بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 165

واما الأحكام التكليفية بمرتبتها الفعلية فهي أيضا لا تترتب دائما على الفعل بل توجد موارد خلت الأفعال من مرتبة فعلية تلك الأحكام.
منها: موارد حصول القطع للمكلف على خلاف الحكم الواقعي كما إذا قطع الشخص بوجوب الجمعة مع كونها حراما في الواقع فان ما قطع به ليس حكما شرعيا مجعولا أصلا والحكم الواقعي ليس بمنجز حتما وليس بفعلي على المشهور فليس هنا حكم شرعي في مرتبة الفعلية واقعيا كان أو ظاهريا وان كان التحريم موجودا أنشأ، وكذا إذا قطع بحلية العصير مع حرمته في الواقع أو باستحباب شئ مع كونه واجبا هذا إذا كان القطع بالخلاف قصوريا واما إذا كان عن تقصير فالواقع فعلى منجز.
ومنها: موارد الطرق الشرعية المؤدية إلى خلاف الواقع كما إذا أخبر العادل بإباحة شئ وكان في الواقع واجبا أو حراما بناءا على القول بالطريقية فيها، فما أخبر به العادل ليس بمجعول ولو ظاهرا وما كان موجودا واقعا ليس بفعلي فلا حكم فعلى في المورد.
ومنها: مورد الظن الانسدادي المخالف أيضا كالامارات الشرعية بناء على الحكومة والكشف الطريقي.
ومنها: موارد مزاحمة المهم للأهم كالصلاة المزاحمة لإزالة النجاسة من المسجد في أول الوقت; فان الامر الفعلي لما توجه إلى الأهم بقي المهم خاليا عن الامر الفعلي بالكلية والا لزم طلب الضدين نعم الحكم بمرتبته الانشائية ثابت وهذا مبنى على بطلان الترتب واما بناءا على صحته فان أراد امتثال امر الأهم فكذلك أيضا وان أراد المخالفة فامر المهم أيضا فعلى كامر الأهم.
ومنها: ما إذا استلزم امتثال واجب مخالفة حرام مع كون الواجب أهم كما لو استلزم اكرام عالم إهانة عالم آخر أو الوضوء في محل انصباب مائه في ملك الغير; فالإهانة والتصرف في ملك الغير لا حكم لهما أصلا لان الحرمة الواقعية قد ارتفعت بالمزاحمة ولم يترتب عليهما من طرف ما يستلزمهما حكم أيضا.



صفحه 166

عدم صحة السلب وصحته وصحة الحمل وعدمها اعلم أنه قد يرتكز في ذهن الانسان من أيام الصغر أو في برهة من الزمان معنى من المعاني بنحو الاجمال للفظ مخصوص معين (فليلاحظ أحدنا ما في ذهنه من كلمة الانسان والفرس والغنم وغيرها) وحينئذ إذا سمع من أحد تعريف الحيوان الناطق وتصور في ذهنه ذلك الكلى فان رأى أنه لم يصح سلب الانسان بمعناه المرتكز في ذهنه عن الكلى الذي تصوره أو انه يصح حمل الانسان بذلك المعنى على ما تصوره يعلم ان لفظ الانسان حقيقة في الحيوان الناطق وان ما ارتكز في ذهنه اجمالا متحد مع ما تصوره تفصيلا، فيتحقق حينئذ عنوان عدم صحة السلب وصحة الحمل ويكونان من علائم الحقيقة، فيحكم بان الانسان والحيوان الناطق مترادفان.
وكذا ان رأى مصداقا من الانسان في الخارج كزيد مثلا وعلم أنه لا يصح سلب المعنى المرتكز في ذهنه عنه بل صح حمله عليه يعلم بان زيدا مصداق حقيقي للمعنى المرتكز لا مجازى ومن هنا قيل إن عدم صحة سلب مفهوم كلى عن مفهوم كلى وصحة حمله عليه علامتا كونهما مترادفين وعدم صحة سلب المفهوم الكلى عن الفرد أو صحة حمله عليه علامتا كون الفرد مصداقا حقيقيا لذلك الكلى.
هذا عدم صحة السلب واما صحته فإذا سمع الشخص من أحد تعريف الحمار


صفحه 167

فتصور في ذهنه معناه الكلى أو رأى فردا منه في الخارج فرأى أنه يصح سلب الانسان بمعناه المرتكز عن متصوره أو عن ذلك الفرد ولا يصح حمله عليهما كان هذان عنده علامتا كون الحمار مباينا مع الانسان وعدم كون الفرد مصداقا حقيقيا له وكان الاستعمال مجازيا وهكذا سائر الأمثلة.



