العقل العقل قوة مودعة في النفس معدة لقبول العلم والادراك، ولذا قيل إنه نور روحاني تدرك النفس به العلوم الضرورية والنظرية; وأول وجوده عند اجتنان الولد ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ، وله جنود من الخصال الفاضلة والسجايا المرضية تبدو من عند التمييز وتكمل حين بلوغ الأربعين في الغالب.
وقد يطلق العقل على نفس التعقل والادراك; ويسمى على الاطلاق الأول عقلا مطبوعا، وهو المراد من قوله تعالى كما في الرواية: " ما خلقت خلقا هو أحب إلى منك " وعلى الاطلاق الثاني عقلا مكسوبا مسموعا، وهو المراد من قوله " عليه السلام ": " ما اكتسب الانسان شيئا أفضل من عقل يهديه إلى هدى "، قال علي " عليه السلام " على ما نسب إليه:
فان العقل عقلان * فمطبوع ومسموع - ولا ينفع مسموع * إذا لم يك مطبوع - كما لا تنفع الشمس * وضوء العين ممنوع ثم إن البحث عن العقل في هذا العلم بملاحظة حجية مدركاته وكون احكامه من أدلة استنباط الحكم الشرعي تارة، ومرجعا عمليا عند فقدان الامارات أخرى.
اما الأولى: فهي احكامه الاستقلالية التي تقع في طريق استنباط الأحكام الشرعية ; فيكون دليلا عقليا وامارة منجزة أو معذرة، ولذا قيل إن الدليل العقلي حكم عقلي يتوصل بصحيح النظر فيه إلى حكم شرعي والمراد بصحيح النظر جعله كبرى في قياس الانتاج كما تقدم، وذلك كحكمه بحجية الظن الانسدادي والظن الاستصحابي بناء على حجيتهما وحكمه بالملازمة بين وجوب شئ ووجوب مقدمته وبالملازمة بين وجوب شئ وحرمة ضده وبالملازمة بين حسن شئ أو قبحه ووجوبه أو حرمته شرعا بناء على حكمه بالملازمة في هذه الموارد وغيرها من احكامه.
فتقول حرمة العصير مما تعلق بها الظن الانسدادي أو الاستصحابي وهو دليل مثبت للتكليف منجز له فالحرمة ثابتة منجزة; وتقول الوضوء مقدمة للصلاة وكل مقدمة الواجب واجبة فالوضوء واجب، وتقول الصلاة المزاحمة لإزالة النجاسة عن المسجد ضد للواجب وكل ضد الواجب حرام فتلك الصلاة محرمة; وتقول رد الوديعة مما حكم العقل بحسنه وكلما حكم العقل بحسنه حكم الشرع بوجوبه فارد واجب شرعا وهكذا.
واما الثانية: فهي احكامه الاستقلالية التي تعد احكاما ظاهرية وأصولا عملية يرجع إليها عند فقد الامارات العقلية والقواعد النقلية، وذلك كحكمه بقبح العقاب على الحكم بلا ورود البيان عليه، وحكمه بتخيير المكلف عند دوران الامر بين المحذورين; ولزوم الاحتياط عليه في موارد العلم الاجمالي ونحوها.
تنبيهان:
الأول: تنقسم مدركات العقل واحكامه إلى أقسام كثيرة تختلف لديه بالوضوح والخفاء.
فمنها: المشهورات وهي التي توافقت عليها آراء العقلاء لوجود مصالح فيها وانحفاظ نظام المجتمع وبقاء النوع بها كحسن العدل وقبح الظلم.
ومنها: الأوليات ككون الكل أعظم من الجزء والضدين لا يجتمعان.
ومنها: الحسيات المحسوسة بالحواس الظاهرة أو الباطنة ككون هذا الجسم ابيض وكحكمنا بان لنا علما وشوقا وشجاعة.
