السببية والطريقية هما وصفان عارضان للامارة الحاكية عن الحكم الشرعي أو عن موضوع ذي حكم شرعي.
توضيحه: انه ذهب فريق من الأصوليين إلى أن قيام الامارة على حكم أو موضوع سبب لحدوث حكم تكليفي نفسي ظاهري على طبقها; كانت الامارة مصيبة أو مخطئة، فمعنى جعل الامارة وامضائها من ناحية الشارع جعل حكم ظاهري على وفقها طابق الحكم الواقعي أو خالفه; فإذا أخبر العدل مثلا بوجوب صلاة الجمعة، أو بحرمة العصير تولد من الأول حكم وجوبي متعلق بصلاة الجمعة، ومن الثاني حكم تحريمي متعلق بشرب العصير، فيطلق على هذا النحو من التأثير للامارة السببية والموضوعية.
وذهب آخرون إلى عدم تأثير الامارة في حدوث حكم تكليفي، وليس معنى جعل الامارة الا اعطاء الطريقية لها وجعلها علما تعبد يا تنزيليا ليترتب عليها آثار العلم من تنجيز الواقع في صورة الإصابة والعذر عن مخالفتها في صورة الخطاء فالمجعول فيها حكم وضعي لا تكليفي فكما أن القطع الوجداني بالوجوب أو الحرمة لا اثر له الا التنجيز والعذرية فكذلك الامارة ويطلق على هذه الصفة للامارة الطريقية.
تنبيهات:
الأول: يفرق بين السببية والطريقية في الامارة بأمور:
أحدها: وجود مصلحة في تبعية الامارة وترتيب الأثر عليها على الأول وهذه المصلحة هي التي أوجبت جعل الحكم النفسي على وفقها، بخلاف الثاني فإنه لا مصلحة في سلوكها غير ادراك الواقع لو اتفق.
ثانيها: جعل الحكم التكليفي النفسي على طبقها بناء على الأول وجعل الحكم الوضعي على الثاني.
ثالثها: سقوط الحكم الواقعي عن الفعلية في صورة إصابة الامارة وخطائها على الأول. إذ يستلزم بقائه على الفعلية مع فرض كون الحكم الظاهري فعليا أيضا اجتماع المثلين أو الضدين; وهذا بخلاف الثاني فإنه عليه يتنجز الواقع لدى الإصابة ويسقط عن الفعلية لدى المخالفة.
رابعها: كون مخالفة الامارة أصابت أم أخطأت; عصيانا للشارع ناشئا من جهة مخالفة الحكم الظاهري بلا محذور من ناحية الواقع على الأول وكونها عصيانا من جهة مخالفة الواقع في صورة الإصابة وكونها تجريا في صورة الخطاء على الثاني.
خامسها: حصول الاجزاء في بعض الموارد على الأول دون الثاني; فإذا أخبر العدل بعدم جزئية السورة للصلاة أو عدم مانعية لبس الحرير فيها ثم انكشف الخلاف بعد العمل صحت على الأول وبطلت على الثاني.
الثاني: ظاهر الأدلة الدالة على حجية الامارات من السيرة العقلائية والاخبار الواردة هي الطريقية لا السببية، فان العقلاء لا يعملون باخبار الثقة عندهم أو بظاهر الكلام مثلا الا لتوقع الوصول إلى الواقع المحكى بهما فلا مصلحة عندهم في تبعيتها الا النيل إلى الواقع ولا مفسدة لديهم في مخالفتها الا فوت الواقع من دون نفسية في سلوكها ومصلحة تعبدية في موافقتها.
كما أن العرف أيضا لا يفهمون من ظواهر الأدلة الشرعية المثبتة لحجيتها والباعثة على العمل على طبقها الا امضاء عمل العقلاء وتثبيت ما هم عليه وهذا هو الطريقية.
الثالث: قد يتوهم ان القول بالسببية هو القول بالتصويب المجمع على بطلانه عند الإمامية ولكنه توهم فاسد فانا قد ذكرنا تحت عنوان التخطئة والتصويب ان للتصويب أقساما ثلثة; وان القسمين الأولين داخلان في التصويب الباطل والقسم الثالث الذي يساوق السببية فيما نحن فيه اما ليس بتصويب أو ليس بباطل فراجع.
