(--- هذا كلّه حسب القواعد، لكن مراعاة الإرفاق والسهولة أفضل من المماثلة في التعذيب وأقرب إلى روح التسامح في الإسلام، إذ في العفو لذة غير موجودة في القصاص.
4. لو تجاوز واقتصّ بما يوجب التعذيب فهنا وجوه، فإن كان أصعب ممّا فعل به، فللوالي تعزيره، بشرط أن لا يوجب القصاص، وإلّا اقتصّ منه إذا كان قابلًا للقصاص، أو ينتقل إلى الأرش والدية إذا لم يكن كذلك.
ثمّ إنّ الأولى للمصنّف أن يبتدئ المسألة بقوله: «لا يجوز تعذيب المجنيّ عليه أكثر ممّا عذّبه»، وأمّا ما تقدّمه فليس أمراً لازم الذكر في المقام، وقد مرّ التنويه عليه في مبحث القول في كيفية الاستيفاء عند قصاص النفس (المسألتين: 10 و 11) فلاحظ. وكون المورد في السابق، قصاص النفس وفي المقام قصاص الطرف، لا يبرّر التكرار.
المسألة 15. لوكان الجرح يستوعب عضو الجاني مع كونه أقل في المجنيّ عليه لكبر رأسه مثلًا كأن يكون رأس الجاني شبراً ورأس المجنيّ عليه شبرين وجنى عليه بشبر يقتصّ الشبر، وإن استوعبه.
وإن زاد [الجرح] على العضو كأن جنى عليه في الفرض بشبرين لا يتجاوز عن عضو بعضو آخر، فلا يقتصّ من الرقبة أو الوجه، بل يقتصّ بقدر شبر في الفرض، ويؤخذ للباقي بنسبة المساحة إن كان للعضو مقدّر وإلّا فالحكومة؛ وكذا لا يجوز تتميم الناقص بموضع آخر من [ذلك] العضو، ولو انعكس وكان عضو المجنيّ عليه صغيراً فجنى عليه بمقدار شبر وهو مستوعب لرأسه مثلًا لا يستوعب في القصاص رأس الجاني، بل يقتصّ بمقدار شبر، وإن كان الشبر نصف مساحة رأسه.^
^لو تعلّق القصاص بمقدار الجراحة طولًا وعرضاً وعمقاً
أساس هذه المسألة هو أنّ موضوع القصاص تارة يكون هو العضو، كما في قوله:«وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الأَنْفَ بِالأَنْفِ وَ الأُذُنَ بِالأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالْسِّنِّ»[1]،لا مقدار الجناية، ففي هذا النوع لا يلاحظ كبر العضو وصغره من المجنيّ عليه والجاني، بل يجري القصاص، سواء أكان العضوان متساويين أم مختلفين.
وأُخرى يكون موضوع القصاص مقدار الجراحة من حيث الطول---)
[1]. المائدة: 45.
(--- والعرض والعمق، كما في المقام، فإنّ القصاص في الشجّة إنّما هو بهذا الملاك، فتترتّب على ذلك، الفروع التالية:
1. لو كان رأس المجنيّ عليه شبرين، ورأس الجاني شبراً- مثلًا- وكان طول الجراحة شبراً واحداً، فحينئذٍ يقتصّ بالشبر وان استوعب تمام رأس الجاني.
2. نفس الفرض السابق ولكن جنى عليه بشبرين فعندئذٍ لا يتجاوز من الرأس إلى الرقبة والوجه، بل يقتصّ بقدر شبر في الفرض ويؤخذ للباقي بنسبة المساحة إن كان للعضو مقدّر، وإلّا فالحكومة.
وجهه: أنّ موضع الجناية هو الرأس فليس للمجنيّ عليه أن يتجاوز من الرأس إلى غيره، كالناصية والأُذن أو الوجه فإنّها ليست من الرأس، غاية الأمر يجمع بين الحقّين وهو أنّه يقتصّ من الرأس بما أمكن وأمّا الزائد فيرجع فيه على الجاني بالدية إن كان فيه دية مقدّرة، وإلّا فالحكومة (الأرش)، وكذلك لا يجوز تتميم الناقص بموضع آخر من ذلك العضو كما إذا كانت الجناية طولياً في عرض قليل تستغرق رأس الجاني ويزيد فلا يجوز تتميم الناقص بموضع آخر من ذلك العضو بإيجاد جرح في جانب آخر من الرأس.[1]
نعم روى الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: سألته عن الموضحة في الرأس كما هي في الوجه؟ فقال: «الموضحة والشجاج في---)
[1]. ثمّ إنّ الأولى في كلام المصنّف حذف قوله:« وكذا» وتقديم قوله:« لا يجوز الخ» على قوله:« ويؤخذ للباقي».
