(--- 1. قال الشيخ: ومن قتل غيره فسلّمه الوالي إلى أولياء المقتول ليقتلوه، فضربه الولي ضربة أو ضربات وتركه ظناً منه أنّه قد مات وكان به رمق، فحمل ودووي فصلح، ثم جاء الولي فطلب منه القود كان له ذلك، وعليه أن يردّ عليه دية الجرحات الّتي جرحه، أو يقتصّ له منه.[1]
وقد أفتى به أيضاً ابن حمزة.[2]
ترى أنّ الشيخ وابن حمزة أضافا شيئاً على الحديث وهو التخيير بين ردّ دية الجراحات والاقتصاص له منه، مع أنّ الحديث يشتمل على الثاني فقط.
2. قال ابن إدريس: يقتصّ من ولي المقتول إذا لم يكن جرح المجنيّ عليه (المقتول الأوّل) جراحات عدّة بل قتله بضربة واحدة، وأمّا إن كان جرحه جراحات عدّة فللولي أن يقتصّ منه بعد ذلك ويقتله[3].
ترى أنّه فصّل بين ما صنع به أوّلًا بضربة واحدة فيقتصّ من الولي ثم يقتل، وبين ضربات فلا يقتصّ منه، بل للولي أن يقتصّ من بعد ذلك بقتله مع أنّ الرواية خالية عن هذا القيد.
وحاصل كلامه: أنّ الجاني إذا جنى على المجنيّ عليه بضربة واحدة ففيه قصاصان:
1. اقتصاص الجاني من الولي بضربة واحدة.---)
[1]. النهاية: 774- 775.
[2]. الوسيلة: 433.
[3]. السرائر: 3/ 405.
(--- 2. اقتصاص الولي من الجاني بعدها ثانياً.
وأمّا إذا جنى الجاني على المجنيّ عليه بجراحات فليس فيه إلّااقتصاص واحد وهو اقتصاص الولي من الجاني.
وجهه: أنّ الجاني في الصورة الأُولى جنى بضربة واحدة، فلو لم يقتصّ منه لزم الاعتداء؛ لأنّ المفروض أنّه سوف يقتل بضربة ثانية.
بخلاف ما لو جنى على المجنيّ عليه بضربات، فلا تعدّ الضربة الأُولى اعتداء وإن تلته ضربة ثانية أو ثالثة؛ لأنّ المفروض أنّه جنى بضربات متعدّدة.
3. قال المحقّق: ولو ضرب ولي الدم الجاني قصاصاً وتركه ظناً أنّه قتل وكان به رمق، فعالج نفسه وبرئ، لم يكن للولي القصاص في النفس حتّى يقتصّ منه بالجراحة أوّلًا. ثم نقل الرواية وضعّف سندها فخرج بالنتيجة التالية: والأقرب أنّه إن ضربه بما ليس له الاقتصاص به (كما إذا ضربه بالعصا)، اقتصّ منه وإلّا كان له قتله، كما لو ظن أنّه أبان عنقه ثم تبيّن خلاف ظنِّه بعد انصلاحه، فهذا له قتله ولا يقتصّ من الولي لأنّه فعل سائغ.[1]
وقد وافقه المصنّف في المتن ففرّق بين ما صنع به أوّلًا وكان غير مشروع كالضرب بالعصا فيقتصّ منه لأنّه تعدّى به عليه، وبين ما كان مشروعاً كالضرب بالسيف فلا يقتصّ منه لأنّه عمل مشروع.
فيظهر من هذه الكلمات أنّ الأصحاب في تردّد من صحّة مضمون---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 233.
(--- الخبر فلذلك زادوا في العمل بالحديث حتّى يتّفق مع القاعدة.
نعم يرد على المحقّق بأنّ الضرب بالسيف وإن كان مشروعاً لكنه مشروطٌ بأدائه إلى القتل لا تركه مجروحاً، فيكون عمله مشروعاً ظاهراً تعدّياً واقعاً، وبما أنّه ضربه جهلًا يكون جرحاً عن خطأ أو شبه عمد، فيحكم بالدية ثم القتل. واللَّه العالم.
المسألة 27. لو قطع يده فعفا المقطوع ثم قتله القاطع فللولي القصاص في النفس، وهل هو بعد رد دية اليد أم يقتصّ بلا ردّ؟ الأشبه الثاني. وكذا لو قتل رجل صحيح رجلًا مقطوع اليد قتل به، وفي رواية: إن قطعت في جناية جناها أو قطع يده وأخذ ديتها تردّ عليه دية يده، ويقتلوه، ولو قطعت من غير جناية ولا أخذ لها دية، قتلوه بلا غرم.
