التكليفية معلولة للملاكات الموجودة في متعلقاتها واما بناءا على أن انشائها وجعلها لملاك في نفس الجعل كما ذهب إليه البعض فاللازم ملاحظة تلك الصور العشر في نفس الجعل.
بقي هنا شئ وهو ان الإباحة كما تكون لعدم المصلحة والمفسدة في الفعل أو لتساويهما فيه كذلك قد تكون مع المصلحة الملزمة أو المفسدة الملزمة ولكن مع وجود مانع عن الالزام بالفعل أو الترك أو وجود المقتضى للترخيص والإباحة اللااقتضائية وعلى القسم الثاني الإباحة الاقتضائية.
والثاني: أي الحكم الوضعي كل حكم مجعول منشأ لم يكن بحكم تكليفي كالملكية والزوجية ونحوهما مما يأتي مفصلا وتسميته بالحكم الوضعي لكونه غالبا موضوعا للحكم التكليفي.
تنبيه: في قابلية الحكم الوضعي للجعل وعدمها أقوال:
أحدها: انه قابل للجعل والانشاء استقلالا بجميع أقسامه كالحكم التكليفي.
ثانيها: انه غير قابل له مطلقا بل يكون دائما منتزعا عن الحكم التكليفي الموجود في مورده، فإذا قال الشارع يجوز شرب الماء أو يجب الاجتناب عن البول أو قال إذا أنشأ عقد البيع جاز تصرف البايع في الثمن والمشترى في المبيع أو إذا انشاء عقد النكاح جاز لكل من الطرفين الاستمتاع من الآخر أو إذا اخذت مال الغير بغير رضاه وجب عليك رد عينه أو بدله أو نحو ذلك، انتزع من جواز شرب الماء طهارته ومن وجوب الاجتناب عن البول نجاسته ومن جواز تصرف كل من البايع والمشترى ملكيته لما انتقل إليه ومن جواز استمتاع طرفي النكاح الزوجية ومن وجوب الرد الضمان.
ثالثها: التفصيل بين مصاديقه وان بعضها قابل للجعل بالاستقلال وبعضها قابل للانتزاع عن التكليف وبعضها لا يقبل هذا ولا ذاك فلا يمكن جعله استقلالا كما لا
يمكن انتزاعه عن الحكم التكليفي.
فالأول: أي ما يمكن جعله استقلالا وايجاده باللفظ أصالة، كالملكية والزوجية والحجية والقضاوة والنيابة والحرية والرقية ونحوها، فالشارع بقوله من حاز شيئا من المباحات أو استرق أحدا من الكفار فهو له; انشاء وجعل ملكية المال والشخص الأسير للآخذ وبقوله صدق العادل جعل الحجية لقوله، وبقوله جعلته حاكما جعل القضاوة للفقيه.
والثاني: كجزئية شئ للمأمور به وشرطيته فينتزع من تعلق الحكم التكليفي بصلاة ذات اجزاء وقيود الجزئية لكل واحد من اجزائها والشرطية لكل واحد من قيودها.
والثالث: كسببية مصالح الصلاة مثلا للامر بها وايجابها فان ذلك امر تكويني مقدم على الوجوب فلا يعقل جعله تشريعا فضلا عن أن ينتزع من التكليف المتأخر عنه رتبة.
ثم إن الحكم الوضعي ليس محصورا في ثلاثة أو خمسة أو تسعة كما توهم، بل كلما كان من الأمور الاعتبارية القابلة للجعل والاعتبار أطلق عليه اسم الحكم وكان غير التكليف فهو حكم وضعي كالصحة والبطلان والعلية كعلية الملاقاة للنجاسة، والعلامية كالسن والاحتلام ونبات الشعر بالنسبة إلى البلوغ، والتقديرات كالكرية والمسافة، والحجج كحجية خبر العدل والثقة، والبدلية كبدلية التيمم عن الوضوء والتراب عن الماء، والتقبل كقبول العمل الناقص عوضا عن التام، والضمان أعني كون الشئ على عهدة الشخص، والجنابة والحرية والرقية والوكالة والشرطية والسببية والمانعية والقاطعية ونحوها.
الثاني: تقسيمه إلى الاقتضائي والانشائي والفعلي والمنجز.