ومنها: الفطريات وهي القضايا التي قياساتها معها ككون الأربعة زوجا لأنها تنقسم إلى المتساويين وكل منقسم إلى المتساويين زوج.
ومنها: التجربيات وهي الحاصلة بتكرر المشاهدة كحكمنا بان السم مهلك.
ومنها: المتواترات كحكمنا بان مكة موجودة لاخبار جماعة يمتنع تبانيهم على الكذب.
ومنها: الحدسيات الموجبة لليقين كحكمنا بان نور القمر مستفاد من الشمس لتشكله بدرا وهلالا.
الثاني: لا اشكال في حجية ما استقل به العقل من الاحكام مما يعد امارة موصلة إلى الأحكام الشرعية، أو أصلا عمليا يرجع إليه في مرحلة العمل.
والدليل عليه أولا ان ذلك مما يجده العقل في نفسه طبعيا وجدانيا وهو كاف في الحجية إذ حجية كل شئ ترجع إلى حكمه وقضائه فكيف يثبت حجية حكمه بشئ آخر.
وثانيا ما ورد من الأدلة النقلية على ذلك، ففي الكافي عن الكاظم " عليه السلام " قال: " يا هشام ان لله على الناس حجتين حجة ظاهرة وحجة باطنة، فاما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة " عليهم السلام " واما الباطنة فالعقول ".
وفى البحار عن كتاب الاحتجاج قال ابن السكيت للرضا " عليه السلام " فما الحجة على الخلق اليوم قال " عليه السلام ": " العقل تعرف به الصادق على الله فتصدقه والكاذب على الله فتكذبه " قال ابن الكسيت: هذا هو والله الجواب.
وما ورد مستفيضا من: " ان الله لما خلق العقل قال بك أثيب وبك أعاقب وبك آخذ وبك أعطى ". والاثابة والعقاب لا يكونان الا بالحجة ونحوها غيرها; والمخالف في أصل ادراك العقل للحسن والقبح الأشاعرة وفى كون حكمه دليلا على الحكم الشرعي الطائفة الاخبارية ولهم في ذلك أقوال أخر وسيأتي بعض الكلام فيه في قاعدة التحسين وقاعدة الملازمة.
العموم والعام العموم في الاصطلاح عبارة عن شمول المفهوم لكل ما يصلح ان ينطبق عليه وبعبارة أخرى فعلية الشمول فيما فيه قابليته، والعام عبارة عن اللفظ الدال على المفهوم وشموله.
فمعنى لفظ العام يتركب من امرين المفهوم القابل للانطباق على كثيرين، وفعلية ذلك الانطباق.
ثم إن ألفاظ العام الدالة على ذلك المعنى ان كانت جامدة غير مركبة نظير ما ومن الشرطيتين ومتى وحيث وكيف وأمثال ذلك فإنها بمعنى كل شئ أو كل شخص أو كل زمان ومكان فواضح.
والا فالجزء الذي يدل من اللفظ على نفس المفهوم هو مادة اللفظ والذي يدل على الشمول والسريان يسمى أداة العموم.
ففي ألفاظ كل رجل والعلماء ولا رجل تكون كلمة رجل وعالم هي المواد الدالة على المفهوم وكلمة كل وهيئة الجمع ووقوع النكرة في سياق النفي هي إدواة العموم.
ثم إن للعام عند اهل الفن تقسيمات:
منها: تقسيمه إلى العام البدلي والعام الاستغراقي والعام المجموعي.
بيانه ان اللفظ الدال على الاستيعاب ان دل على شمول المفهوم للافراد بنحو البدل كان الشمول بدليا وأطلق عليه العام البدلي، كقولك أكرم أي رجل شئت وسافر إلى يوم أردت فكلمة أي وما يؤدى معناها من أدواة البدلي.
