وأما الكلام في ركن الإمامة
فإنها واجبة عقلا بشرطين : أحدهما : بقاء التكليف العقلي ، نظرا إلى أن سقوطه مسقط وجوبها.
وثانيهما : ارتفاع العصمة عن المكلفين ، نظرا إلى غنى المعصوم عن اللطف الذي حاجة من ليس معصوما إليه بالإمامة ماسة لا بد منه ولا بدل إلا باعتبارهما[١]لأن ثبوت اللطف بالرئاسة العقلية على هذين الشرطين ظاهر ، وما ثبت اللطف به لا يكون إلا واجبا ، ولهذا ان وجود الرئيس منبسط اليد مرهوب الجانب نافذ الأمر والنهي ، محقق التمكين في كل ما هو رئيس فيه[٢]، لا يخفى كونه مقربا إلى الصلاح ، مبعدا عن الفساد ، ولا معنى للطف إلى ذلك وعدمه أو عدم تمكنه بانقباض يده أو جحده جملة ينعكس الأمر معه بفوات ما وجوده وما يتبعه لطف فيه. فيؤول إلى ظهور المفاسد وفوات المصالح ، وهذا معلوم لكل عاقل ، خبر العوائد[٣]الزمانية ، والأحوال البشرية ، فمن أنكره لم يحسن مكالمته بجحده ما لا شبهة في مثله ، ومن عارضة بما وقع عند رئاسة[٤]معينة من فتن ومحن لم تتوجه معارضته عليه ولم يقدح فيه ، لأنه كلام في جنس الرئاسة لا في تعيينها.
وكل واحد منهما منفصل عن الآخر مع أن الواقع عند الاعتبار ليس من
[١]في « أ » : ولا بدل له باعتبارهما.
[٢]في « أ » : هو رائس فيه.
[٣]في « أ » وفي « ج » : « حر العوائد » والظاهر أنه تصحيف « خبر » كما أثبتناه في المتن و « خبر » بمعنى « جرب ومارس ».
[٤]في « ج » : عند رياضة.
قبل الرئيس بل من مخالفة المرؤوسين له وجهلهم به ، فلا ملامة إلا عليهم ، وإذا ثبت أن في الرئاسة لطفا ، وكان اللطف واجبا بما بيناه متقدما وجبت الإمامة في كل زمان من أزمان التكليف ، لوجوب الألطاف الدينية التي لا يحسن إلا معها ، لكونها شرطا فيه[١]، ولأن مع استقرار الشريعة واستمرارها إلى قيام الساعة يتعين وجوب إزاحة العلة في حفظها بعد أدائها ، كحفظها بمن به أدائها في حال الأداء ، ولا حافظ لها في الحقيقة إلا من حكمه[٢]في وجوب الاقتداء به ، وإزاحة العلة بوجود[٣]حكم مؤديها ، وهو الرئيس الذي لا يجوز خلو زمان التكليف من وجوده فيه ، لأنها إن لم تكن محفوظة جاز دخول التبديل والتحريف فيها ، وهو مناف لوجوب القطع على صحتها ولإزاحة علة من هو مكلف بها وإن كانت محفوظة ، فأما الكتاب فليس مشتملا على جميع أحكامها ، ولا كل ما اشتمل عليه مبين ، لما فيه من المجمل الذي لا بد له من بيان ، أو السنة ، وحكمها في عدم الإحاطة بجميع الأحكام حكم الكتاب ، ومتواترها قليل بالنسبة إلى الآحاد الذي هو كثير واتصاله به جائز إما بإعراض الناقلين عنه ، أو باختلافهم فيه أو بغير هما من الأسباب ، وليس الآحاد مثمرا علما ولا موجبا عملا ولا طريقا إلى العلم بشيء من الأحكام الشرعية فلا بد لها من ضابط.
والإجماع ولا حجة به إلا بوجود المعصوم وتعيينه فيه ، وإلا مع خلوة منه ، وجواز الخطأ على كل واحد من المجمعين لا حجة في إجماعهم ، ولا فرق بينه وبين انفرادهم ، كما لا حجة في إجماع أهل الكفر على ما أجمعوا عليه من كفر هم الذي
[١]في « ا » : مشروطا فيه.
[٢]في « أ » : من حكمة.
[٣]في « ج » : بوجوده.
كل واحد منهم عليه بإجماعه أو انفراده.