ولا يخفى عليك ان هذه الأقسام من مصطلحات بعض المتأخرين (قده) والأكثرون منهم لا يقولون الا بالانشائي والفعلي واما بيان تلك المراتب الأربع:
فالأولى: مرتبة الاقتضاء وكون الحكم في تلك الرتبة معناه وجود المقتضى للجعل وكونه حسنا وذا مصلحة مع حصول مانع منه أو فقد شرط، واطلاق الحكم على هذه
المرتبة مع أن الموجود سببه ومقتضيه دون نفسه اطلاق مسامحي بلحاظ ان للمعلول والمقتضى نحو وجود في ضمن علته ومقتضيه، فالمصلحة في البعث والزجر مثلا كأنها وجود لنفس تلك الأحكام كما لو ادعى فيما إذا وجد المادة التي تنقدح منها النار ان النار موجودة.
وقيل إنه من هذا القبيل الأحكام الشرعية قبل بعثة النبي صلى الله عليه وآله والحكم في هذه المرتبة يسمى حكما اقتضائيا شأنيا.
الثانية: مرتبة الانشاء وهي فيما إذا تحقق انشاء الحكم من الامر لوجود مقتضيه وفقد مانعه الا انه ليس له إرادة جدية بالنسبة إلى الفعل ولم يقصد إلزام المأمور لوجود مانع عن الالزام فيطلق على الحكم في هذه المرتبة الحكم الانشائي; وكانت عدة من الاحكام في صدر الاسلام من هذا القبيل فكانت الواجبات عندئذ بحكم المستحبات والمحرمات بحكم المكروهات لا تستلزم مخالفتها العقوبة.
ومنه أيضا الأوامر الامتحانية والاعتذارية. والأحكام الواقعية التي قامت الامارة على خلافها بناء على السببية أو جرت الأصول العملية في مواردها.
ومنه أيضا الحكم المستفاد من العموم بالنسبة إلى الافراد الخارجة بالتخصيص قبل انكشاف وجود المخصص. ولا يخفى عليك ان اطلاق الحكم على الانشائي أيضا اطلاق مسامحي فان الانشاء بلا إرادة جدية التي هي روح الحكم كالجسد بلا روح والحكم (ح) كصورة بلا حياة.
الثالثة: مرتبة الفعلية بان أنشأه الآمر وحصلت الإرادة الجدية في نفسه وقصد الالزام وتسجيل الامر على المأمور ويسمى هذه المرتبة بالفعلية والحكم فيها حكم فعلي وهو الذي ينبغي اطلاق الحكم عليه حقيقة لكنه حينئذ فعلى فقط بلا حصول تنجز ولا ترتب عقاب على تركه ما دام لم يلتفت إليه المكلف ولم تقم امارة على خلافه.
الرابعة: مرتبة التنجز بان يعلم المكلف بالحكم الفعلي أو يقوم عنده الامارة عليه فيبلغ (ح) مرتبة التنجز ويسمى حكما منجزا ويترتب على تركه العقوبة.
هذا وقد أشرنا إلى أن الأكثر قسموه إلى قسمين وذهبوا إلى أنه قبل الانشاء
لا حكم هنا أصلا فإذا أنشأ باللفظ حصل الحكم الانشائي والشأني، وحينئذ فان لم يكن على طبقه إرادة جدية فهو انشائي وشأني وان حصلت الإرادة وقصد الالزام به فهو فعلى ومنجز.
الثالث: تقسيمه إلى الواقعي الأولى والواقعي الثانوي والظاهري.
فالأول: هو الحكم المجعول على الأفعال والذوات بعناوينها الأولية الخالية عن قيد طرو العنوان الثانوي، وقيد الشك في حكمه الواقعي، كالوجوب المرتب على صلاة الصبح والحرمة المرتبة على شرب الخمر والطهارة والنجاسة المرتبتين على الماء والبول، فيطلق عليها الأحكام الواقعية وعلى متعلقاتها الموضوعات الواقعية.
والثاني: هو الحكم المرتب على الموضوع المتصف بوصوف الاضطرار والاكراه ونحوهما من العناوين الثانوية غير عنوان مشكوك الحكم، فإذا كان صوم شهر رمضان ضرريا أو حرجيا على أحدا وكره على الافطار كان جواز الافطار أو حرمة الامساك حكما واقعيا ثانويا والموضوع المعنون بتلك العناوين موضوعا ثانويا، وكذا إذا امر الوالد ولده بصوم أول شهر رجب مثلا أو نذره الشخص أو شرطه في ضمن عقد لازم أو صار مقدمة لواجب يقال ان هذا الصوم بما هو صوم شهر رجب وبعنوانه الأولى مستحب وبعنوانه الثانوي واجب فاستحبابه حكم واقعي أولى ووجوبه واقعي ثانوي.
