تنبيهات:
الأول: ان الأقوال في الشبهة البدوية مختلفة فالمشهور على اجراء أصالة البراءة فيها مطلقا وذهب عدة إلى البراءة في الوجوبية منها والاحتياط في التحريمية وعدة أخرى إلى البراءة فيها مطلقا نقلا والاحتياط في الموضوعية عقلا وعدة ثالثة إلى الاحتياط في الأقل والأكثر والبراءة في غيرهما إلى غير ذلك وأجملنا الكلام في نقل الأقوال مع عدم استقصائها طلبا للاختصار.
الثاني: كما أن الشبهة البدوية مورد للبرائة على المشهور فكذلك لو كانت مقارنة للعلم الاجمالي غير المؤثر ولها أمثلة كثيرة:
منها: ما لو علمنا اجمالا بخمرية أحد المايعين وكان أحدهما خارجا عن محل الابتلاء فالشبهة في مورد الابتلاء بدوية موضوعا أو حكما.
ومنها: ما لو كانت الشبهة غير محصورة وكانت أطراف العلم كثيرة جدا فكل واحد من أطرافه يكون بحكم الشبهة البدوية على المشهور.
ومنها: ما لو كان الشك في أحد أطراف العلم الاجمالي مسببا عن الشك في الطرف الاخر كملاقي أحد الأطراف لحكمه حكم الشك البدوي لعدم تعارض اصله مع الأصل السببي.
الثالث: مقابل الشبهة البدوية الشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي وهو الشك الواقع في أطراف العلم الاجمالي المؤثر بحيث كان ارتكابه مظنة للضرر الأخروي سواء أكانت الشبهة وجوبية أم تحريمية حكمية أم موضوعية فإذا علم اجمالا بوجوب الظهر أو الجمعة فالشبهة في كل صلاة وجوبية مقرونة بالعلم الاجمالي وكذا إذ علم بوجوب اكرام زيد وشك انه هذا الشخص أو ذاك وإذا علم بحرمة فعل شرعا وشك في أنه شرب الخمر أو شرب العصير فالشبهة في كل فعل تحريمية مقرونة بالعلم الاجمالي وكذا إذا علم بحرمة الخمر وشك في أنه هذا المايع أو ذاك والحكم في هذه الشبهة الاحتياط على المشهور وينسب إلى بعض جواز المخالفة الاحتمالية دون القطعية والى آخرين جوازهما معا فراجع بحث العلم الاجمالي.
الشبهة الحكمية والموضوعية يطلق هذان الاسمان غالبا على الشكوك التي تقع مجرى للأصول العملية، وموردا للاحكام الظاهرية، كالشك المأخوذ في موضوع الاستصحاب وأصالة البراءة والتخيير والاحتياط وقاعدة الطهارة وغيرها.
فالأولى: هي الشك المتعلق بالحكم الشرعي الكلى مع كون منشئه عدم النص في المسألة أو اجماله أو تعارضه مع نص آخر، وتوصيفها بالحكمية لان متعلقها هو الحكم الشرعي وحل الاشتباه ورفعه لا يكون الا من ناحية جاعل الحكم والدليل الواصل من قبله.
فإذا شك المكلف في وجوب السواك، أو في بقاء وجوب الجمعة، أو في كون الواجب يوم الجمعة صلاتها أو صلاة الظهر; أو في كون صلاة الجمعة واجبة أو محرمة أو في طهارة العصير المغلى; كان ذلك من جهة عدم الدليل المعتبر في المورد أو اجمال الدليل الوارد أو تعارض الدليل الظاهر مع مثله، كان الأول من قبيل الشبهة الحكمية للبرائة والثاني للاستصحاب والثالث للاحتياط والرابع للتخيير والخامس لقاعدة الطهارة.
والثانية: هي الشك المتعلق بالموضوع الخارجي أو الحكم الجزئي مع كون منشئه
اشتباه الأمور الخارجية، والتوصيف بالموضوعية لكون متعلقها هو الموضوع الخارجي، ورفع الشبهة موقوف على الفحص عن الأمور الخارجية من غير ارتباط له بالشرع.
فإذا شك في كون هذا المايع خمرا أو خلا، أو ان خمر هذا الاناء هل انقلبت إلى الخل أولا، أو ان نهى والده هل تعلق بشرب التتن أو شرب الشاي، أو انه هل امره بشرب الشاي أو نهاه عنه، أو ان هذا الغذاء المأخوذ من السوق هل هو طاهر أو نجس، كان الأول شبهة موضوعية للبرائة والثاني للاستصحاب والثالث للاحتياط والرابع للتخيير والخامس للطهارة.