ولو كان مجرد إجماع أهل الخطاء علة في كونه حجة ، لزم مثله في إجماع كل فرقة من فرق الكفار ، بل لو قامت الحجة بإجماع أهل الزلل والعصيان قياما يفيد ارتفاع ذلك عنهم ، وارتفعت بانفصالهم وانفرادهم ارتفاعا يقتضي عود ذلك إليهم ، لزم مثله في الكفار ، بل في السودان حتى يصح أن يقال :
إن كل واحد من الزنج أسود ، فإذا أجمعوا على أمر ما ، أو اجتمعوا له زالت السوادية عنهم واختصوا بالبياضية بدلا منها ، فإذا انفصلوا وانفرد كل واحد منهم عن الآخر عادت إليهم ، وبسقوط ذلك واستحالته يعلم قطعا أنه لا حجة في الإجماع إلا بتعيين من في قوله بانفراده الحجة ، أو القياس والرأي ، ولا يخفى سقوطهما ، لأن المعول فيهما[١]على الظن الذي يخطئ ويصيب مع خلو هما عن طريق إلى العلم بثبوتهما ، ودليل على جواز التعبد بهما والعمل بأحكام الشرع لا عن علم يقيني وطريق قطعي بصحته فاسد ، فإذا بطل أن يكون الشيء مما ذكرناه حافظا لها ، وكان حفظها واجبا ، لوجوب إزاحة العلة في التعبد بها ، ثبت أنه لا حافظ لها بعد مؤديها إلا الإمام القائم في ذلك مقامه.
وهذه الطريقة وإن كانت دالة على وجوب الإمامة مع بقاء الشريعة ، فإنها دالة أيضا على عصمة الإمام ، لأن خلوة من العصمة مناف لكونه حافظا لما ثبت أنه لا حافظ له سواه ، فلا بد من اختصاصه بها ، لاختصاصه بما لا يثبت إلا بثبوتها ، ولا يتم إلا بوجوبها له ، وكان المحوج إليه جواز الخطأ على غيره[٢]فلو لا
[١]في « ج » : لأن المقول فيهما.
[٢]هكذا في « أ » : وفي غيرها : ولأن المحوج إليه جاز الخطأ على غيره.
عصمته لكان ما أحوج إليه حاصلا فيه ، فلا مزية له مع ذلك على غيره. بل يكون حكمه في الاحتجاج حكم الغير ، فإن تسلسل إلى غير نهاية كان محالا ، وإن انتهى إلى معصوم مميز بذلك كان هو المراد ، ولأنه لو جاز عليه ما ينافي العصمة ، لحق بكل من جاز عليه الخطأ في دخوله تحت الذم والحد والتعزير وغيره مما يتنزه بعض رعيته عنه ، فكيف يصح وقوع ما يوجب ذلك منه؟
وإذا ثبت عصمته فلا بد من كونه أفضل الرعية باطنا ، أي أكثر هم ثوابا وأعلى منزلة عند الله ، لأنه معصوم مستحق من المدح والتعظيم مطلقهما ، فلو لا تميزه بهذه الفضيلة ، لم يثبت له ذلك ، ولا كان بين المعصوم وغيره ممن ليس كذلك فرق ، ولا بين ثبوتها ونفيها أيضا فرق.
وقد تحقق الفرق بما لا خفاء فيه وظاهرا أي في كل ما هو رئيس فيه ، لأنه متقدم على جميع الأمة ، مفروض الطاعة عليهم. وقبح تقديم المفضول على الفاضل فيما هو أفضل منه فيه معلوم يقتضيه عقل كل عاقل ، لاقتضاء العقول ، وشهادتها أنه لا وجه لقبحه سوى كونه كذلك ، وطاعة من يقبح تقدمه في ما بمثله ثبوت الطاعة قبيحة.
ومن لا تجب طاعته لا تثبت إمامته ، فتقدير كونه مفضولا أو تجويزه ، مناف لكونه إماما ، ولأن ثبوت فضيلته باطنا يقتضي ثبوتها له ظاهرا ، إذ التفرقة بينهما أو إثبات إحداهما دون الأخرى لا وجه له.
وأعلم بالتدبير والسياسة ، لتولية ذلك ولزوم كون المتولي عالما بما تولاه ، وإلا لم تثبت ولايته. وبجميع أحكام الشريعة ، لفتواه وحكمه بها ، والحاكم المفتي إن لم يكن أعلم بالأحكام والفتاوى من المستفتي والمحكوم له أو عليه ، لم يكن
لكونه كذلك وجه ، وكان تقدمه على من هو أعلم منه بالحكم والفتوى قبيحا ، ولا ثبوت لإمامته معه ، فوجب تميزه بما لا يتم كونه إماما إلا به.
