بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 104

الترتب هو في الاصطلاح اجتماع حكمين فعليين في موضوع واحد أو موضوعين في وقت واحد بحيث لا يقدر المكلف على امتثالهما معا مع كون أحدا الحكمين مطلقا والآخر مشروطا بعصيان الامر المطلق أو ببناء العبد على عصيانه.
ويتصور الترتب في غالب أمثلة تزاحم الحكمين كما سيجئ ونذكر بعضها توضيحا لمعنى الترتب وتبيينا للقيود المأخوذة في تعريفه فنقول:
الأول: تصويره بين حكمي الضدين الواجبين أحدهما أهم والاخر مهم كما في مثال الغريقين أحدهما ابن للمولى والآخر اخ له مع عدم قدرة عبده على انقاذهما معا، فيقول المولى بنحو الاطلاق يجب عليك انقاذ الولد ثم يقول لو عصيت امرى أو بنيت على عصيانه وجب عليك انقاذ الأخ، فقبل بناء العبد على عصيان الأهم ليس هنا الا حكم واحد فعلى متعلق بانقاذ الولد، فإذا بنى العبد على عصيانه وحصل شرط الامر الثاني اجتمع هنا حكمان فعليان في موضوعين متضادين أحدهما انقاذ الولد والآخر انقاذ الأخ مع عدم قدرة العبد على كلا الانقاذين وامتثال كلا الامرين.
فالقائل ببطلان الترتب يقول إن توجيه الامرين إلى المكلف على هذا النحو يساوق توجيههما إليه مع كون الامرين مطلقين، في لزوم طلب الضدين والتكليف بما


صفحه 105

لا يطاق القبيح على الحكيم.
والقائل بصحته يجوز ذلك بدعوى حكم العقل والوجدان بعدم قبح توجيه الحكمين على هذا المنوال مع أن للمكلف مندوحة على المخالفة والعصيان، إذ له امتثال الامر الأهم وعدم البناء على عصيانه لئلا يتوجه إليه امر آخر وعقاب على مخالفته.
ومن هذا القبيل الامر المطلق بإزالة النجاسة عن المسجد والامر المشروط بالصلاة المضادة لها، فيأمر الشارع بكلا الفعلين مع جعله الامر الثاني مشروطا بعصيان الامر الأول، والترتب هنا بين حكمين وجوبين في موضوعين متضادين.
والثمرة بين القول بالترتب وعدمه تظهر في صورة امتثال امر المهم وترك الأهم وصورة ترك امتثالهما معا كما إذا فرضنا انه في المثال السابق أنقذ الأخ وترك انقاذ الولد أو ترك الفعلين معا فعلى القول ببطلان الترتب كان الثابت عقابا واحدا على التقديرين إذ ليس هنا الا وجوب واحد خالفه المكلف; وعلى الصحة يستحق في الفرض الأول ثواب انقاذ الأخ وعقاب ترك الولد وفى المثال الثاني يستحق عقابين لمخالفة التكليفين.
الثاني: تصويره في التزاحم بين حكمي المقدمة فيما إذا صار الحرام مقدمة لواجب أهم، كما إذا كان الدخول في دار الغير مقدمة الانقاذ غريق فأوجب المولى الدخول مقدمة للانقاذ ثم قال إن بنيت على عصيان امر الانقاذ حرمت عليك الدخول والتصرف; فإذا بنى العبد على العصيان تحقق امران فعليان وجوب التصرف في ملك الغير مقدميا وحرمة التصرف نفسيا لحصول شرطها وهو البناء على العصيان في موضوع واحد أعني الدخول في ملك الغير أو التصرف في مائه.
والترتب هنا بين حكمين أحدهما ايجاب والاخر تحريم في موضوع واحد.
والثمرة تظهر فيما إذا لم يرد العبد امتثال امر الأهم ومع ذلك دخل الدار فعلى البطلان يستحق عقابا واحدا على ترك ذي المقدمة وعلى الصحة يستحق عقابين لترك الانقاذ والتصرف المحرم بعد إرادة العصيان.
الثالث: تصويره في التزاحم لاجل اختلاف حكمي المتزاحمين كما إذا لزم من اكرام عالم إهانة عام آخر وكان حكم حرمة الإهانة أقوى من وجوب الاكرام، فيقول