(--- الوجه والرأس سواء؛ لأنّ الوجه من الرأس».[1]
ولكن التنزيل لغاية وحدة الحكم لا أنّ الوجه جزء من الرأس تكويناً حتى يتعدّى إليه إذا كان الرأس صغيراً بشهادة أنّ التنزيل جاء لبيان أنّ حكم الموضحة فيهما سواء.
3. لو كان عضو المجنيّ عليه صغيراً فجنى عليه بمقدار شبر وهو مستوعب لرأسه مثلًا، يقتصّ من الجاني، بمقدار شبر ولا يستوعب في القصاص رأس الجاني، لما عرفت من أنّ الموضوع هو مقدار الجناية، لا العضو بمقدار الرأس حتّى يقال: إنّ الجاني استوعب رأس المجنيّ عليه، فليستوعب رأسه.
[1]. الوسائل: 19، الباب 5 من أبواب ديات الشجاج، الحديث 1.
المسألة 16. لو أوضح جميع رأسه بأن سلخ الجلد واللحم من جملة الرأس فللمجنيّ عليه ذلك مع مساواة رأسهما في المساحة، وله الخيار في الابتداء بأي جهة؛ وكذا لو كان رأس المجنيّ عليه أصغر، لكن له الغرامة في المقدار الزائد بالتقسيط على مساحة الموضحة، ولو كان أكبر يقتصّ من الجاني بمقدار مساحة جنايته، ولا يسلخ جميع رأسه؛ ولو شجّه فأوضح في بعضها فله دية موضحة، ولو أراد القصاص استوفى في الموضحة والباقي.^
^لو أوضح جميع رأسه مع تفاوت رأسهما في المساحة
الأساس في هذه المسألة هو نفسه ما في سابقتها، وهو أنّ الميزان مقدار الجرح طولًا وعرضاً، لا العضو بما هو هو، وعلى هذا يترتّب عليه الفروع التالية:فتارةتكون المساحة في كلا الرأسين متساويين، وأُخرىيكون رأس المجنيّ عليه أكبر،وثالثةعلى العكس، وهنا فرع رابع راجع إلى إيضاح البعض يأتي حكمه آخر المسألة، وإليك البيان:
1. لو أوضح جميع رأسه بأن سلخ الجلد واللحم من جملة الرأس واتّضح بياض العظم، وافترضنا مساواة رأسيهما في المساحة، فللمجنيّ عليه الاقتصاص بلا زيادة ولا نقيصة، وهو مخيّر بالابتداء من أي جهة شاء.
قال العلّامة: فلو أوضح جميع رأسه بأن سلخ الجلد واللحم عن جملة الرأس: فإن تساويا في القدر فُعل به ذلك[1].---)
[1]. قواعد الأحكام: 3/ 643.
(--- 2. لو كان رأس المجنيّ عليه أكبر[1]من رأس الجاني، بأن يكون رأسه- مثلًا- شبرين والجاني شبراً واحداً. فيسلخ جملة رأسه أي بمقدار شبر ويبقى شبرٌ آخر فيؤخذ الغرامة، وإليه يشير المصنّف بقوله: لكن له الغرامة في المقدار الزائد بالتقسيط على مساحة الموضحة.
وهذه الفقرة شاهد على أنّ الصحيح في عبارة المتن كون رأس المجنيّ عليه أكبر لا أصغر كما ورد فيه.
3. ولو كان رأس المجنيّ عليه أصغر[2]من رأس الجاني، كأن يكون رأسه شبراً ورأس الجاني شبرين، فيقتصّ من الجاني بمقدار جنايته ولا يسلخ جميع رأسه، لما ذكرنا من أنّ الميزان هو مقدار الجناية لا العضو.
4. ولو شجّه في رأسه مثلًا بضربة واحدة فكان أثرها في بعضها الإيضاح خاصّة والحارصة في البعض الآخر، فإن أراد أخذ الدية فله دية الموضحة فقط، إذ لا تتفاوت ديتها بتفاوت الشجّة طولًا وقصراً.
