ذلك بأن الله جمع هذه الأمة على كتاب واحد يسره للذكر ، وأنزله تبيانا لكل شئ وأكمل به الدين ، وجعله هدى ورحمة وبشرى للمسلمين ، ونعى فيه على أهل الكتاب اختلافهم في الدين بعد أن أنزل عليهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وجعل ميزة هذه الأمة وفضيلتها عليهم هو اهتداؤها إلى وجه الحق فيما اختلفوا فيه ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .
لقد سررت من عهد قريب بإخراج وزارة الأوقاف لكتاب " المختصر النافع " وإن كانت أحكامه ليست في الصحة بسواء ، ولا أقول بأن ذلك شعورا اختصصت به هذا الكتاب من كتب الفقه فإن هذا الشعور قد أجده في أي كتاب من كتب المذاهب الأخرى أمام حكم خاص ، ولقد أجد من صباحة الحق ، وصراحة في حكم من أحكام الشيعة ما لا أجده في حكم لغيرهم من الفقهاء .
ثم سررت أيما سرور حين أهداني " السيد مرتضى الرضوي " صاحب مكتبة النجاح في النجف الأشرف - الجزأين الأولين من كتابي " وسائل الشيعة ومستدركاتها " اللذين بدأ في طبعهما مجتمعين لأكمل نفسي بما أدعو الفقهاء إلى التكمل به ، ولازداد بهما إدراكا فيما نحن في أشد الحاجة إلى إدراكه ، وإني لأرى من قراءتي العاجلة ، لبعض مباحثهما في كتاب الطهارة أنهما يمنحان المسلم في فقهه ، ودينه ما لا ينبغي له - بوصفه طالبا للحق - أن يغفل عنه ، ولا أن يحرم نفسه من الأخذ به ، ولا أن يجادل بالهوى والعصبية فيه .
ولعلي حينما يتم طبع هذين السفرين العظيمين اللذين يبلغان فيما رواه لي السيد الناشر عدة مجلدات ، وحينما يتاح لي أن أقرأهما أعرف منهما ما ينبغي أن يكتمل به غيره ، وما ينبغي أن يكمل بغيره لنخرج للناس - إن قدر لنا وللمسلمين الخير في هذا العصر المنذر بالأخطار الجسام - بما عسى أن يكون أيسر فيما بعد على أولى النيات الصالحة في التقريب بين مذاهب المسلمين والحمد لله رب العالمين ؟
محمود فرج العقدة أستاذ البلاغة والأدب بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر القاهرة في 12 جمادى الآخر 1377 ه 2 يناير 1958 م .
( 8 ) حرف الميم 15 - الأستاذ عبد الهادي مسعود بوزارة الثقافة والإرشاد القومي ومدير الفهارس العامة بدار الكتب المصرية
* ولادته : ولد بمدينة الفيوم في 19 / 2 / 1924 م .
* حصل على ليسانس الآداب عام 1946 م * رائد دار المنتدى الثقافي وشعارها " الثقافة سبيل الحرية " .
* اختير : مديرا للمكتبات الفرعية بدار الكتب المصرية عام 1955 م . عين : وكيلا لدار الكتب المصرية عام 1968 م .
* آثاره : " شخصيات في السياسة والمجتمع " " والثورات الحديثة في الشرق " " ثورات مصر من أول عهد سعيد إلى آخر عهد توفيق " وله : مقدمة لكتاب " حقيقة الفلسفات الإسلامية ومؤلفات أخرى مطبوعة .
وسائل الشيعة بسم الله الرحمن الرحيم ( 1 ) الدين الإسلامي ومذهب أهل الشيعة :
ليست كلمة الدين كلمة سهلة ولا هينة ، وليست حدوده ذوات أفق ضيق أو قريب . . . إنما الدين رسالة كبيرة تتصل بأدق المشاعر ، كما تتعرض لأكبر المشاكل ، ويكاد الدين يشمل ما جل وما عظم من خطوط الحياة ، بل ويشمل في بعض الأحيان ما دق وما هان من أمور الوجود باعتبارات ذات صلة وثيقة بالخطوط الكبرى والمشاكل العظيمة ، ومن هنا أصبح واجبا أن نعرض الدين عرضا واسع الأفق ، فسيح المدى ، لا تعصب فيه ولا انحصارية تضر بكيان الأفراد والجماعات . . .
