(--- كما لو قطع إصبعين وليست له إلّاواحدة.
فإن قلت:ما الفرق بين المقام وبين ما إذا كانت يد الجاني شلّاء وأراد المجنيّ عليه قطعها، فهو لا يأخذ معها شيئاً؟
قلت:الفرق بينهما واضح فإنّ التفاوت هناك بالكيفية، فاليدان كلاهما كاملتي الأجزاء غير أنّ إحداهما شلّاء، بخلاف المقام فإنّ التفاوت هنا بالوجود والعدم فالجاني يملك أربع أصابع والمجنيّ عليه خمسة.
واستدلّ للقول الثاني بخبر سورة بن كليب، فقد جاء فيها أنّ أبا عبد اللَّه عليه السلام سُئل عن رجل قتل رجلًا عمداً وكان المقتول أقطع اليد اليمنى؟ فقال:
«إن كانت قطعت يده في جناية جناها على نفسه أو كان قطع فأخذ دية يده من الذي قطعها، فإن أراد أولياؤه أن يقتلوا قاتله أدّوا إلى أولياء قاتله دية يده [التي] قيد منها، إن كان أخذ دية يده ويقتلوه. وإن شاءُوا طرحوا عنه دية يد وأخذوا الباقي، قال: وإن كانت يده قطعت في غير جناية جناها على نفسه ولا أخذ لها دية قتلوا قاتله ولا يغرم شيئاً، وإن شاءُوا أخذوا دية كاملة، قال: وهكذا وجدناه في كتاب علي عليه السلام».[1]يلاحظ عليه- مضافاً إلى ضعف السند كما مرّ سابقاً- بوجهين:
1. أنّ مورد الرواية هو القتل لا الجناية في الطرف.
2. أنّ موردها كون المجنيّ عليه ناقصاً بخلاف المقام فإنّه فيما إذا كان الجاني ناقصاً فالاستدلال بها على غير موردها غير تام.---)
[1]. الوسائل: 19، الباب 50 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.
(---
الصورة الثانية: لو كان النقص في طرف المجني عليه
إذا انعكس الأمر بأن كان النقصان في يد المجنيّ عليه، فهنا احتمالات:
1. تقطع يد الجاني بعد ردّ دية ما نقص من المجنيّ عليه من الأصابع إلى الجاني. وهذا هو الوجه الأوّل في كلام المصنّف، وهو الأوفق بالقواعد إذ فيه جمع بين القصاص فيما يمكن، وأخذ الدية في الإصبع ممّا لا يمكن القصاص فيه.
2. ما أشار إليه بقوله: لا يقتصّ، وعليه الدية. وهذا هو المحِكيّ عن بعض متأخّري المتأخّرين كما في «الجواهر»[1](ولعل مراده المحقّق الأردبيلي).
وإليه أشار في «المسالك» وقال: وربما قيل بالمنع من القصاص على هذا الوجه لعدم المماثلة، فلا يجبر أن يلقي حديدة القصاص في غير الموضع الذي لقيته حديدة الجاني.[2]
3. ما اختاره في «المسالك» وهو المنع عن قطع اليد الكاملة من الكوع لما فيه من استيفاء الزيادة، لكنّه يقطع الأصابع الأربعة إن شاء ويأخذ دية الكفّ أو يأخذ الدية.[3]
هذا وقد تقدّم من المصنّف الكلام في نظير المسألة في باب كيفية الاستيفاء في المسألة رقم 27، فيما لو قطع يده فعفا المقطوع ثم قتله القاطع، فلاحظ ما مرّ هناك من الكلام فإنّه يفيدك في المقام.
[1]. جواهر الكلام: 42/ 398.
[2]. مسالك الأفهام: 15/ 294.
[3]. مسالك الأفهام: 15/ 293.
الثاني: لو قطع إصبع رجل فسرت إلى كفّه بحيث قطعت ثم اندملت، ثبت القصاص فيهما، فتقطع كفّه من المفصل، ولو قطع يده من مفصل الكوع ثبت القصاص، ولو قطع معها بعض الذراع اقتصّ من مفصل الكوع، وفي الزائد يحتمل الحكومة ويحتمل الحساب بالمسافة، ولو قطعها من المرفق فالقصاص وفي الزيادة ما مرّ، وحكم الرجل حكم اليد، ففي القطع من المفصل قصاص، وفي الزيادة ما مرّ.^
^ للفرع صور:
1. لو قطع إصبع رجل فسرت إلى كفّه بحيث قطعت ثم اندملت.
2. لو قطع يده من مفصل الكوع.
3. تلك الصورة ولكن قطع معه بعض الذراع.
4. ولو قطعها من المرفق.
5. ولو قطعها مع شيء من العضد.
6. حكم الرِجل في عامّة الصور.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.
الأوّل: لو قطع إصبع رجل فسرت إلى كفّه
لو قطع إصبع رجل- مثلًا- فسرت الجناية إلى كفّه بحيث قطعت ثم اندملت، فما هو حكمه؟ فهنا أقوال:---)
(--- 1. ينتقل إلى الدية، وهو المحكيّ عن الشيخ في «المبسوط»[1]وهو غير واضح؛ لأنّ الأصل في الجناية هو القصاص ولا ينتقل إلى الدية إلّا بالتراضي، والكلام في حكم الجناية بما هي هي.
2. ثبوت القصاص فيهما، وهو خيرة المحقّق.[2]لعموم الأدلّة بعد كون السراية من فعل الجاني، فالمقام نظير ما لو قطع يده ابتداءً، فكما يحكم فيه بالقصاص من الكوع فهكذا المقام، والسبب- أعني: قطع الإصبع- أقوى من المباشر- أعني: السراية في نظر العرف- لأنّه يرى الجاني هو المسؤول في فساد اليد وقطعها نهاية حفظاً لسلامة الإنسان. وهذا هو الأقوى لإمكان القصاص فيهما من دون تغرير أو كسر عظم لوجود المفصل.