وإن أراد القصاص استوفى في الموضحة، وفي الباقي مثله[3].
ولا يخفى سقوط «مثله» في عبارة المصنّف، والعبارة الواضحة هي ما ذكره العلّامة في «القواعد»: ولو أراد القصاص استوفى القصاص في الموضحة، والباقي على الوجه الّذي وقعت الجناية عليه.[4]
[1]. و في المتن: أصغر، و هو تصحيف.
[2]. و في المتن: أكبر، و هو تصحيف كذلك.
[3]. جواهر الكلام: 42/ 364.
[4]. لاحظ: قواعد الأحكام: 3/ 644( الهامش).
المسألة 17. في الاقتصاص في الأعضاء غير ما مرّ: كلّ عضو ينقسم إلى يمين وشمال- كالعينين والأُذنين والأُنثيين والمنخرين ونحوها- لا يقتصّ إحداهما بالأُخرى، فلو فقئ عينه اليمنى لا يقتصّ عينه اليسرى، وكذا في غيرهما؛ وكلّ ما يكون فيه الأعلى والأسفل يراعى في القصاص المحل، فلا يقتصّ الأسفل بالأعلى كالجفنين والشفتين.^
^القصاص في الأعضاء المزدوجة كالعينين والأُذنين
تنقسم أعضاء الإنسان إلى عضو مفرد وعضو مزدوج، فلو وقعت الجناية على القسم الثاني كالعينين والأُذنين والمنخرين، والشفتين، فهو بين ما يوصف باليمين واليسار، وأُخرى بالأعلى والأسفل، فيقع الكلام في أنّه إذا جنى على اليسار هل له أن يقتصّ من اليمين أو بالعكس، أو جنى على الشفة السفلى فهل له أن يقتص بالعليا أو لا؟ الظاهر لا، فاليمين باليمين واليسار باليسار، والعليا بالعليا والسفلى بالسفلى.
وذلك لأنّ الأعضاء تختلف قوّة وضعفاً، ولها أدواراً متفاوتة في الحياة، فلا يجوز للمجنيّ عليه أن يقتصّ من الجاني بغير جناية.
وأمّا التمسّك بإطلاق قوله سبحانه:«الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ ...»لإثبات التخيير، فليس بتامّ، إذ ليست الآية في مقام البيان من هذه الجهة، مضافاً إلى أنّ التجاوز عن المماثلة يعدّ اعتداءً.
وقد مرّ في المسألة السادسة عند بيان شروط الاقتصاص ما يفيدك في المقام، حيث مرّ أنّ منها التساوي في المحلّ مع وجوده فيقطع اليمين باليمين
إلخ، فلاحظ.
المسألة 18. في الأُذن قصاص تقتصّ اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى، وتستوي أُذن [الإنسان] الصغير والكبير، والمثقوبة والصحيحة إذا كان الثقب على المتعارف، والصغيرة والكبيرة، والصمّاء والسامعة، والسمينة والهزيلة. وهل تؤخذ الصحيحة بالمخرومة، وكذا الصحيحة بالمثقوبة على غير المتعارف بحيث تعدّ عيباً أو يقتصّ إلى حد الخرم والثقب والحكومة فيما بقي، أو يقتصّ مع رد دية الخرم؟ وجوه لا يبعد الأخير، ولو قطع بعضها جاز القصاص.^
^القصاص في الأُذن
مرّ الايعاز إلى ثبوت القصاص في الأُذن مع التساوي في المحلّ بما أنّه من الأعضاء المزدوجة، ويدلّ عليه قوله سبحانه:«وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ»[1]، والغرض الأصيل في المسألة بيان تعلّق القصاص بالعضو بلافرق بين أُذن، وأُذن، فتستوي أُذن الصغير والكبير والصحيحة والمثقوبة- على نحو لا يعدّ عيباً- والصمّاء والسامعة، إنّما الكلام في أنّه هل يقتصّ من الصحيحة بالمخرومة؟ فيه احتمالات:
1. تؤخذ الصحيحة بالمخرومة بلا ردّ شيء.
2. لا تقتصّ الصحيحة بالمخرومة، بل يقتص إلى حدّ الخرم والحكومة فيما بقي.[2]ذكره وجهاً في الشرائع.[3]---)
[1]. المائدة: 45.
[2]. قواعد الأحكام: 3/ 639.
[3]. شرائع الإسلام: 4/ 237.