وتسميته ثانويا لأنه في طول الواقع وموضوعه عنوان ثانوي عارض على العنوان الأولى الأصلي.
والثالث: هو الحكم المجعول عند الجهل بالواقع والشك فيه كالحكم المستفاد من أدلة اعتبار الامارات وأدلة الأصول العملية، فإذا أخبر العادل بوجوب صلاة الجمعة أو حرمة العصير وحكم الشارع بتصديقه فان قلنا فيه بالسببية وان مرجع وجوب التصديق إلى جعل الوجوب التكليفي للصلاة والحرمة التكليفية للعصير كان المجعول حكما تكليفيا ظاهريا لكونه مجعولا لدى الجهل بالواقع.
وان قلنا فيه بالطريقية وان مفاد دليل الاعتبار جعل الحجية أو الطريقية لقول العادل كان ذلك حكما وضعيا ظاهريا.
وإذا شككنا في حكم صلاة الجمعة وكانت الحالة السابقة هي الوجوب فالحكم
بالوجوب لاجل الاستصحاب حكم ظاهري موضوعه الشك في الحكم الواقعي، وكذا الحكم بالإباحة عند الشك في الحلية والحرمة بدوا والحكم بالتخيير في مورد دوران الامر بين المحذورين والحكم بالاحتياط في مورد العلم الاجمالي; ثم إن الفرق بين الحكم الأماري والأصلي مضى تحت عنوان الامارة.
الرابع: تقسيمه إلى المولوي والارشادي وقد مضى تحت عنوان الامر.
الحكومة يظهر عن عبائرهم ان الحكومة عبارة عن كون دليل ناظرا إلى حال دليل آخر وشارحا ومفسرا لمضمونه سواء كان ناظرا إلى موضوعه أم إلى محموله وسواء كان النظر بنحو التوسعة أم التضييق وسواء كان دلالة الناظر بنحو المطابقة أم الالتزام وسواء كان متقدما أم متأخرا، فيسمى الدليل الناظر حاكما والمنظور إليه محكوما.
فإذا ورد قوله أكرم العلماء وورد قوله ان الفاسق ليس بعالم كان الثاني ناظرا ومفسرا للأول وحاكما عليه إذ من المعلوم ان نفى الشارع عالمية الفاسق ليس على نحو الحقيقة بل يرجع ذلك إلى نفى وجوب الاكرام فهذا الدليل ناظر إلى ذلك ومفسر له وهو معنى الحكومة.
ثم إن للحكومة بهذا المعنى مصاديق كثيرة وأمثلة مختلفة لا بأس بالإشارة إلى بعضها لايضاح معنى الحكومة.
منها: أن يكون دليل نافيا لموضوع دليل آخر تعبدا لا حقيقة ووجدانا كالمثال السابق، وكما إذا ورد لاشك للمأموم مع حفظ الامام فإذا شك المأموم بين الثلث والأربع وكان الامام حافظا للثلث متيقنا لها فالدليل الثاني ينفى حكم الشك عن شك المأموم بلسان نفى الموضوع ويبين انه ليس له البناء على الأكثر واتيان صلاة الاحتياط
فيكون حاكما في قوله إذا شككت فابن على الأكثر، وانه لا يشمل شك المأموم مع حفظ الامام، وهذه حكومة بنحو تضييق دائرة الموضوع من المحكوم.
ولعل إلى هذا القسم ينظر كلام الشيخ (قده) في رسائله حيث قال الحكومة هي الناظرية بحيث لولا دليل المحكوم لكان دليل الحاكم لغوا.
ومنها: أن يكون دليلا مثبتا لموضوع دليل آخر تعبدا لا وجدانا، فإذا ورد أكرم العلماء وورد ان الملازم لخدمة العالم عالم فالدليل الثاني يثبت موضوعا للدليل الأول، وحيث إن ذلك ليس بموضوع له وجدانا فيرجع تعميم الموضوع إلى تعميم الحكم وشموله لخادم العالم ومثله قوله " عليه السلام ": " الطواف بالبيت صلاة " بالنسبة إلى الأدلة التي تثبت للصلاة احكاما خاصة وقوله كل مشكوك طاهر بالنسبة إلى قوله: " لا صلاة الا بطهور " وهذا من قبيل النظر إلى الموضوع بنحو التوسعة.