صفحه 168

العرض الذاتي والعرض الغريب قد يستعمل العرض فيما يوافق معناه اللغوي وهو الوصف العارض للشئ المقابل لذاتياته وهذا هو المستعمل في باب الكليات ويقسمونه إلى عرض خاص كالكتابة للانسان وعرض عام كالحركة بالإرادة والمشي له أيضا.
وقد يستعمل بمعنى مطلق الامر الخارج عن الشئ ولو تصورا المحمول عليه ذاتيا كان أو عرضيا، وهو بهذا المعنى يستعمل في تعريف موضوع العلم فيقال ان الموضوع هو الذي يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية، ويقسم العرض بهذا المعنى إلى عرض ذاتي وعرض غريب.
فالأول: ما كان عارضا ومحمولا على الشئ حقيقة بحيث كان وصفا بحال نفس الموصوف وكان اتصاف الشئ به اتصافا حقيقيا سواء كان بلا واسطة أو بواسطة داخلية أو خارجية فهنا أمثلة ثلاثة:
أولها: المحمول العارض بلا واسطة كالفصل بالنسبة إلى الجنس والجنس بالنسبة إلى الفصل، في قولك الناطق حيوان والحيوان ناطق، فالبحث عن كون الناطق حيوانا أو عن كون الحيوان ناطقا بحث عن العوارض الذاتية أي عن محمول نفس الشئ.
ثانيها: المحمول العارض بواسطة داخلية كالتكلم المحمول على الانسان بواسطة


صفحه 169

كونه ناطقا والحركة الإرادية له بواسطة كونه حيوانا، فهما عرضان والانسان معروض والنطق والحيوانية واسطتان داخلتان في حقيقة المعروض.
ثالثها: المحمول العارض بواسطة خارجية كالضحك المحمول على الانسان بواسطة التعجب الخارج عن حقيقة ذاته والحرارة العارضة للماء بواسطة النار.
والثاني: أي العرض الغريب ما كان عروضه على الشئ وحمله عليه مجازيا وكان الوصف بحال متعلق الموصوف لا نفسه، وحيث كان المعروض الحقيقي مرتبطا مع هذا الشئ بنحو من الارتباط نسب وصفه إليه مجازا، مثاله توصيف الجسم بالسرعة والشدة فتقول هذا الفرس سريع وهذا الأبيض شديد فهذا يطلق عليه الغريب لان الاتصاف ليس حقيقيا بل المتصف بالسرعة واقعا هي الحركة وبالشدة هو البياض ولأجل كونهما وصفين للفرس والشئ الخارجيين نسب عارضهما إليهما بالعناية.
ثم إن عمدة الغرض من هذا البحث بيان ان مسائل علم الأصول من قبيل العوارض الذاتية لموضوعه فان الحجية مثلا بالقياس إلى ظاهر الكتاب وخبر العدل وغيرهما عرض ذاتي تتصف تلك الأمور بها حقيقة لا بالعرض والمجاز كما أن الأحكام الفرعية المبحوث عنها في علم الفقه تكون من العوارض الذاتية لموضوعه أعني أفعال المكلفين أو الموضوعات الخارجية.



صفحه 170

العقل العقل قوة مودعة في النفس معدة لقبول العلم والادراك، ولذا قيل إنه نور روحاني تدرك النفس به العلوم الضرورية والنظرية; وأول وجوده عند اجتنان الولد ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ، وله جنود من الخصال الفاضلة والسجايا المرضية تبدو من عند التمييز وتكمل حين بلوغ الأربعين في الغالب.
وقد يطلق العقل على نفس التعقل والادراك; ويسمى على الاطلاق الأول عقلا مطبوعا، وهو المراد من قوله تعالى كما في الرواية: " ما خلقت خلقا هو أحب إلى منك " وعلى الاطلاق الثاني عقلا مكسوبا مسموعا، وهو المراد من قوله " عليه السلام ": " ما اكتسب الانسان شيئا أفضل من عقل يهديه إلى هدى "، قال علي " عليه السلام " على ما نسب إليه:
فان العقل عقلان * فمطبوع ومسموع - ولا ينفع مسموع * إذا لم يك مطبوع - كما لا تنفع الشمس * وضوء العين ممنوع ثم إن البحث عن العقل في هذا العلم بملاحظة حجية مدركاته وكون احكامه من أدلة استنباط الحكم الشرعي تارة، ومرجعا عمليا عند فقدان الامارات أخرى.