وان دل على شموله دفعة وبنحو الاستيعاب كان الشمول استيعابيا وحينئذ ان قصد في الكلام ترتب الحكم الكلامي على كل فرد من افراد المفهوم مستقلا سمى ذلك " عاما استغراقيا " كما لو ورد أكرم كل عالم مع كون الفرض انشاء وجوب مستقل لكل فرد وان قصد ترتب حكم واحد على الجميع سمى العام مجموعيا.
فظهر مما ذكرنا أن انقسام العام إلى البدلي والاستيعابي انقسام وضعي نشأ من وضع اللفظ للمعاني المختلفة ولذلك صارت ألفاظهما أيضا مختلفة، وانقسام الاستيعابي إلى الاستغراقي والمجموعي انقسام بلحاظ الحكم المرتب عليله ويشهد لذلك اتحاد ألفاظهما وجواز استعمال كل واحد منها في موضع الاخر.
تنبيه:
الفرق بين الأقسام في هذا التقسيم واضح إذ في الحكم المرتب على العام البدلي يتحقق الامتثال بالاتيان ولو في ضمن فرد واحد ويحصل الغرض ويسقط الامر بخلاف الاستيعابي، واما الفرق بين الاستغراقي والمجموعي فهو ان في الأول يكون الحكم متعددا بتعدد الافراد ولكل واحد منها إطاعة مستقلة وعصيان مستقل، فأي فرد من العلماء أكرمه المكلف في المثال السابق استحق ثوابه وأي فرد لم يكرمه استحق عقابه ولا ارتباط بينهما، وفى الثاني يكون الحكم واحدا بحيث لو أكرم الجميع حصل امتثال واحد ولو ترك الكرام واحد حصل عصيان الامر بالكلية.
ومنها: تقسيمه إلى العام الافرادي والعام الأزماني.
فالأول: عبارة عن شمول المفهوم وسريانه بحسب الافراد.
والثاني: عبارة عن شموله وسريانه بحسب الا زمان بمعنى لحاظ استمرار المفهوم وبقائه في عمود الزمان.
بيان المطلب ان تعلق حكم شرعي بفعل من الأفعال من حيث اخذ الزمان قيدا للحكم أو للموضوع يتصور على أقسام أربعة:
الأول: أن لا يلاحظ الزمان أصلا لا في طرف الحكم ولا في طرف الموضوع بل تلاحظ طبيعة الحكم فترتب على طبيعة الموضوع بلا لحاظ تقيدهما بزمان، كما إذا قال المولى أوجبت عليك الجلوس في المسجد أو صيام يوم، أو قال أعتق رقبة وأكرم عالما، وحكم هذا القسم هو حصول الغرض وسقوط الامر باتيان مسمى الجلوس والصيام وطبيعة العتق والاكرام.
الثاني: ان يلاحظ مقدار من الزمان محدود كشهر أو سنة أو مستمر دائم، ظرفا لثبوت الحكم على الموضوع بان يجعل ويرتب طبيعي الحكم على طبيعي الموضوع ويراد بذكر الزمان دوام الحكم عليه واستمراره في تلك المدة في مقابل كونه آنيا من حيث الزمان أو منوطا بمجرد تحقق الطبيعة ولو في ضمن فرد واحد كما لو قال المولى يجب الصدق في الكلام ابدا وأكرم زيدا دائما فلا يسقط الامر بتحقق الصدق ولو دفعة واكرام زيد ولو مرة.
ونظير التصريح بالدوام استفادة ذلك من الاطلاق فيطلق (ح) على دوام الوجوب على عنوان الصدق وعنوان الاكرام العموم الأزماني للحكم; ويقال ان لهذا الحكم عموما أزمانيا ويطلق على عموم عنوان الاكرام لمصاديقه كاكرام زيد واكرام عمرو العموم الافرادي للموضوع وهذا القسم هو الذي ذكر الشيخ قده بان الزمان فيه لوحظ ظرفا للحكم لا قيدا للموضوع.