السنة والحديث والحديث القدسي اما السنة: فهي في الاصطلاح عبارة عن قول المعصوم أو فعله أو تقريره.
واما الحديث: فقد يطلق على كلام غير المعصوم الحاكي عن السنة الصادرة عن المعصوم كما أنه قد يطلق على الأعم من الحاكي والمحكى ويرادفه الخبر.
واما الحديث القدسي: فهو كلام الله تعالى غير المنزل على سبيل التحدي والتعجيز سواء نقله المعصوم عن الله بواسطة الملك أم نقله من الكتب السماوية الماضية.
تنبيهات:
الأول: قد أشرنا إلى أن السنة قول أو فعل أو تقرير، والأول واضح من حيث الموضوع ومن حيث الحجية كما سيجئ.
واما الفعل: فهو حجة في الجملة ومثبت للحكم في بعض الموارد.
اما في الأفعال الضرورية ولوازم الحياة كالأكل والشرب ونحوهما، فلا حاجة في اثبات جوازها إلى فعل المعصوم لثبوته بالعقل والضرورة من الشرع.
واما في غيرها، فترك المعصوم فعلا من الأفعال يدل على عدم وجوبه كما أن فعله
شيئا منها يدل على عدم حرمته، إذا لم يكن هناك خوف وتقية.
واما اثبات رجحان عمل بالفعل أو اثبات كراهته بالترك سواء أكان مواظبا عليهما أم لا; فلا اشكال فيه إذا علم بالصدور بقصد القربة; فعند ذلك يثبت أصل الرجحان دون الوجوب، وإن لم يعلم وجه العمل واحتمل كونه عبادة أو مباحا يفعله باقتضاء طبعه كما إذا كان يجلس بعد السجدتين وقبل القيام، فالظاهر عدم ثبوت الرجحان بذلك.
واما التقرير: فهو ان يطلع المعصوم على معتقد شخص أو جماعة أو على صدور فعل كذلك; أو على جريان سيرتهم على عمل فلم ينكره عليهم ولم يردعهم عنه مع عدم خوف وتقية; (فح) يكون ذلك تقريرا لما صدر عنهم وحجة على صحة تلك العقيدة، وإباحة تلك الأعمال والعادات.
الثاني: قسموا الخبر إلى أقسام كثيرة نذكر هنا نبذا من ذلك.
فمنها: خبر الواحد.
ومنها: المستفيض وهو ما كان مخبره أكثر من واحد ولم يصل إلى حد التواتر.
ومنها: المتواتر وهو الذي بلغ رواته في كل طبقه حدا يمتنع عادة تباينهم على الكذب، وينقسم إلى أقسام ثلثة:
الأول: المتواتر اللفظي وهو اتفاق الرواة على نقل لفظ معين كما ادعى ذلك في قوله " عليه السلام ": " انما الاعمال بالنيات ".
وقوله " صلى الله عليه وآله ": " انى تارك فيكم الثقلين "، وقوله " صلى الله عليه وآله وسلم ": " من كنت مولاه فعلى مولاه ".
الثاني: المتواتر المعنوي وهو اخبارهم بألفاظ مختلفة تشترك الجميع في اثبات معنى واحد كان ذاك المعنى مدلولا مطابقيا لها أو التزاميا أو بالاختلاف كما إذا روى أحدهم ان الهر طاهر والاخر ان السنور نظيف وهكذا وكما إذا ورد ان الماء القليل ينجس بالملاقاة وورد ان الا نقص من الكر ينفعل وورد ان الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شئ ومثل الاخبار الحاكية عن غزوات مختلفة تشترك في الدلالة على شجاعة علي " عليه السلام ".
الثالث: المتواتر الاجمالي وهو اخبار الناقلين بألفاظ مختلفة متفاوتة في سعة الدلالة وضيقها مع حصول العلم الاجمالي بصدور بعض تلك الألفاظ كما إذا روى البعض ان خبر المؤمن حجة وروى الاخر ان خبر الثقة حجة وروى الثالث ان خبر العدل حجة والحكم (ح) لزوم الاخذ بالخبر الأخص مضمونا.
