(---
الثاني: لو عفا أولياء بعض القتلى لا على مال
لو عفا أولياء بعض القتلى مجانّاً كان للباقين القصاص من دون ردّ شيء لما عرفت من أن كلّ واحد يملك قصاص القاتل على وجه الاستقلال، فعفو بعض الأولياء يسقط حق العافي لا حق الآخرين. ويدلّ عليه صحيح عبدالرحمن عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: سألته عن رجل قتل رجلين عمداً ولهما أولياء فعفا أولياء أحدهما وأبى الآخرون، قال: فقال: «يقتل الّذي لم يعف، وإن أحبّوا أن يأخذوا الدية أخذوا».[1]
الفرع الثالث: لو تراضى الأولياء مع الجاني بالدية
فلكلّ واحد منهم دية كاملة، لأنّ كلّ واحد يملك قصاصاً مستقلًا، وبالتالي يملك كلٌّ دية كاملة في ذمّته، لأنّه قتل نفوساً متعدّدة، فلو صولح بالدية فوليُّ كلّ مقتول يملك دية كاملة، في مقابل حق القصاص تماماً، وهذا بخلاف ما إذا تعدّد الأولياء وكانت الجناية واحدة فالجميع يملكون دية واحدة تقسّم بينهم.
وبعبارة واضحة: فرق بين تعدّد الجناية ووحدتها، فالأوّل يلازم تعدّد الدية، بخلاف الثاني ففيه دية واحدة.
الفرع الرابع: إذا حاول كلّ من الأولياء الاستبداد بقتله
ففيه وجوه:---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 52 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3.
(--- 1. يجوز لكلٍّ من غير رضا الباقين.
2. لا يجوز إلّامع رضاهم.
3. التفصيل بين كون قتل الجميع معاً، فيجوز الاستبداد لكلّ واحد، وأمّا مع التعاقب فيقدّم حق السابق فالسابق.
وعلى هذا فلو عفا السابق فالحق للمتأخّر عنه، وجوه أوجهها عند المصنّف عدم جواز الاستبداد ولزوم الإذن من الجميع.
أمّا وجه الأوّل- أي جواز مبادرة كلّ إلى القصاص- فلأن كلّ واحد من الأولياء يستحق إزهاق نفسه قصاصاً، فلكلّ واحد المبادرة.
وأمّا وجه الثاني- أي عدم الجواز إلّامع رضاهم- فلأنّ رقبة القاتل موضع حقّ للجميع، فإنّ مبادرة واحد بلا إذن يبطل حقوقهم.
وأمّا وجه الثالث- أي التفصيل بين كون قتل الجميع معاً فلا ترجيح لأحدهما على الآخرين، وقتلهم على التعاقب، فهو لأجل أنّ السابق استحقّ القصاص قبل أن يستحقّ الآخرون، فيقدّم حقّه على الآخرين.
ولا يخفى ضعف الأخير، لأنّ المسؤول هو الجاني سبقت الجناية أو تأخّرت نظير الغارم إذا أفلس، فالسابق واللاحق سيّان في تعلّق حقّهما بأمواله ونفسه، والظاهر قوة الوجه الثاني لما مرّ.
وتظهر الثمرة في أنّه إذا بادر أحدهم من غير إذن من السابق أو القرعة عُزّر؛ لأنّه أضاع متعلّق حق الغير، وهذا بخلافه على القولين الآخرين.---)
(---
الفرع الخامس: لو بادر أحد الأولياء بقتل القاتل من غير إذن الحاكم
على القول بعدم جواز المبادرة، فلو قتله ليس عليه إلّاالإثم وللحاكم تعزيره ولا شيء عليه ولا على الجاني في ماله، وهذا ما أشار إليه الشيخ في «الخلاف» فقال- كما مرّ-: وإن بادر واحد فقتله فقد استوفى حقّه وسقط حق الباقين لا إلى بدل، خلافاً لعثمان البتيّ حيث قال: فإذا قُتل سقط من الديات واحدة وكان ما بقي من الديات في تركته.
وأمّا المحقّق فقد تردّد في سقوط حق الباقين فقال فإن استوفى الأوّلُ سقط حق الباقين لا إلى بدل، على تردّد.
ولكنّ المنقول عن أبي علي والفاضل في الإرشاد وموضع من القواعد وولده في موضعين من الإيضاح أنّ لغيره الدية، وجهه: أنّ الجاني قد أتلف على كلّ واحد منهم نفساً كاملة فكان لمن لم يقتصّ، الدية لتعذّر البدل.[1]
يلاحظ عليه:أنّه وإن أتلف على كلّ واحد نفساً كاملة، إلّاأنّه لا يترتّب على هذه الجناية المتعدّدة غير بذل نفسه و- قد بذل- والجاني لا يجني على أكثر منها. وقد مرّ أنّ الواجب بالذات في قتل العمد هو القصاص، ولا تتعيّن الدية إلّابرضا الجاني، والمفروض عدمه.