والمسألة مورد إشكال وتردّد، والأحوط العمل بها. وكذا الحال في مسألة أُخرى بها رواية، وهي: لو قطع كفّاً بغير أصابع قطعت كفّه بعد ردّ دية الأصابع، فإنّها مشكلة أيضاً.^
^لو قطع يد رجل فعفا المقطوع ثم قتله القاطع
في المسألة فروع:
1. لو قطع يده فعفا المقطوع، ثم قتله القاطع، فهل يقتل بعد ردّ دية اليد، أو يقتل بلا ردّ؟
2. لو قتل رجل صحيح رجلًا مقطوع اليد، فهل يقتل بعد ردّ دية اليد أو يقتل بلا ردّ.
3. لو قطع كفّاً بغير أصابع، هل تقطع كفّه بعد ردّ دية الأصابع أو لا؟
أمّا الفرعان الأوّل والثاني فكلاهما يرتضعان من ثدي واحد، غير أنّ قطع اليد في الأوّل صدر من القاتل والمفروض فيه أنّ المقطوع عفا عن القاطع ولم يأخذ الدية؛ بخلاف الفرع الثاني فإنّما قطعت لا من قبل القاتل بل بسبب---)
(--- آخر، لم يُعلم وجه قطعه، فمن المحتمل أنّها قطعت في جناية جناها، أو جُني عليها وأخذ ديتها، أو قطعت في غير جناية كما في حوادث الطرق في زماننا ولم يأخذ ديتها، أو جناها شخص وغاب بلا دية.
والرواية التي استند إليها إنّما وردت في الفرع الثاني ولكن يعلم حكم الفرع الأوّل- أعني: العفو- منها أيضاً كما سيظهر.
وإليك دراسة الفرعينالأوّل والثانيمعّاً:
فنقول لو قطع يد إنسان فعفا المقطوع ثمّ قتله القاطع، فهنا قولان:
1. ما عليه المحقّق وغيره، يقتل القاطع بعد أن يردّ عليه دية اليد، إن كان المجنيُّ عليه أخذ ديتها أو قطعت في قصاص، ولو كانت قطعت في غير جناية ولا أخذ لها دية، قتل القاتل من غير ردّ.[1]
2. أنّه يقتل من غير ردّ؛ لعموم قوله تعالى:«النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»،[2]وقوله:
«الْحُرُّ بِالْحُرِّ»[3]؛ ولأنّ للنفس بدلًا بانفرادها، ولأنّه لو قتل فاقد اليد خلقة قتل من غير ردّ مع تحقّق النقصان، فهكذا هنا.[4]وما ذكره صحيحاً لولا النصّ.
أقول:مقتضى القاعدة هو القصاص بلا ردّ وفاقاً للقول الأوّل؛ وذلك لأنّ المعيار في القصاص هو«النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»، أي من أعدم إنساناً حيّاً---)
[1]. شرائع الإسلام: 4/ 233.
[2]. المائدة: 45.
[3]. البقرة: 178.
[4]. مسالك الأفهام: 15/ 265.
(--- يقتل في مقابل عمله، وأمّا أنّ المقتول كان ذا يد أو لا، فليس له تأثير في مقام القصاص.
وإن شئت قلت:إنّ قاطع اليد بعد أن عفي عنه، قتل إنساناً كاملًا، فيقتصّ منه بلا نظر إلى أنّ المقتول الأوّل كان فاقداً لليد أو واجداً لها؛ لأن الميزان: قتل إنسان في مقابل إنسان.
وأمّا ما هو مقتضى الدليل النقلي فيظهر التفصيل من رواية سورة بن كليب عن أبي عبد اللَّه عليه السلام- كما سيظهر- (وقد وصفها في المسالك بالحسنة) قال: سئل عن رجل قتل رجلًا عمداً وكان المقتول أقطع اليد اليمنى؟ فقال: «إن كانت قطعت يده في جناية جناها على نفسه أو كان قُطِعَ فأخذ دية يده من الذي قطعها، فإن أراد أولياؤه أن يقتلوا قاتله أدُّوا إلى أولياء قاتله، دية يده التي قيد منها إن كان أخذ دية يده ويقتلوه، وإن شاءُوا طرحوا عنه دية يد، وأخذوا الباقي.