وأكرم ، لأنه قائم بضبط الحقوق المالية ، ووضعها في مواضعها.
وأشجع ، وإن كان إليه جوار[١]، لأنه فتية[٢]فيه ويختص بتدبيره وتوليه.
وأزهد وأعبد ، لأنه قدوة فيهما والداعي إليهما.
وبثبوت عصمته ثبوت هذه الصفات له ، إذ هي أصل صفات الكمال والكاشف عنها لتعيينه وتمييز شخصه[٣]أما المعجز المطابق لادعائه أو نص صادق يخصه ، لأن اختصاصه بها مما لا يشاهد ، بل مما لا يحيط به علما إلا علام الغيوب سبحانه ، لكونه أمرا باطنا لا سبيل إلى العلم به والقطع عليه إلا بما يكشف عنه ، وليس إلا ما أشرنا إليه ، فلو لم يكن منصوصا عليه بالإمامة أو مختصا بمعجز يصدق ادعاه بها تعذر تعيينه ، ولم يكن لأحد ممن كلف ذلك طريق إليه ، وما تكليف ما لا طريق إلى العلم به في القبح بل في التعذر إلا كتكليف ما لا قدرة عليه.
وكلما لا تتم إزاحة علة المكلف في تكليفه إلا به ، فهو واجب لوجوب إزاحتها. وقد بطل بثبوت كون النص أو المعجز طريقي تعيين الإمام ما يدعى من الاختيار. ويبطله زائدا أنه لو ساغ في الإمامة لساغ في النبوة وفي الأمور الدينية ، ولأنه إن خص قوما دون قوم فلا وجه له لكونه تخصيصا لا بمخصص وترجيحا لا بمرجح ، وإن عم جميع الأمة أو سائر علمائها وأهل الرأي والمشورة منها ، فلا خفاء في تعذره واستحالته ، ولو كان ممكنا لم يثبت ، ولا اتفق لأحد ممن ادعيت
[١]ـ كذا في النسخ التي بأيدينا.
[٢]ـ كذا في النسخ التي بأيدينا.
[٣]في « أ » : وتميز شخصه.
إمامته ، ثم هو مناف لما له وجبت الإمامة ، لأنه يقتضي من اختلاف الآراء وتشتت الأهواء ما أيسره منع المستحق وإعطاء من لا يستحق ، وجواز نصب أئمة شتى في وقت واحد ، فأما أن تفوت جملة المصالح المناطة بالإمام أو أكثرها ، وأما أن تعم بفواتها كل المفاسد أو معظمها ، وذلك ينافي ما قلناه ، وما يدعى أيضا من الميراث بمثل ما أبطلنا به الاختيار ، ولأنه لو تعين للإمامة لتعينت لكل مستحق له ، ويندرج في ذلك النساء والصبيان ، فكان ظاهر البطلان.
وإذا تحققت هذه الخصائص والمزايا للإمام ، وثبت أنه لا يتم ولا يثبت كونه إماما على الحقيقة إلا باختصاصه وامتيازه بها ، فلا شبهة في انتفائها عمن ادعيت إمامتها[١]بطريقي الاختيار والميراث لما بين هذين الطريقين وبين ما قدمناه من التفاوت والتنافي المقطوع بهما على بطلان كل واحد منهما ، لمنافاته مدلول الأدلة.
وحينئذ يجب أن يكون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـعليهالسلامـ إماما بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمبلا فصل لاختصاصه بذلك وامتيازه به ، فإنه إذا تعين قطعا تعدى من سواه ممن ادعت إمامته عنها وخلوة منها ، وكان سقوط إمامته بذلك ظاهرا ، ثبت كونه ـعليهالسلامـ مختصا بها ، لادعائه الإمامة ، أو ادعائها له ، وتحققت بذلك إمامته ، وإلا خرج الحق عن أمة الإسلام[٢]، أو صح خلو زمان التكليف من الإمام ، أو صحت إمامة العاري من الصفات المعتبرة ، وفي العلم بفساد ذلك ، بل باستحالته دلالة على ثبوت إمامته ، ولأنه ـعليهالسلامـ مختص بالنصوص القرآنية ، وهي آيات كثيرة ، يكفي في الاستدلال.
[١]في « ج » : إمامتهما.
[٢]في « أ » : عن أمة الإمامة.
منها : آية مدحه لما تصدق بخاتمه في حال ركوعه ، قوله تعالى(إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ)[١].