صفحه 106

المولى يحرم اكرام زيد لاستلزامه إهانة عمرو فان بنيت على عصياني وأردت إهانة عمرو فيجب عليك اكرام زيد، والترتب هنا بين حكمين تحريمي وايجابي في موضوع واحد هو اكرام زيد وحينئذ لو ترك اكرام زيد لم يتحقق معصية أصلا ولو أراد إهانة عمرو فأكرم زيدا فبناء على بطلان الترتب حيث يكون إهانة عمرو محرمة نفسا واكرام زيد مقدمة لا يستحق الا عقابا واحدا وبناء على الصحة يستحق عقابا لإهانة عمرو وثوابا لاكرام زيد.
الرابع: تصويره في باب اجتماع الامر والنهى كوجوب غسل الثوب وحرمة التصرف في ماء الغير بان يقول المولى حرمت عليك الغصب والغسل ولو بنيت على العصيان والتصرف فأوجبت عليك الغسل والترتب هنا بين الوجوب والحرمة في موضوع واحد; والثمرة تظهر فيما لو بنى على العصيان فتصرف بغسل الثوب فعلى البطلان لا يترتب الاعقاب واحد وعلى الصحة يترتب عقاب على التصرف وثواب على الغسل.
تنبيهان:
الأول: إذا جعل عصيان الامر المتعلق بانقاذ الولد مثلا شرطا في فعلية الامر المتعلق بانقاذ الأخ، فتارة يفرض ان نفس العصيان شرط وأخرى يفرض ان الشرط هو بناء العبد على تركه.
لا يقال إذا كان نفس العصيان شرطا فلا يحصل الشرط الا بعد انقضاء زمان انقاذ الولد وموته; إذ لا يحصل العصيان الا بمضي الوقت وفى هذا الحال يفوت وقت انقاذ الأخ أيضا فيلزم أن يكون فعلية امر المهم بعد انعدام موضوعه.
لأنا نقول إن المراد من شرطية العصيان كونه شرطا متأخرا كشرطية الغسل الليلي لصوم المرأة المستحاضة لا شرطا متقدما أو مقارنا.
الثاني: بناء على صحة الترتب لا يختص ذلك بحكمين بل يلاحظ في الاحكام الكثيرة في وقت واحد، فيقول المولى أنقذ ولدى والا فأخي والا فعمي والا ففرسي


صفحه 107

والا فصل ركعتين والا فاغسل ثوبك مثلا فإذا اشتغل المكلف بالأهم الأول لم يتحقق شرائط الأوامر الباقية ولا يكون محذور في فوتها; وان ترك الجميع استحق العقاب على جميعها; وان فعل البعض فإن كان الفعل المتوسط استحق العقاب على السابق دون اللاحق وهكذا.



صفحه 108

التزاحم ومرجحاته هو تمانع الحكمين المجعولين في مقام الامتثال مع وجود ملاكهما وعدم المانع عن فعليتهما غالبا الا عجز المأمور عن امتثالهما.
وعليه فالتزاحم وصف للحكم والمتزاحمان هما الحكمان، وعلى هذا فلو تمانعا في مقام الجعل بان لم يمكن للمولى الا جعل أحدهما فلا يطلق عليهما المتزاحمان والتزاحم على أقسام خمسة يتضح معناه وأمثلته في ضمن تلك الأقسام.
القسم الأول: التزاحم لاجل اتحاد متعلق الحكمين اتفاقا كباب اجتماع الامر والنهى فإذا ورد الامر بغسل الثوب والنهى عن الغصب وكان ههنا ماء مغصوب، فالوجوب يقتضى وجود الغسل والحرمة تدعوا إلى عدمه فهما يتمانعان من حيث إن كلا منهما يقتضى صرف قدرة المكلف إلى متعلقه ويمنعه من الاتيان بالاخر مع وجود ملاك كلا الحكمين أعني مصلحة الغسل ومفسدة الغصب.
القسم الثاني: التزاحم بين الضدين الواجبين أو المستحبين كالمؤمنين الغريقين مع عدم قدرة المكلف على انقاذ كليهما.
القسم الثالث: التزاحم بين المقدمة وذي المقدمة فيما إذا صار الحرام مقدمه لواجب أو صار الواجب مستلزما لحرام، فإذا توقف انقاذ غريق على التصرف في ملك الغير


