المسألة 15: إذا كان له أولياء شركاء في القصاص، فإن حضر بعض وغاب بعض، فعن الشيخ قدس سره: للحاضر الاستيفاء بشرط أن يضمن حصص الباقين من الدية. والأشبه أن يقال: لو كانت الغيبة قصيرة يصبر إلى مجيء الغائب، والظاهر جواز حبس الجاني إلى مجيئه لو كان في معرض الفرار.
ولو كان غير منقطعة أو طويلة فأمر الغائب بيد الوالي، فيعمل بما هو مصلحة عنده أو مصلحة الغائب. ولو كان بعضهم مجنوناً فأمره إلى وليّه، ولو كان صغيراً ففي رواية: انتظروا الذين قتل أبوهم أن يكبروا، فإذا بلغوا خيّروا، فإن أحبّوا قتلوا أو عفوا أو صالحوا.^
^لو كان بعض الأولياء غائباً أو مجنوناً أو صغيراً
في المسألة فروع:
1. إذا كان للمقتول أولياء غير محجورين شركاء في القصاص لكن كان بعضهم غائباً.
2. لو كان بعض الأولياء مجنوناً أو صغيراً.
3. لو كان ولي الدم صغيراً أو كان الجميع صغاراً.
وإليك دراسة الفروع:
أمّا الفرع الأوّل:فلو كان للقتيل أولياء كاملون لا يُولّى عليهم، كانوا شركاء في القصاص، فإن كان الجميع حاضرين فهو، وإن حضر بعض وغاب الباقون فقد مرّ في المسألة السابعة عن الشيخ أنّ: للحاضر الاستيفاء بشرط---)
(--- أن يضمن حصص الباقين من الدية. واختار المصنّف عدم جواز الاستيفاء إلّا باجتماع الجميع؛ ولأجل ذلك اختار في المقام التفصيل، وهو أنّ الغيبة لو كانت قصيرة يصبر إلى مجيء الغائب دونما إذا كانت طويلة.
وما هذا إلّالأنّ هنا حقوقاً متعدّدة قائمة بالأشخاص، فلكلٍّ حقّ القصاص مستقلّاً بصورة العام الاستغراقي، لا أنّ هنا حقّاً واحداً قائماً بالجميع بصورة العام المجموعي؛ وعلى ذلك فإذا كان حضور الغائب أمراً ميسّراً في وقت قصير، فالصبر أولى لما قلنا من عدم جواز المبادرة، حتّى يعلم نظره هل يريد القصاص أو الدية؟ وأمّا إذا كانت غيبته منقطعة أو طويلة فأمر الغائب بيد الوالي لكونه وليّه في غيبته فيعمل بما هو مصلحة عنده أو مصلحة الغائب.
الفرع الثاني:إذا كان بعض الأولياء مجنوناً مكان كونه غائباً، فحكمه حكم الغائب فيفصّل بين كون غيبته قصيرة فيصبر، أو طويلة فيعمل الوالي بما هو مصلحة عنده أو عند الغائب، وكان على المصنّف أن يعطف عليه كون بعض الأولياء صغيراً فإنّ حكم الجميع واحد، بخلاف ما إذا كان ولي الدم صغيراً أو كان الجميع صغاراً، إذ يختلف حكمه مع هذا الفرع.
الفرع الثالث- أعني: لو كان ولي الدم صغيراً أو كان الجميع صغاراً-: قال الشيخ: لم يكن لأحد أن يستوفي حتّى يبلغ، سواء كان القصاص في النفس أو في الطرف.[1]
وجهه: بإنّ الحقّ له وهو قاصر عن أهلية الاستيفاء فيتعيّن تأخيره---)
[1]. الخلاف: 5/ 179، المسألة 43.
(--- إلى أن يكمل.
وقد استشكل فيه صاحب الشرائع. ووجه الإشكال بأنّ الولي مسلّط على استيفاء حقوقه مع المصلحة، وهذا منها، وهو أقوى[1].
وكان على المصنّف أن يقول فيه بمثل ما مرّ في الفرعين لكنّه عمل في المقام برواية تأمر بالانتظار؛ وهي رواية إسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام أنّ علياً عليه السلام قال: «انتظروا بالصغار الذين قتل أبوهم أن يكبروا، فإذا بلغوا خُيّروا، فإن أحبوا قتلوا أو عفوا، أو صالحوا»[2].