فأثبت له سبحانه الولاية التي مراده بها فرض الطاعة ما أثبته لنفسه ولرسوله ، مؤكدا ذلك بلفظة(إِنَّما)الدالة على تحقيق ما تضمنته وتأكيده ونفي ما لم تتضمنه.
فكان اختصاص هذه ولاية به ، كاختصاصها بهما بثبوت هذا التأكيد ، وباقتضاء وأو العطف إلحاق المعطوف به بالمعطوف عليه.
وبأنها لو كانت عامة لم يكن لهذا التأكيد وجه ، ولا كان بين من له الولاية ومن هي عليه فرق ، ولا كان لما أثبته تعالى له ولرسوله من الاختصاص بها وجه ، مع أن المذكور فيها من إيتاء الزكاة في حال الركوع لم يثبت إلا له ولم يكن إلا منه ، وعليه إجماع المحققين من المفسرين[٢]وبالنصوص النبوية.
منها : الجلية التي لا تحتمل التأويل :لدلالتها بظاهر لفظها على المعنى المراد بها ، وهي كثيرة مع اختلاف ألفاظها واتفاق معانيها كأمره :
أن يسلموا عليه ـ صلوات الله عليه ـ بإمرة المؤمنين[٣]، وتصريحه بأنه بعده
[١]المائدة ٥ ـ ٥٥.
[٢]قال الفيض الكاشاني ـ قده ـ في الصافي عند تفسير الآية ما نصه : والأخبار مما روته العامة والخاصة في أن هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين ـعليهالسلامـ كثيرة جدا ، ونقل في المجمع عن جمهور المفسرين أنها نزلت في أمير المؤمنين ـعليهالسلامـ حين تصدق بخاتمه في ركوعه.
وقال السيد شرف الدين الأسترآبادي : اتفقت روايات العامة والخاصة على أن المعني بـ(الَّذِينَ آمَنُوا): أنه أمير المؤمنين ـعليهالسلامـ لأنه لم يتصدق أحد وهو راكع غيره. أنظر « تأويل الآيات الظاهرة في العترة الطاهرة » : ١ ـ ١٥١.
[٣]بحار الأنوار ٣٧ ـ ٢٩٠. وإحقاق الحق ٤ ـ ٢٧٦ ـ ٢٧٧. و ١٥ ـ ٢٢٣.
الإمام والخليفة والوصي[١].
وهذا الضرب من النص وإن لم يظهر بين مخالفي الشيعة ، كظهور غيره من النصوص فلأغراض أوجبت إعراضهم عن التواتر بنقله. ودعتهم إلى كتمانه ، فلذلك جاء[٢]في نقلهم آحادا وفي نقل الشيعة متواترا ، لأنهم مع اختلافهم وتباين آرائهم ، وبلوغهم في الكثرة حدا يستحيل معه حصول التواطؤ وما يجري مجراه ، وتساوي طبقاتهم في ذلك ، وكون المنقول مدركا في الأصل لا شبهة في مثله[٣]قد أطبقوا على نقله وقد بنوا بروايته خلفا عن سلف ، فهو بينهم شائع ذائع لا يرتاب فيه منهم بعيد ولا قريب ، ولا يزال إجماعهم منعقدا عليه من لدن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمإلى الآن بل إلى انقضاء التكليف ، فلو لا أنه حق وأنهم صادقون في روايته ونقله لم يكن لشيء من ذلك وجه ، وفيه المراد.
ومنها : الخفية المحتملة للتأويل[٤]:
أولها : نص يوم الغدير :قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم: « من كنت مولاه فعلي مولاه »[٥]. ولا ريب عند محصل أنه قدم مقدمة تفيد نفاذ الأمر وإيجاب الطاعة ، وصرح فيها بذكر « الأولى » بذلك ، ثم عطف عليها بهذا اللفظ الذي هو في معناها ، فكان مراده بالجملتين واحدا ، إذ المولى بمعنى الأولى ، ولو أراد به غيره لم يكن كلامه مقيدا ، فإن جميع ما تحتمله لفظة « مولى » من الأقسام المعروفة في اللغة لا تصح أن تكون
[١]أنظر الغدير ١ ـ ٢١٥ ، وبحار الأنوار ٣٧ ـ ١٠٩.
[٢]في « ج » : فلذلك جاز.
[٣]في « ج » : لا لشبهة في مثله.
[٤]في « ا » : المحتملة التأويل.
[٥]بحار الأنوار ٣٧ ـ ١٠٨ ـ ٢٥٣. والغدير ١ ـ ٢١٤. وفرائد السمطين ١ ـ ٦٤. ونهج الحق ص ١٧٣.