صفحه 109

فهنا حكمان وجوب الانقاذ وحرمة الغصب فالحرام وقع مقدمة للواجب ووجود التمانع والملاكين معلومان، وكذا لو استلزم الوضوء في محل تخريب ملك الغير والواجب هنا مستلزم للحرام.
القسم الرابع: التزاحم لاجل اختلاف حكم المتلازمين; كما إذا لزم من اكرام عالم إهانة عالم آخر فيقع التزاحم بين الوجوب والحرمة ويدور الامر بين مراعاة جانب الوجوب وان حصل منها مخالفة للحرام ومراعاة جانب الحرمة وان استلزمت طرح الواجب.
القسم الخامس: التزاحم لاجل اتحاد حكم الشئ وحكم عدمه كما إذا كان الصوم يوم العاشور مستحبا لوجود مصلحة في فعله وعدمه أيضا مطلوبا لمصلحة في تركه فيكون المورد من قبيل التزاحم بين المتناقضين.
ثم إنه إذا تحقق في مورد قسم من الأقسام فلا اشكال في حكم العقل بالتخيير إذا لم يكن ترجيح لاحد الطرفين وبالترجيح إذا كان مرجح في البين.
مرجحات باب التزاحم والكلام في بيان مرجحات أحد الحكمين وهي على أقسام:
الأول: كون أحدهما مقطوع الأهمية أو محتملها كما إذا كان أحد الغريقين مؤمنا صالحا والاخر فاسقا طالحا قطعا أو احتمالا فيقدم الأول على الثاني.
الثاني: ان يؤخذ القدرة الشرعية في موضوع أحد المتزاحمين دون الاخر، مثلا إذا قال المولى أد دينك وقال أيضا حج إذا لم يكن عليك دين ودار امر المكلف المديون بين أداء الدين الواجب والسفر للحج فلا اشكال حينئذ في تقديم الدين على الحج كذا قيل.
الثالث: أن يكون لأحدهما بدل اختياري دون الاخر كتزاحم الواجب الموسع مع المضيق، كالصلاة في أول الوقت مع إزالة الخبث عن المسجد، فان لفرد الصلاة المزاحم مع الإزالة بدلا اختياريا هو اتيانها بعد إزالة النجاسة فيقدم الإزالة عليها.
الرابع: أن يكون لأحدهما بدل اضطراري، كما إذا كان الشخص محدثا وكان


صفحه 110

بدنه أو ثوبه نجسا وله من الماء مقدار لا يكفى للطهارة الحدثية والخبثية كلتيهما فيقدم الثانية فان للأولى بدلا اضطراريا هو التيمم.
الخامس: أن يكون وجوب أحدهما عينيا والاخر كفائيا بالذات، كتزاحم الصلاة اليومية في آخر وقتها مع تجهيز الميت بحيث لو صلى اليومية فات التجهيز فيقدم العيني.
السادس: أن يكون ظرف امتثال أحدهما وزمان اتيانه مقدما على الاخر كما إذا دار امر المريض بين القيام في الركعة الأولى والقيام في الثانية فيقدم الأول لان تقدم زمانه مرجح.
ثم إنه ظهر لك ان مسألة الترتب ومسألة الاجتماع فرعان من فروع التزاحم.



صفحه 111

التعادل والترجيح إذا تعارض دليلان فاما ان يكونا متساويين في الأوصاف التي توجب الرجحان من عدالة الراوي وشهرة الرواية وموافقة الكتاب ومخالفة العامة ونحوها، واما ان يكونا متفاضلين فيها فيكون مثلا راوي أحدهما أعدل من راوي الاخر أو أكثر منه أو يكون أحدهما موافقا لظاهر الكتاب أو مخالفا لفتوى العامة دون الاخر.
فعلى الأول: يطلق على وصف تساويهما اسم التعادل وعلى الدليلين المتصفين به المتعادلان، ووجه التسمية ان كل دليل عدل للاخر أي مثل له في المزايا والصفات.
وعلى الثاني: يطلق على صفة تفاضلهما اسم الترجيح بمعنى الترجح وقد يطلق التراجيح أيضا باعتبار مصاديق الترجيح، وعلى الدليل ذي المزية اسم الراجح وعلى مقابله اسم المرجوح.
ثم إن الأمور الموجبة لترجيح أحد الدليلين على الاخر كثيرة مذكورة تحت عنوان المرجح - فراجع -.