الشبهة المحصورة وغير المحصورة يطلق هذان العنوانان غالبا على المشتبهات الواقعة في أطراف العلم الاجمالي فإذا علمنا اجمالا بنجاسة أحد الإناءات فهنا علم اجمالي وشكوك تفصيلية بعدد محتملات المعلوم بالاجمال; فان كل واحد من الأطراف مشتبه ومشكوك فإذا كانت الأطراف والمحتملات قليلة معدودة يطلق عليها الشبهة المحصورة لانحصار الشبهة أو المشتبهات وإذا كانت كثيرة لا تقبل الحصر يطلق عليها الشبهة غير المحصورة.
ثم انهم ذكروا لبيان ما يكون ميزانا لتشخيص كون الشبهة محصورة أو غير محصورة أمورا:
منها: ان المحصورة ما كان محصورا في العرف والعادة بمعنى انه لا يعسر عده في زمان قليل، وغير المحصورة مالا يقبل الحصر والعد عرفا ويعسر عده في زمان قليل، فلو اشتبه النجس بين عشرة إناءات أو مئة بل أو الف فأطراف الشبهة محصورة ولو اشتبه بين عشرة آلاف مثلا فأطرافها غير محصورة.
ومنها: ما يقال إنه إذا بلغ كثرة الأطراف إلى حيث لا يعتنى العقلاء بالعلم الاجمالي الحاصل فيها ويكون احتمال مصادفة كل واحد من أطراف الشبهة للحرام المعلوم بالاجمال موهوما في الغاية فالشبهة غير محصورة والا فهي محصورة، الا ترى أنه لو
نهى المولى عبده عن المعاملة مع زيد فعامل العبد مع واحد من اهل قرية كبيرة يعلم بوجود زيد فيها لم يكن العبد ملوما وان صادف زيدا وهذا هو مختار الشيخ في رسائله.
وهنا أقوال أخر طوينا عنها كشحا روما للاختصار.
تنبيه:
اشتباه متعلق التكليف بين الأطراف يتصور على أقسام ثلاثة:
أولها: أن يكون المتعلق قليلا مرددا بين أطراف قليلة كالواجب المشتبه بين الظهر والجمعة أو النجس المشتبه بين إنائين أو أكثر وهذا هو المسمى بالشبهة المحصورة ويطلق عليه أيضا المشتبه القليل في القليل.
ثانيها: المتعلق القليل بين أطراف كثيرة وهذا هو المسمى بالشبهة غير المحصورة وقد علمت أمثلتها.
ثالثها: المتعلق الكثير بين أطراف كثيرة كما لو علم بحرمة خمسمأة شاة بين الفين أو ألفا بين عشرة آلاف ويطلق عليه المشتبه الكثير في الكثير وهل هو بحكم المحصور أو غير المحصورة وجهان أوجههما الأول فان نسبة الحرام إلى المجموع كنسبة الواحد إلى الأربعة أو إلى العشرة وهو مشتبه محصور.
الشك يستعمل هذا اللفظ في الاصطلاح تارة في الحالة النفسانية المقابلة لوصفي القطع والظن وهو تردد الذهن في طرفي النقيض من غير رجحان وهذا المعنى هو الذي كثر استعمال الشك فيه في عرفنا الآن.
وأخرى في المعنى المقابل لليقين الشامل للشك بالمعنى الأول والظن وهو معناه لغة.
وثالثة في عدم قيام الحجة والبرهان على الشئ والمعنى الأول أخص من الأخيرين والثاني أخص من الثالث.
فإنه إذا شك الانسان في حرمة العصير مثلا شكا متساويا ولم يجد عليها دليلا معتبرا تحقق الشك بجميع معانيه ولو ظن الحرمة ظنا غير معتبر ولا دليل عليها معتبر تحقق الشك بالمعنيين الأخيرين دون الأول ولو ظن ظنا غير معتبر وعليها دليل معتبر تحقق الشك بالمعنى الثاني دون الثالث، ثم إن المأخوذ في موضوع الأحكام الظاهرية والأصول العملية هل هو خصوص المعنى الأول، أو أحد المعنيين الأخيرين. وجوه بل أقوال تقدم الكلام فيها في عنوان الحكومة.
ثم إنه يقسم الشك بتقسيمات:
الأول: تقسيمه إلى الشك الطارئ والشك الساري فالطارئ هو الشك في البقاء المأخوذ في مجرى الاستصحاب والشك الساري هو الشك المأخوذ في مجرى قاعدة اليقين فراجع القاعدتين تعرف حقيقتهما، واطلاق الساري على الثاني لسرايته إلى نفس متعلق اليقين والطاري على الأول مع أن كل شك طار وعارض ليصح التقابل اللفظي مع الثاني.
