأقرب إلّا---)
[1]. المبسوط: 7/ 54؛ السرائر: 3/ 328.
[2]. جواهر الكلام: 42/ 283.
[3]. الأنفال: 75.
(--- ما خرج بالدليل- أعني: الزوج والزوجة- مضافاً إلى عموم: إنّ كلّ ما تركه الميّت من مال أو حق فهو لوارثه.[1]
لكن يرد على هذا القول: إنّه ما الفرق بين القصاص والدية فإنّ الإخوة والأخوات من الأُم (الكلالة)- على هذا القول- يرثون القصاص إذا كانوا وارثين للمال، مع انّهم لا يرثون الدية كما يأتي في المسألة التالية، فيلزم التفكيك بين الأصل والفرع. وسيوافيك السؤال مع جوابه في المسألة الثانية فانتظر.
وأمّا القول الثاني- أعني: اختصاص القصاص بالعصبة، والمراد بهم كلّ من يتقرب بالأب وإن كان أُنثى-: فتعمّ الأولاد والأخوة والأخوات من الأب.
نعم لا تصل النوبة إلى كلّ من ينتمي إلى المقتول من جهة الأب إلّاإذا انتفى المتقدّم عليه.
وعلى كلّ تقدير فإنّ هذا القول قد وصفه المحقّق بالأظهرية، وأشار إليه الشيخ في «المبسوط».[2]
واستدلّ عليه بما رواه الشيخ عن علي بن الحسن بن فضّال[3]، عن العباس بن عامر[4]، عن داود بن الحصين[5]عن أبي العباس فضل البقباق---)
[1]. الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة، الحديث 14. ونقله أحمد في مسنده: 4/ 133 بالنحو التالي: ما ترك مالًا فلوارثه؛ والقاضي النعمان في الدعائم: 2/ 395: إنّ ما ترك الميت من شيء فلورثته؛ والقمّي في جامع الشتات: 231: ما ترك الميت من مال أو حقٍّ فهو لوارثه.
[2]. المبسوط: 7/ 54.
[3]. ذكره الشيخ في أصحاب الهادي والعسكري عليهما السلام.
[4]. الثقفي الثقة.
[5]. الأسدي الثقة.
(--- عن أبي عبداللَّه عليه السلام، قال: قلت هل للنساء قود أو عفو؟ قال: «لا، وذلك للعصبة».[1]
ثم إنّ الشيخ بعدما روى هذه الرواية قال: قال علي بن الحسن (بن فضّال): هذا خلاف ما عليه أصحابنا، ولأجل ذلك حمله صاحب الوسائل على التقية.
والاستدلال بالحديث رهن دراسة سنده ودلالته.
أمّا السند فقد استشكل الشهيد الثاني على الرواية وقال: وفي الطريق (طريق الشيخ إلى ابن فضّال) ضعف، ولم يذكر وجه الضعف، إلّاأن يكون الضعف في طريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضّال الّذي أخذ الشيخ الحديث من كتابه، ففي طريقه إليه أحمد بن عبدون وعلي بن محمد بن الزبير، هكذا في الفهرست.
أمّا الأوّل فهو ثقة لأنّه من مشايخ النجاشي وهو لا يروي إلّاعن ثقة وعرّفه في كتابه بقوله: أبو عبداللَّه شيخنا المعروف بابن عبدون، له كتب وكان قويّاً في الأدب. وأمّا علي بن محمد بن الزبير فهو وإن لم يرد في حقّه مدح ولا ذم، ولكنّه من مشايخ الإجازة يروي عنه الشيخ أكثر الأُصول بواسطة أحمد بن عبدون، ولعلّ هذا المقدار يكفي في الاعتماد على الرواية.---)
[1]. الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 6.
(--- وإن أبيت إلّاعن وجود الضعف في الطريق نقول: إنّ للشيخ طريقاً آخر إلى عليِّ بن الحسن بن فضّال وهو طريق صحيح ذكره الأردبيلي[1].
ثم إنّ السيد الخوئي صحّح الرواية بوجه آخر، وقال: إنّ الكتب الّتي كانت عند الشيخ هي بعينها الكتب الّتي كانت عند النجاشي، وبما أنّ للنجاشي إلى تلك الكتب طريقاً آخر معتبر، فلا محالة تكون رواية الشيخ أيضاً معتبرة[2].
وأمّا طريق النجاشي إلى علي بن الحسن بن فضّال فكالتالي: قال: أخبرنا محمد بن جعفر[3]في آخرين عن أحمد بن محمد بن سعيد[4]عن علي بن الحسن بكتبه[5]، فلاحظ.
هذا كلّه حول السند، وأمّا الدلالة فلا تخلو من إشكال لوجود التنافي بين الصدر والذيل، أمّا الصدر، فظاهر قول السائل: هل للنساء قود أو عفو؟
وجواب الإمام بقوله: «لا»، هو حرمان النساء مطلقاً من القصاص، حتّى وإن تقربن بالأب، وظاهر قوله: «وذلك للعصبة» هو إرث كلّ مَن يتقرّب بالأب إلى المقتول، فيشمل الأخوات من الأب.
على أنّ راوي الرواية- أعني: علي بن الحسن- يقول: «وهذا خلاف---)
[1]. جامع الرواة: 2/ 505، ولاحظ التهذيب: 1/ 26، برقم 6.
[2]. مباني تكملة المنهاج: 2/ 128.
[3]. النحوي التميمي شيخ النجاشي.
[4]. ابن عقدة المتوفى 333 ه.
[5]. رجال النجاشي برقم 674.