فإن قلت:لو قتل أشخاصاً خطأً فلا شكّ أنّه تتعدّد الدية حسب تعدّد الجناية، فليكن المقام مثله.---)
[1]. جواهر الكلام: 42/ 317.
(---قلت:فرق واضح بين المقيس والمقيس عليه، لما مرّ من أنّ الواجب أوّلًا وبالذات في العمد هو القصاص، لا الدية ولا يعدل عنه إليها إلّابرضا الجاني، والمفروض أنّه قتل بمبادرة بعض الأولياء، بخلاف القتل عن خطأ فإنّ الواجب أوّلًا وبالذات هو الدية فتتعدّد حسب تعدّد الجناية.
فإن قلت:ما الفرق بين المقام والجناية الواحدة مع تعدّد الأولياء، فقد مرّ أنّه لو استوفى أحدهما بالقصاص وجب عليه ردّ نصيب الباقين من الدية؟
قلت:الفرق مع اشتراك الموردين في أنّ كلّاً يملك القصاص على نحو العام الاستغراقي هو أنّ استحقاق كلّ منهم في المقام القصاصَ، مستقلٌ لا مدخلية له في الآخر، وقصاص واحد منهم لا يبطل حقّاً ماليّاً للباقي، ولا وجه لمطالبة الباقي الدية بعد استعداد الآخر للقتل، بخلاف المقام السابق فإنّ مبادرة واحد منهم، يبطل حقّاً ماليّاً للآخرين لإمكان استعدادهم لأخذ الدية، فلو بادر إلى القتل فقد أبطل حقّاً مالياً لهم، ولذلك يرجعون إلى المبادر لأخذ الدية.
وحصيلة الكلام:أنّه لا فرق بينهما إذا اقتصّ بإذن الجميع، وما إذا بادر أحدهم فقتل بدون إذن الآخرين، فلا يترتّب على الصورة الثانية إلّاالتخلّف عن الحكم الشرعي، دون الضمان بمعنى تعلّق الدية بتركة الجاني، نعم يبقى احتمال تعلّق الدية بذمّة المستوفي، فلاحظ.
الفرع السادس: لو اختلفوا في الاستيفاء فالمرجع القرعة
لو اختلفوا في الاستيفاء ولم يتّفقوا فيه فالمرجع القرعة، لأنّها---)
(--- شرّعت لرفع الاختلاف والخصومة.
ثم إنّ بعض هذه الفروض الواردة في هذه المسألة ترجع فيما لو أنّ القتل، وقع في مجتمع عشائري لا حكومة فيه، وقد أخذ أولياء المقتولين هذا القاتل ووقعت بينهم خصومة، وتشاحّ كلُّ واحدٍ من الأولياء يريد أن يقتصّ بنفسه.
وأمّا إذا كانت هناك حكومة تسيطر على الأوضاع الأمنية في البلاد، ويوجد هناك حاكم قادر على تعيين المصلحة ومن هو أجدر باستيفاء الحق (القصاص) ويوجد عند هذا الحاكم سجن يسجن فيه القاتل ولا تستطيع أيدي الأولياء الوصول إليه إلّابإذن الحاكم.
ففي هذه الظروف تكون هذه الفروض بعيدة عن الواقع ولا يصح افتراضها ثم إتعاب النفس في إيجاد الحلول لها، وعلى الحاكم، المنع عن المبادرة بالقصاص لو أراد بعض الأولياء استيفاء حقّه بالدية إذا رضي القاتل بذلك. واللَّه العالم.
المسألة 22: يجوز التوكيل في استيفاء القصاص، فلو عزله قبل استيفائه فإنْ علم الوكيل بالعزل فعليه القصاص، وإن لم يعلم فلا قصاص ولا دية، ولو عفا الموكّل عن القصاص قبل الاستيفاء، فإن علم الوكيل واستوفاه فعليه القصاص، وإن لم يعلم فعليه الدية، ويرجع فيها بعد الأداء على الموكّل.^
^الوكالة والنيابة في استيفاء القصاص
في المسألة فروع:
1. جواز التوكيل في استيفاء القصاص.
2. إذا استوفى الوكيل المعزول، بعد علمه بالعزل.
3. إذا استوفى الوكيل المعزول، قبل علمه بالعزل.