إنّما الكلام في جواز حبس الجاني إلى بلوغ الصبي، وإن ذهب إليه الشيخ حيث قال: يحبس القاتل حتّى يبلغ الصبي ويفيق المجنون.[3]
وقد وصفه المحقّق بقوله: وهو أشد إشكالًا،[4]ضرورة كونه ضرراً وتعجيل عقوبة لا دليل عليهما. ولابدّ للقاضي أن يتّخذ أُسلوباً يجمع فيه بين حقّ المجنيّ عليه حتّى يبلغ والجاني بالإفراج عنه بوثائق، فتدبّر.
[1]. مسالك الأفهام: 15/ 239.
[2]. الوسائل: 19، الباب 53 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2.
[3]. المبسوط: 7/ 54؛ الخلاف: 5/ 180، المسألة 43.
[4]. شرائع الإسلام: 4/ 230.
المسألة 16: لو اختار بعض الأولياء الدية عن القود فدفعها القاتل لم يسقط القود لو أراد غيره ذلك، فللآخرين القصاص بعد أن يردّوا على الجاني نصيب من فاداه من الدية، من غير فرق بين كون ما دفعه أو صالح عليه بمقدار الدية أو أقل أو أكثر، ففي جميع الصور يردّ إليه مقدار نصيبه، فلو كان نصيبه الثلث يرد إليه الثلث ولو دفع الجاني أقل أو أكثر.
ولو عفا أو صالح بمقدار وامتنع الجاني من البذل، جاز لمن أراد القود أن يقتصّ بعد رد نصيب شريكه.
نعم لو اقتصر على مطالبة الدية وامتنع الجاني، لا يجوز الاقتصاص إلّا بإذن الجميع.
ولو عفا بعض مجاناً لم يسقط القصاص، فللباقين القصاص بعد ردّ نصيب من عفا على الجاني.^
^ المسألة بفروعها مبنيّة على أمرين:
1. أنّ حق القصاص ثابت لكلّ واحد من الأولياء على وجه العام الاستغراقي، وأنّ إسقاط أحد الأولياء القود أو إبداله بالدية لا يوجب سقوط حقّ الآخرين.
2. لا يجوز الاقتصاص إلّامع حضور جميع الأولياء، إذا لم يسقط بعضهم حقّه من القصاص، وأمّا إذا أسقط فالقصاص عندئذٍ لا يتوقّف على إذنه.
إذا عرفت ذلك فلندرس الفروع الواردة في المسألة، وهي:---)
(---
الفرع الأوّل: لو اختار بعض الأولياء الدية
لو اختار بعض الأولياء، الدية عن القود فدفعها القاتل، لم يسقط القود لو أراد الآخرون ذلك، لما عرفت من كيفية تعلّق القصاص بنحو العام الاستغراقي، وإنّ إسقاط البعض حقّه لا يضر بحقوق الآخرين.
نعم إذا أراد الآخرون القصاص فعليهم أن يردّوا على الجاني نصيب من فاداه من الدية، أي نصيب من أطلقه واستنقذه بأخذ الدية.
مثلًا لو كان عدد الأولياء ثلاثة فاختار واحد منهم الدية والآخران القصاص، فالجمع بين الحقّين هو تجويز القصاص للآخرين مع دفع مقدار الدية إلى الجاني؛ وذلك، لأنّ الجاني ملك ثلث الدية في مقابل ما دفع إليه، فيدفع إليه ثلث دية الإنسان من غير فرق بين كون المدفوع إلى أحد الأولياء أقل من الثلث أو أكثر.
الفرع الثاني: لو صالح أحد الأولياء وامتنع الجاني من البذل
لو صالح أحد الأولياء بمقدار وامتنع الجاني من البذل، جاز لمن أراد القود أن يقتصّ بعد ردّ نصيب شريكه.
والفرق بين الفرعين واضح، وهو أنّ أحد الأولياء استبدل حقّه في القصاص بالمال وأخذه، بخلاف المقام فقد صالح بمقدار ولكن امتنع الجاني من البذل، ويشتركان في أنّ الشريك أسقط حقّه من القصاص---)
(--- بالمصالحة، وامتناع الجاني من البذل لا يوجب بطلان المصالحة، وعندئذٍ جاز لمن أراد القود أن يقتصّ لكن بعد ردّ نصيب شريكه من الدية. وكلا الفرعين يشتركان في أنّه يجوز لمن لم يسقط حقّه أن يقتصّ لأنّه أسقط حقّه من القصاص، سواء أخذ البدل أم لا.