والإسلامية مذهب ديني فلسفي تتمثل خطوطه كما تتمثل أركانه وأسسه في كتاب الله هذه الإسلامية التي امتدت من طنجة على المحيط الأطلسي غربا إلى تين تس في الصين شرقا ، والتي امتدت من أواسط أوربا شمالا ، إلى الركن القصي من إفريقيا جنوبا . . .
والإسلامية التي تسود اليوم 1 / 7 سكان العالم أي حوالي 400 أربعمائة مليون نفس . . . هذه الإسلامية التي خلدت على الزمن ، وتحطمت على صخرتها كل القوى المعادية تحتاج اليوم إلى تجديد . . . وهي في حاجتها إلى التجديد تتطلب
دعامة من الرجال الأشداء الذين صقلتهم التجارب وصقلهم العلم . . . وتابعوا في ثقافاتهم تطور الإنسانية والفكر . . .
ونحن إذ نجدد فهمنا للدين في هذا العصر . وإذ ننطلق بأبصارنا وأفهامنا لإدراك الأسس الأصلية فيه نستطيع أن نحدد لهذا الفهم مراحله ، وأن نرسم لتحقيق هذا الهدف وسائله . . . وأول هذه المراحل ، وأهم هذه الوسائل هو البحث فيما ورثناه عن أسلافنا كدين . . هل خلا من الشوائب ؟ ! هل بانت معالمه وهل تكشفت لنا خباياه دون أن يدخل في أوساط رجال الدين مزيفون للحديث ، موسعون لشقة الخلافات ليستطيع المستعمر أو المستغل أو الخصم أيا كان هذا الخصم أن يلعب دوره البغيض في الإفادة من هذا الزيف ، أو في استغلال هذا الاختلاف ؟ !
إن الإجابة على مثل هذا السؤال واضحة لكل صاحب إيمان . . فاليهود كان لهم دور في بلبلة الفكرة الإسلامية . . ورجال الدولة الذين كانوا يحكمون على مر العصور كانوا يلعبون دورهم في إخفاء بعض الحقائق وفي تخريج معادن جديدة قد لا يكون لها أصل من الحق أو الصواب . . .
والمستشرقون - وهم عيون الاستعمار - لعبوا دورهم الكبير في إفساد ذات البين وشق حدة الدين لأسباب هي في حد ذاتها واهية ضعيفة وإن كانت نتائجها أخطر مما يظن الظانون . . .
هذه مرحلة من مراحل الفهم . .
وثمة مرحلة أخرى تلك هي البحث الجاد في هذه الفرعيات التي اتخذت أساسا لخلاف لعله أن يكون خطيرا وقد كان خطيرا بالفعل في قابل الزمان . . .
علينا أن نقتل القديم بحثا لنخلق وعيا إسلاميا جديدا فما من حق لرجل غير دارس أن يتحدث فيما لا يعلم . . . وليس من شك في أن المذهب الشيعي - وهو فرع من أهم فروع المذاهب في الإسلامية العامة - والذي يدين به أكثر من مائة مليون مسلم في أنحاء الهند وإيران والعراق و . . .
هذا المذهب الشيعي بحاجة إلى كل دراستنا لنستطيع فيما بعد أن نصل إلى هدفنا وهو التوفيق بين شتى المذاهب الإسلامية في داخل إطار من - كتاب الله - القرآن الكريم .
إن هذا المذهب الإسلامي له مقوماته الفكرية كأي مذهب آخر من مذاهب الدين ، وله لواؤه الخفاق ما في ذلك ريب[1]. . والعلماء الشيعة كعلماء أهل السنة إنما يدركون كل شئ في حدود القرآن وفي حدود ما ورد على لسان نبي الإسلام . . وقد نظموا دراسات وبحوثا لها قيمتها في ميدان الإسلامية الكبرى ، وكان لهم في إحياء التراث الديني مجالات ومجالات . .
والواقع أنني ألمس فيهم نشاطا ممتازا ، . وثقافة نادرة وفطرة مستقيمة في تقدير الأمور .
وإذا كان الشيعة يرون أن عليا " كرم الله وجهه " كان أولى بالحكم من
[1]اطلعنا أخيرا على كتاب : " أصل الشيعة وأصولها " تأليف العالم الكبير آل كاشف الغطاء وهو كتاب قيم جدا على صغر حجمه ، وكتاب " المختصر النافع " تأليف العلامة المحقق الحلي ولوزارة الأوقاف المصرية الفضل في نشره ، كما اطلعنا على الجزء الأول من كتاب : " وسائل الشيعة ومستدركها " وأصول الجزء الثاني الذي نقدم له الآن .