3. القصاص في الإصبع وأخذ الدية في الباقي. حكاه في «الشرائع» ولم يسمّ قائله وهو لم يرتضه حيث قال: وهل القصاص في الإصبع وأخذ الدية من الباقي؟ الوجه: لا، لإمكان القصاص فيهما.[3]
وحكاه في «الجواهر» عن الفاضل يريد به العلّامة.
يلاحظ عليه:بأنّه مبني على تعدّد الجناية وهو خلاف المفروض؛ لأنّ هنا جناية واحدة، وهو قطع الإصبع وقد سرت إلى الكفّ، والثانية من توابع الأُولى.---)
[1]. جواهر الكلام: 42/ 400.
[2]. شرائع الإسلام: 4/ 238.
[3]. شرائع الإسلام: 4/ 238.
(---
الفرع الثاني: لو قطع يده من مفصل الكوع
ويراد منه ما يلي طرف الزند ممّا يلي الإبهام، يثبت القصاص فيه لعموم الأدلّة، والميزان في قصاص العضو عبارة عن كلّ عضو ينتهي إلى مفصل بحيث لا تغرير في القصاص ولا موجب لكسر العظم.
الفرع الثالث: لو قطع يده مع بعض الذراع
لو قطع معها بعض الذراع اقتصّ من اليد من الكوع وله الحكومة في الزائد من دون قصاص فيه، لما عرفت من أنّ الميزان في ثبوت القصاص كلّ عضو ينتهي إلى المفصل، فعندئذٍ لو اقتصّ من المرفق بعد ردّ الفاضل كما حكى عن ابن الجنيد[1]لزم الاعتداء، ولو اقتصّ ببعض الذراع حسب المساحة في ذراع المجنيّ عليه يلزم كسر العظام، فعندئذٍ يتعيّن القصاص من الكوع والحكومة على نحو ما مرّ من فرضه عبداً تارة مع اليد وأُخرى فاقدها ويؤخذ من دية اليد بتلك النسبة، وذهب ابن إدريس في الزائد حسب المساحة، فإن كان المقطوع ثلث الذراع فعليه دية الثلث وأرشه. وقد ذكر الاحتمالان في المتن بلا ترجيح.
الفرع الرابع: لو قطعها من المرفق
لو قطعها من المرفق ثبت القصاص، لوجود المفصل وعدم تغرير---)
[1]. مختلف الشيعة: 9/ 458، المسألة 136.
(--- فيه.
الفرع الخامس: لو قطعها مع شيء من العضد
فحكمه ما مرّ إذا قطع اليد مع شيء من الذراع، فيقطع من المرفق، وفي الزائد الحكومة بكلا الاحتمالين.
قال في «الجواهر»: نعم لو قطعها من العضد فلا قصاص منه، لما عرفت، بل يقتصّ من المرفق وفي الباقي الحكومة.
وهنا احتمال آخر وهو القصاص من الكوع أو الأصابع والحكومة في الباقي، وقد عرفت بطلانه.
الفرع السادس: في حكم الرِّجْل
حكم الرِّجْلِ حكم اليد في عامّة ما ذكر بلا فرق.
الثالث: يشترط في القصاص التساوي في الأصالة والزيادة، فلا تقطع أصلية بزائدة ولو مع اتّحاد المحلّ، ولا زائدة بأصلية مع اختلاف المحلّ، وتقطع الأصلية بالأصلية مع اتّحاد المحلّ، والزائدة بالزائدة كذلك، وكذا الزائدة بالأصلية مع اتّحاد المحلّ وفقدان الأصلية، ولا تقطع اليد الزائدة اليمنى بالزائدة اليسرى وبالعكس، ولا الزائدة اليمنى بالأصلية اليسرى، وكذا العكس.^
^اشتراط التساوي في الأصالة والزيادة في القصاص
قد نشأ من اعتبار التساوي في الأصالة والزيادة في مورد الإصبع واليد اختلاف الحكم من حيث جواز الاقتصاص وعدمه في الصور التالية:
1. تقطع الإصبع الأصلية بمثلها.
2. تقطع الإصبع الزائدة بمثلها.
3. لا تقطع الأصلية بالزائدة سواء اتّحدتا في المحلّ أو لا.
4. لا تقطع الزائدة بالأصلية مع اختلاف المحلّ.
5. لا تقطع اليد الزائدة اليمنى بالزائدة اليسرى وبالعكس.
6. لا تقطع الزائدة اليمنى بالأصلية اليسرى وبالعكس.
أمّا الجواز في الأُوليينفلوجود المماثلة، كما هي واضحة.
وأمّا عدم الجواز في الصورة الثالثةفلأجل وجود الكمال في---)
(--- إصبع الجاني دون المجنيّ عليه، وقد مرّت شرطية المماثلة في الكمال في القصاص من غير فرق بين اتّحاد المحلّ وعدمه. نعم مع اختلاف المحلّ يكون الحكم آكد وأشدّ لوجهين: عدم المماثلة من حيث الأصلية، والزيادة والاختلاف في المحلّ.
وأمّا الصورة الرابعةفبما أنّ النقص في إصبع الجاني والكمال في إصبع المجنيّ عليه، فمقتضى القاعدة الجواز مع وحدة المحلّ، وأمّا مع الاختلاف في المحلّ فلا، لأجل عدم المماثلة من هذه الجهة.
وممّا ذكرنا يظهرحكم الصورتين الخامسة والسادسة.