صفحه 171

اما الأولى: فهي احكامه الاستقلالية التي تقع في طريق استنباط الأحكام الشرعية ; فيكون دليلا عقليا وامارة منجزة أو معذرة، ولذا قيل إن الدليل العقلي حكم عقلي يتوصل بصحيح النظر فيه إلى حكم شرعي والمراد بصحيح النظر جعله كبرى في قياس الانتاج كما تقدم، وذلك كحكمه بحجية الظن الانسدادي والظن الاستصحابي بناء على حجيتهما وحكمه بالملازمة بين وجوب شئ ووجوب مقدمته وبالملازمة بين وجوب شئ وحرمة ضده وبالملازمة بين حسن شئ أو قبحه ووجوبه أو حرمته شرعا بناء على حكمه بالملازمة في هذه الموارد وغيرها من احكامه.
فتقول حرمة العصير مما تعلق بها الظن الانسدادي أو الاستصحابي وهو دليل مثبت للتكليف منجز له فالحرمة ثابتة منجزة; وتقول الوضوء مقدمة للصلاة وكل مقدمة الواجب واجبة فالوضوء واجب، وتقول الصلاة المزاحمة لإزالة النجاسة عن المسجد ضد للواجب وكل ضد الواجب حرام فتلك الصلاة محرمة; وتقول رد الوديعة مما حكم العقل بحسنه وكلما حكم العقل بحسنه حكم الشرع بوجوبه فارد واجب شرعا وهكذا.
واما الثانية: فهي احكامه الاستقلالية التي تعد احكاما ظاهرية وأصولا عملية يرجع إليها عند فقد الامارات العقلية والقواعد النقلية، وذلك كحكمه بقبح العقاب على الحكم بلا ورود البيان عليه، وحكمه بتخيير المكلف عند دوران الامر بين المحذورين; ولزوم الاحتياط عليه في موارد العلم الاجمالي ونحوها.
تنبيهان:
الأول: تنقسم مدركات العقل واحكامه إلى أقسام كثيرة تختلف لديه بالوضوح والخفاء.
فمنها: المشهورات وهي التي توافقت عليها آراء العقلاء لوجود مصالح فيها وانحفاظ نظام المجتمع وبقاء النوع بها كحسن العدل وقبح الظلم.
ومنها: الأوليات ككون الكل أعظم من الجزء والضدين لا يجتمعان.



صفحه 172

ومنها: الحسيات المحسوسة بالحواس الظاهرة أو الباطنة ككون هذا الجسم ابيض وكحكمنا بان لنا علما وشوقا وشجاعة.
ومنها: الفطريات وهي القضايا التي قياساتها معها ككون الأربعة زوجا لأنها تنقسم إلى المتساويين وكل منقسم إلى المتساويين زوج.
ومنها: التجربيات وهي الحاصلة بتكرر المشاهدة كحكمنا بان السم مهلك.
ومنها: المتواترات كحكمنا بان مكة موجودة لاخبار جماعة يمتنع تبانيهم على الكذب.
ومنها: الحدسيات الموجبة لليقين كحكمنا بان نور القمر مستفاد من الشمس لتشكله بدرا وهلالا.
الثاني: لا اشكال في حجية ما استقل به العقل من الاحكام مما يعد امارة موصلة إلى الأحكام الشرعية، أو أصلا عمليا يرجع إليه في مرحلة العمل.
والدليل عليه أولا ان ذلك مما يجده العقل في نفسه طبعيا وجدانيا وهو كاف في الحجية إذ حجية كل شئ ترجع إلى حكمه وقضائه فكيف يثبت حجية حكمه بشئ آخر.
وثانيا ما ورد من الأدلة النقلية على ذلك، ففي الكافي عن الكاظم " عليه السلام " قال: " يا هشام ان لله على الناس حجتين حجة ظاهرة وحجة باطنة، فاما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة " عليهم السلام " واما الباطنة فالعقول ".
وفى البحار عن كتاب الاحتجاج قال ابن السكيت للرضا " عليه السلام " فما الحجة على الخلق اليوم قال " عليه السلام ": " العقل تعرف به الصادق على الله فتصدقه والكاذب على الله فتكذبه " قال ابن الكسيت: هذا هو والله الجواب.
وما ورد مستفيضا من: " ان الله لما خلق العقل قال بك أثيب وبك أعاقب وبك آخذ وبك أعطى ". والاثابة والعقاب لا يكونان الا بالحجة ونحوها غيرها; والمخالف في أصل ادراك العقل للحسن والقبح الأشاعرة وفى كون حكمه دليلا على الحكم الشرعي الطائفة الاخبارية ولهم في ذلك أقوال أخر وسيأتي بعض الكلام فيه في قاعدة التحسين وقاعدة الملازمة.