4. إذا عفا الموكّل عن القصاص وعلم به الوكيل واستوفى.
5. إذا عفا الموكّل عن القصاص ولم يعلم الوكيل قبل الاستيفاء واستوفى.
والجميع غير الأوّل يدور حول أمرين:
1. عزل الوكيل واستيفائه قبل العلم به أو بعده.
2. عفو الموكّل عن الجاني، وعلم الوكيل به قبل الاستيفاء أو بعده.
وإليك دراسة الفروع:---)
(---أمّا الفرع الأوّل:فلا شكّ أنّ استيفاء القصاص من الأُمور الّتي تقبل النيابة والوكالة، وليس هو من الأُمور المطلوب صدورها مباشرة، كما هو واضح، ومثله استيفاء الدين.
وأمّا الفرع الثاني:فلو استوفى الوكيل مع العلم بالعزل يكون عمله عدواناً حيث قتل من ليس له قتله، فعليه القصاص بشرط علمه بأنّ الوكالة عقد جائز ينعزل الوكيل بالعزل؛ وأمّا لو اعتقد بلزوم الوكالة وعدم إمكان عزله إلّا بالفسخ، فيكون معذوراً في القتل وإنّما عليه الدية، ولا يرجع إلى الموكّل لتقصيره في تعلّم الحكم الشرعي.
وأمّا الفرع الثالث:فلو جهل الوكيل بالعزل واستوفى فليس عليه قصاص، لكونه معذوراً في القتل، لكن عليه الدية؛ لأنّه قتل نفساً محترمة بالنسبة إليه عن جهل، غاية الأمر يسقط القصاص دون الدية، لأنّه قتل إنساناً من غير حقٍّ، نعم يقع الكلام في أنّ الدية هل تتعلّق بالوكيل لكونه مباشراً، أو بالموكِّل لأنّه السبب؟ والظاهر هو الأوّل، لأقوائية المباشر في المقام من السبب.
نعم لمّا كان سكوت الموكّل وعدم إبلاغه العزل سبباً لتورّط الوكيل في القتل، فيرجع الوكيل- بعد دفع الدية، إلى ورثة المقتول- إلى موكله أخذاً بالقاعدة المعروفة: المغرور يرجع إلى مَن غَرَّه، وبذلك يُعلم الإشكال في المتن حيث قال:وإن لم يعلم فلا قصاص ولا دية، لما عرفت عن تعلّق الدية.
ومع ذلك فيمكن القول بصحّة ما في المتن، لما تقرّر في محلّه من أنّ---)
(--- أعمال الوكيل المعزول نافذة قبل وصول العزل إليه، فعلى ذلك فقد وقع القصاص في موضعه؛ لأنّه قتل شخصاً مهدور الدم في ظاهر الشرع لما ذكرنا من نفوذ عمل الوكيل ما لم يعلم عزله.
نعم لا يجري ما ذكرنا فيما إذا عفا وقتل الوكيل الجاهل بالعفو، الجاني؛ لأنّ العفو يخرجه عن كونه مهدور الدم، كما سيوافيك في الفرع الخامس.
وأمّا الفرع الرابع:فلو عفا الموكل قبل الاستيفاء وعلم الوكيل بالعفو ومع ذلك استوفى، فعليه القصاص؛ لأنّه قتل نفساً محترمة بالنسبة إليه، إذ المفروض أنّه قتله بعد العلم بالعفو.
وأمّا الفرع الخامس:فلو لم يعلم الوكيل بالعفو واستوفى فيكون معذوراً في القتل، غير معذور في الدية. أمّا كونه معذوراً في القتل فلا قصاص، فلجهله بالعفو؛ وأمّا وجوب الدية عليه فلأنّه قتل نفساً محترمة، لأنّ المفروض أنّ الموكّل عفا فصار نفساً محترمة لا يجوز قتلها، فإذا قتلها عن جهل تتعلّق به الدية، غاية الأمر يدفعها إلى الموكّل؛ لأنّه كالغادر بالنسبة إلى الوكيل، أو كالغار بالنسبة إليه، ولذلك قال المحقّق: أمّا لو عفا الموكل ثم استوفى ولمّا يعلم، فلا قصاص أيضاً، وعليه الدية للمباشرة، ويرجع بها على الموكلّ لأنّه غار.[1]
وبعبارة أُخرى: فرق بين قتل الجاني بعد عزل الموكّل، وعدم بلوغ العزل إلى الوكيل (الفرع الثالث)، وبين قتله بعد عفو الموكّل وعدم بلوغ العفو إلى الوكيل (الفرع الخامس)؛ ففي الصورة الأُولى ما زال الجاني مهدور---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 230.