قال: وإن كانت يده قطعت في غير جناية جناها على نفسه ولا أخذ لها دية، قتلوا قاتله ولا يغرم شيئاً، وإن شاءُوا أخذوا دية كاملة، قال: وهكذا وجدناه في كتاب علي عليه السلام».[1]والاستدلال بها يتوقّف على صحّة السند، ووضوح الدلالة.
أمّا السند: فسورة بن كليب قد عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق عليه السلام، ونقل الأردبيلي في جامعه رواية هشام بن سالم وطلحة النهدي ومالك بن عطية ويونس وجميل عنه، وهذا المقدار يكفي في كون---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 50 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.
(--- الرجل ممدوحاً وروايته معتبرة.[1]
وأمّا كيفية الاستدلال بها على الفرع الأوّل فبأن يقال: إنّ العفو ليس من مقولة أخذ الدية، بل هو نوع كرامة من المجنيّ عليه وإغماض منه عن القصاص، وعندئذٍ يدخل الفرع الأوّل في قوله: وإن كانت يده قطعت في غير جناية جناها على نفسه (أي لم تقطع قصاصاً) ولا أخذ لها دية، قتلوا قاتله ولا يغرم شيئاً.
وأمّا الفرع الثاني فهو داخل في مورد الرواية لأنّه لابدّ من تقييد قتل مقطوع اليد بما إذا قطعت يده في غير جناية جناها أو قطعت ظلماً ولكن لم يأخذ ديتها تبعاً للرواية، و لا مانع من العمل بالحديث لما عرفت من قوّته.
^^^
الفرع الثالث:لو قطع كفاً بلا أصابع فهل تقطع اليد مطلقاً، أو بعد ردّ دية الأصابع؟
قال في المتن: «فإنّها مشكلة أيضاً»، و في المسألة قولان:
الأوّل:أنّه تقطع يده من أصله وتردّ عليه دية الأصابع، وهو ما عليه الشيخ في «النهاية».[2]وعليه النص الآتي.
الثاني:ترك القصاص وأخذ الأرش. وهو خيرة ابن إدريس.[3]---)
[1]. قاموس الرجال: 5/ 338.
[2]. النهاية: 774.
[3]. السرائر: 3/ 404.
(--- وأمّا العلّامة فقد ذكر المسألة في «مختلف الشيعة» فقال: فنحن في هذه المسألة من المتوقّفين، ومع ذلك قال بأنّ قول ابن إدريس لا بأس به.[1]
ولعلّ ما ذكره ابن إدريس هو الأوفق بالقاعدة، لأنّ المجنيّ عليه كان ذا يد ناقصة فلو اقتص من يد تامّة في مقابل يد ناقصة يُعدّ اعتداءً.
ولا تقاس هذه المسألة بالمسألة السابقة، وذلك لما عرفت من أنّ كون اليد ناقصة أو تامّة لا يؤثر في قصاص النفس، لأنّه لايستفاد من ذلك العضو الكامل بعد قتله؛ بخلاف المقام فإنّ المفروض أنّ الجاني حيّ ولا يُقتل، فقطع يده الكاملة في مقابل الناقصة يُعدّ اعتداءً على الجاني، فاللازم للجمع بين الحقّين ترك القصاص وأخذ الأرش.
نعم إنّما يؤخذ بقول ابن إدريس إذا لم تكن هناك رواية تخالفه؛ وهي ما روى الكليني عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسين بن العباس بن الجريش، عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قال: قال أبو جعفر الأوّل عليه السلام لعبد اللَّه بن عباس: «يا ابن عباس: أنشدك اللَّه هل في حكم اللَّه اختلاف؟ قال: فقال: لا، قال:
فما تقول في رجل قطع رجل أصابعه بالسيف حتى سقطت فذهب[2]وأتى رجل آخر فأطار كف يده فأُتي به إليك وأنت قاض، كيف أنت صانع؟ قال:
أقول لهذا القاطع: أعطه دية كفّه، وأقول لهذا المقطوع: صالحه على ما شئت وأبعث إليهما ذوي عدل، فقال له: قد جاء الاختلاف في حكم اللَّه ونقضت
[1]. مختلف الشيعة: 9/ 399.
[2]. ورد في بعض المصادر والنسخ« ذهبت»، والصحيح ما أثبتناه.