ومنها: حكومة أدلة العناوين الثانوية على أدلة العناوين الأولية، فإذا حكم الشارع بحرمة الخمر ووجوب الغسل والصوم فالحرمة والوجوب متعلقان بفعل المكلف بعنوانه الأولى أعني الشرب والغسل فإذا طرء العسر أو الضرر على ترك الشرب وفعل الصوم فإنه يتعلق بهما بطر وهذا العنوان حكم الجواز بأدلة الحرج والضرر; فالغسل الحرجي والضرري مورد لتعارض الدليلين بدوا فهو بما أنه غسل واجب وبما أنه فعل حرجي أو ضرري ليس بواجب ولكن دليل العنوان الثانوي مقدم.
فان معنى قوله " عليه السلام ": " لا ضرر ولا ضرار ": لا حكم ضرري في الاسلام أولا فعل ضرري، فعلى الأول يكون ناظرا إلى أدلة الأحكام الواقعية وان احكامها لا تشمل الموارد التي تحقق فيها الحرج والضرر وعلى الثاني يكون المعنى لا وضوء ضرري ولا صوم ضرري فيكون نافيا لموضوعها ومضيقا لدائرته، ومن هنا قيل إن تصرف الدليل الحاكم اما في عقد حمل دليل المحكوم أو في عقد وضعه فعلى الاحتمال الأول يكون النظر في هذه القاعدة إلى حكم الأدلة الأولية والتصرف تضييق في محمولها، وعلى الثاني يكون النظر إلى الموضوع والتصرف تضييق في الموضوع.
ومن هذا القبيل أيضا حكومة قوله " عليه السلام " في حديث الرفع: " وما استكرهوا عليه وما اضطروا إليه "، فإذا استكره الانسان على شرب الخمر أو اضطر إليه يكون
الحديث رافعا لموضع دليل حرمة الخمر تعبدا وهو معنى الحكومة.
ومنها: حكومة الامارات على الاستصحاب على مبنى الشيخ (قده); وبيانه ان مفاد دليل اعتبار الامارة جعلها طريقا إلى الواقع فهي علم مجعول لا يعتنى بخلافه فقوله صدق العادل يدل بالمطابقة على لزوم الجرى على وفقه وبالملازمة على عدم الاعتناء باحتمال مخالفته للواقع والغاء ذلك الاحتمال; وحيث إن ذلك الاحتمال هو موضوع حكم الأصل كانت الامارة نافية لحكم الأصل عن موضوعه بلسان نفى موضوعه وهو معنى الحكومة.
فإذا شككنا في حرمة العصير بعد الغليان، فاحتمال الحلية والحرمة في الواقع موضوع للحكم بالحلية الظاهرية وهو حكم الأصل، فإذا أخبر العادل بحرمته فاحتمال الحلية الواقعية وان كان باقيا أيضا إذ الفرض ان الخبر ظني لا يفيد العلم ولكن مفاد دليل الاعتبار ينفى ذلك الاحتمال تعبدا ويحكم بعدم الاعتناء وعدم ترتيب اثره عليه وهو الحلية الظاهرية.
ومنها: حكومة بعض الأصول العملية على بعض كالاستصحاب على البراءة وتقريبه ان موضوع البراءة الشرعية هو الفعل الذي لم يرد فيه نهى بالفعل وحكمه هو الاطلاق والإباحة لقوله " عليه السلام ": " كل شئ لك مطلق حتى يرد فيه نهى "، فالمعنى كلما لم يرد فيه نهى بالفعل فهو حلال، فإذا فرضنا مشكوكا ثبت له نهى في السابق كالعصير الذاهب ثلثاه بالشمس فهو وان كان مشكوكا لم يرد فيه نهى بالفعل وحكمه الحلية الا ان دليل الاستصحاب وقوله من كان على يقين فشك فيه فليبن على يقينه حاكم بلزوم ابقاء النهى السابق وفرض هذا الموضوع مما ورد فيه النهى تعبدا فهو ناظر إلى دليل البراءة.
وبعبارة أخرى دليل البراءة مركب من جملتين مغياة وغاية والأولى كلما لم يرد فيه نهى فهو حلال والثانية كلما ورد فيه نهى فهو ليس بحلال، والعصير المذكور وان كان داخلا تحت الجملة الأولى دون الثانية وجدانا الا ان دليل الاستصحاب يخرجه عن موضوع الأولى ويدرجه في الثانية تعبدا وتنزيلا فهو حاكم على الجملة الأولى بنفي حكمها بلسان نفى الموضوع وعلى الجملة الثانية باثبات حكمها بلسان اثبات الموضوع،