ومنها: الصحيح وهو ما كان افراد سلسلة سنده كلهم اماميين ممدوحين بالتعديل، وقد يطلق الصحيح منسوبا إلى راو معين فيقال صحيح ابن أبي عمير مثلا فيراد منه كون السند صحيحا إلى ذلك الرجل، وقد يقال روى الشيخ مثلا في الصحيح عن ابن بكير فيراد كون الوسائط المحذوفة بين الشيخ وابن بكير رجالا ثقات حذفوا للاختصار هذا عند المتأخرين واما عند القدماء فالصحيح كل حديث قابل للاعتماد عليه فيعم الحسن والموثق كما سيجئ.
ومنها: الحسن وهو ما كان جميع رواة السند اماميين غير معدلين كلا أو بعضا.
ومنها: الموثق وهو ما كانت السلسلة غير اماميين كلا أو بعضا مع توثيق الجميع ويسمى هذا قويا أيضا.
الثالث: لا اشكال في حجية التواتر من تلك الأقسام واما البواقي ففيها اختلاف بين الاعلام وان كان الامر في بعضها أسهل من بعض.
فاستدل القائلون بالحجية في الصحيح والموثق بأمور:
الأول: قوله تعالى: " فلو لا نفر من كل فرقة منهم " الخ.
حيث أوجب الله الانذار للمتفقه، وطلب من الفرقة الحذر العملي من بعد الانذار ولا يحصل العلم بطبع الحال من إنذار واحد أو اثنين فلو لا الحجية لما صح حذرهم عملا بترتيب احكام الواقع على المنذر به.
الثاني: الروايات المتكثرة الواردة في الأبواب المختلفة فمنها ما ورد في الخبرين المتعارضين فأوجب مولانا الصادق " عليه السلام " في مقبولة ابن حنظلة: " الاخذ بما يقوله الأعدل والا صدق وما هو المشهور " ونحوها، وقال ابن أبي جهم للرضا " عليه السلام ":
" يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين فلا نعلم أيهما الحق، قال " عليه السلام " إذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما اخذت "; فلو لا الحجية لما تعارضا ولما كان الترجيح بينهما
مطلوبا.
ومنها: ما ورد عنهم، في ارجاع بعض أصحابهم إلى الآخرين، كقول الصادق " عليه السلام ": " إذا أردت حديثا فعليك بهذا المجالس - (مشيرا إلى زرارة) - " وقوله " عليه السلام " في حق ابان: " انه قد سمع منى حديثا كثيرا فما روى لك عنى فاروه عنى إلى غير ذلك ".
الثالث: استقرار سيرة العقلاء جميعا على العمل في أمور معاشهم بقول الثقة، مع كون هذه السيرة بمرئى من الشارع فلو لم تكن ماضية عنده لوجب ردعهم عن سلوكها وتعيين طريقة أخرى في اخذ الاحكام ونقلها.
الشبهة البدوية والشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي يطلق العنوان الأول في الغالب على المشتبه الذي لم يقارن علما اجماليا بتكليف.
وتلاحظ هذه الشبهة تارة في الشبهات الوجوبية وأخرى في التحريمية وثالثة في الأقل والأكثر، وعلى أي تقدير قد تكون الشبهة حكمية وقد تكون موضوعية فالأقسام ستة:
الأول: لحاظها في الوجوبية الحكمية كما إذا شككنا في أن الدعاء عند رؤية الهلال واجب أم لا.
الثاني: لحاظها في الوجوبية الموضوعية كما إذا شككنا في أن هذا عالم أم لا بعد العلم بوجوب اكرام كل عالم.
الثالث: لحاظها في التحريمية الحكمية كالشك في حرمة شرب العصير شرعا وعدمها.
الرابع: لحاظها في التحريمية الموضوعية كالشك في أن هذا المايع خمر أم لا.
الخامس: لحاظها في الحكمية في الأقل والأكثر كما إذ شك في أن السورة واجبة في الصلاة أم لا أو شك في أن غير آية السجدة من سور العزايم حرام على الجنب أم لا.
السادس: لحاظها في الموضوعية في الأقل والأكثر كما إذا شك في أن الستر الواجب حال الصلاة حاصل أم لا.