الثاني: تقسيمه إلى شك بدوي وشك مقرون بالعلم الاجمالي فراجع عنوان الشبهة.
الثالث: تقسيمه إلى الشك السبى والشك المسببي.
وتوضيحه انك قد عرفت أن الشك موضوع في غالب الأصول العملية مأخوذ في مجاريها، وان تلك الأصول احكام شرعية ظاهرية مترتبة على الشك (فح) نقول:
اما ان يوجد هنا شك واحد موضوع لحكم واحد، أو يوجد شكان كل واحد منهما موضوع لحكم ومجرى لأصل; وعلى الثاني فاما أن يكون كل واحد منهما مسببا عن سبب مستقل، أو يكونا مسببين عن سبب واحد أو يكون أحدهما مسببا عن الاخر فالأقسام أربعة.
لا كلام في القسمين الأولين كما إذا عرض لنا شك في بقاء وجوب الجمعة أو عرض شكان أحدهما في بقاء حياة زيد والاخر في كرية ماء فيترتب على كل شك حكمه.
واما الثالث: فكما إذا علم اجمالا بوقوع قطرة من النجس في أحد الإنائين فتولد منه شك في طهارة هذا وشك في طهارة ذاك فالشكان مسببان عن امر ثالث هو العلم الاجمالي فيقع التعارض بين أصليهما إذ اجراء الاستصحاب أو قاعدة الطهارة في كليهما ينافي العلم الاجمالي فالحكم (ح) هو التساقط والرجوع إلى الاحتياط مثلا.
واما الرابع: فهو يتصور على قسمين:
الأول: أن يكون أصلاهما متوافقين قابلين للعمل بهما.
والثاني: ان يكونا متخالفين متعارضين.
مثال الأول: ما إذا كان كر مشكوك الطهارة المسبوق بالطهارة فلاقاه شئ طاهر
فتولد من الشك في الماء الشك في ملاقيه فالأول سببي والثاني مسببي، وحكمه انه يجرى استصحاب الطهارة في الماء فيغنى عن استصحابها في الملاقي أو يجرى فيه استصحاب آخر.
ومثال الثاني: ما إذا كان هنا كر مسبوق بالطهارة فغسل فيه ثوب نجس فتولد من الشك في الماء الشك في طهارة الثوب، والأول سببي والثاني مسببي وأصلهما (ح) متعارضان بدوا فمقتضى استصحاب طهارة الكر طهارة المغسول فيه; ومقتضى استصحاب نجاسة الثوب الحكم بنجاسته.
وهل اللازم حينئذ تقديم أصل السبب أو المسبب أو يتساقطان. وجوه أقواها الأول لأمور:
منها: لزوم المحذور العقلي لو قد منا المسببي بخلاف تقديم أصل السبب.
بيانه: ان من آثار طهارة الماء شرعا طهارة المغسول به لقوله (ع) الماء يطهر ولا يطهر، فإذا حكم الشارع بطهارة الماء بالاستصحاب فقد حكم بطهارة المغسول فيه; فيكون رفع اليد عن نجاسة الثوب بامر الشارع ودليل شرعي، إذ الشارع (ح) قد ألغى الشك المتعلق ببقاء نجاسة الثوب وحكم بعدمه تعبدا بعد الغسل بذلك الماء فرفع اليد عن استصحاب النجاسة لعدم الشك في بقائها تعبدا فلا موضوع له حتى يجرى حكمه، نظير ما إذا قامت البينة على طهارة الثوب في المثال.
فتحصل ان اللازم من تقديم السببي عدم بقاء الموضوع للمسببي وكونه محكوما بل قد تعرضنا في بعض مواضع الكتاب لتقريب وروده عليه.
وهذا بخلاف ما إذا قدمنا أصل المسبب وطرحنا الأصل الجاري في السبب فإنه يلزم طرح الحكم الشرعي بلا دليل فإنه ليس من آثار بقاء نحاسة المغسول في الكر مثلا نجاسة الكر شرعا بل هي من الآثار واللوازم العقلية للاستصحاب المسببي فإنه إذا حكم بنجاسة المغسول بالكر في المثال ينكشف لدى العقل انه لا وجه له الا كون الماء نجسا غير قابل للتطهير به فإذا كان الأصل في المسبب غير ناظر إلى حال السبب يكون رفع اليد عن اصله مع تحقق موضوعه تخصيصا بلا وجه وهذا معنى ما قيل إن الامر يدور حينئذ بين التخصص والتخصيص بلا وجه فتقديم السبب مستلزم