ومثله ما لو عفا بعض الورثة بمقدار دون الآخرين، إذ يجب على من يريد القود أن يرد نصيب العافي من الدية إلى الجاني، فالمراد من قوله: «بعد رد نصيبه» أعم من الرد إلى الولي الشريك إذا امتنع الجاني عن البدل أو إلى الجاني إذا عفا، لكي تشمل العبارة كلتا الصورتين.
الفرع الثالث: لو اقتصر بعض الأولياء على المطالبة بالدية وامتنع الجاني
لو اقتصر أحد الأولياء على مجرد البحث والمحاورة مع الجاني لتبديل حقّه في القصاص بالدية دون أن يتّفقا على شيء، وامتنع الجاني عن القبول، فبما أنّ حقّه محفوظ لم يسقط، لا يجوز الاقتصاص إلّاباذن الجميع، وبهذا يظهر الفرق بين هذا الفرع وما سبقه من الفرعين حيث إنّه أسقط فيهما حقّه من القصاص بالاتّفاق على الدية وقبول الجاني لذلك، سواء أخذ نصيبه من الدية أم لا، لكن تمّت المبادلة في كلتا الصورتين؛ بخلاف هذا الفرق الّذي لم يتجاوز عن حدّ طرح الموضوع والمناقشة فيه ولم يتّفقا على شيء.---)
(---
الفرع الرابع: لو عفا بعض الأولياء مجّاناً
لو عفا بعض مجّاناً لم يسقط القصاص، فللباقين القصاص بعد ردّ نصيب من عفا على الجاني. والفرق بين العفو هنا و ما سبق في الفرع الثاني واضح؛ لأنّه في السابق كان في مقابل مقدار، بخلافه هنا فهو بالمجان.
أمّا عدم سقوط حق الآخرين فلما عرفت من كيفية تعلّق القصاص وأنّ الشريك أسقط حقّه من القصاص بالعفو، وأمّا ردّ نصيب من عفا على الجاني فلأنّه ملّك نصيبه من الدية بالعفو.
ويدلّ على عدم سقوط القصاص في صورة أخذ بعض الأولياء الدية أو عفوه عن القصاص، روايتان عليهما العمل: إحداهما مسندة، والأُخرى مرسلة.
أما الأُولىفهي صحيحة أبي ولّاد الحنّاط قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن رجل قُتل وله أُمّ وأب وابن، فقال الابن: أنا أُريد أن أقتل قاتل أبي، وقال الأب:
أنا (أريد أن) أعفو، وقالت الأم: أنا أُريد أن آخذ الدية؟
قال: فقال: «فليعط الابنُ أُمّ المقتول السدس من الدية، ويُعطى ورثةَ القاتل السدسُ من الدية، حق الأب الّذي عفا، وليقتله»[1].
وأمّا الثانيةفهي ما رواه جميل بن درّاج عن بعض أصحابه رفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل قتل وله وليان، فعفا أحدهما وأبى الآخر أن يعفو؟---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 52 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1. وأبو ولّاد هو حفص بن سالم الثقة.
(--- قال: «إن أراد الّذي لم يعف أن يقتل، قتل وردّ نصف الدية على أولياء المقتول المقاد منه»[1].
ومورد الرواية الأُولى هو إرادة بعض الأولياء أخذ الدية، ومورد الثانية هو عفو أحدهم، وقد عمل المشهور بالروايتين.
قال الشهيد الثاني: المشهور بين الأصحاب أنّ عفو بعض الأولياء على مال وغيره لا يسقط حقّ الباقين من القود، ولكن على مَنْ أراد القصاص أن يرد على المقتول بقدر نصيب من عفا من ديته لإصالة بقاء الحق، وعموم قوله تعالى:«فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا»[2]، والولاية صادقة على كلّ واحد. ثم استدلّ بصحيحة أبي ولّاد الحنّاط الماضية.[3]
وفي «الجواهر» نسب الحكم في محكيّ «الخلاف» إلى إجماع الفرقة وأخبارها، كما أنّ عن ظاهر «المبسوط» و «غاية المرام» وصريح «الغنيّة»:
الإجماع على المفروض أيضاً، مؤيّداً بعدم العثور فيه على مخالف منّا، كما اعترف به غير واحد.[4]
ومع ذلك ففي مقابلهما روايات بعضها صريحة في سقوط القود، وبعضها ظاهرة وليست بصريحة، وقد عقد لها صاحب الوسائل باباً آخر بالعنوان التالي: إذا عفا بعض الأولياء لم يجز للباقين القصاص، وكان عليه---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 52 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2.
[2]. الإسراء: 33.
[3]. مسالك الأفهام: 15/ 239- 240.
[4]. جواهر الكلام: 42/ 306.