الثالث: ان يلاحظ الزمان قيدا للموضوع بنحو المجموع بان يلاحظ الزمان جميعه ولو كان طويلا ويجعل قيدا واحدا لموضوع التكليف أعني فعل المكلف ويكون المطلوب الفعل المستمر في عمود الزمان بحيث لو ترك الفعل في جزء من الزمان لما امتثل للتكليف أصلا، كما إذا أوجب على المعتكف الكون في المسجد أيام أو الكون في عرفات ومنى يوما أو أياما ومنه الامساك الواقع بين الطلوع والغروب والعموم هنا ينسب إلى الموضوع ويقال ان له عموما أزمانيا مجموعيا.
الرابع: لحاظ الزمان قيدا للموضوع بنحو الاستغراق بان يلاحظ كل جزء من
اجزائه قيدا مستقلا ويكون الفعل في كل آن أو ساعة مثلا مطلوبا مستقلا بحيث يكون ترك الفعل في جزء من الزمان تفويتا لغرض وعصيانا لطلب واتيانه في جزء آخر تحصيلا لغرض آخر وامتثالا لطلب كذلك.
مثاله ما لو قال أكرم العلماء أو أكرم زيدا في كل يوم إذا فرضنا ان الاكرام المقيد بكل يوم مطلوب مستقل ويسمى هذا عموما زمانيا استغراقيا في ناحية الموضوع; وهذا القسم هو مراد الشيخ ره من قوله ان الزمان قد يلاحظ قيدا للموضوع وعبر عنه بان الزمان مفرد للموضوع لتكثر افراد الموضوع لا محالة بعدد الأيام وكون الاكرام في كل يوم موضوعا مستقلا له حكم مستقل، فكما كان في القسم الثاني طبيعة الاكرام المتعلق بزيد موضوعا مستقلا بحكم مستقل والمتعلق بعمرو موضوعا آخر فكذلك الاكرام المتعلق بزيد في يوم الخميس مثلا موضوع مستقل له حكم مستقل والاكرام المتعلق به في يوم الجمعة موضوع آخر له حكم آخر.
تنبيه:
إذا عرفت أن العموم الزماني عبارة عن استمرار الشئ في عمود الزمان وطوله وانه قد يلاحظ في نفس الحكم وقد يلاحظ في الموضوع المترتب عليه الحكم كالجلوس والاكرام والوفاء، وعرفت أيضا عدم ملاحظته في المتعلق كالعالم والخمر والماء إذ لا معنى له في المتعلق غالبا بان يقال ان العالم المقيد بيوم الخميس حكمه كذا وبيوم الجمعة كذا.
فاعلم أنه إذا ورد تخصيص على عام وكان المخصص مجملا غير واف لبيان حال المورد في ما بعد الزمان الأول، كما إذا قام الاجماع على عدم وجوب اكرام زيد يوم الجمعة بعد ورود قوله أكرم العلماء على الدوام، ففي لزوم استصحاب حكم المخصص فيما بعد الزمان الأول أو لزوم التمسك بالعام خلاف بين الاعلام.
وفصل شيخنا الأعظم (ره) في رسائله ومكاسبه بأنه ان كان الزمان الملحوظ في ناحية العام بنحو القسم الثاني وملحوظا ظرفا للحكم، فاللازم بعده استصحاب حكم
المخصص; إذا المفروض ان في كل فرد من افراد العلماء كزيد وعمرو وخالد، رتب طبيعة الحكم على طبيعة الموضوع ومعنى قيام الاجماع على عدم وجوب اكرامه رفع الحكم عن ذلك الموضوع وحيث ارتفع بالنسبة إلى فرد مثلا طبيعي الحكم عن طبيعي الموضوع في وقت فترتبه عليه ثانيا يحتاج إلى دليل، وان كان ملحوظا قيدا للموضوع بنحو القسم الأخير فاللازم التمسك بعد الزمان الأول بعموم العام إذا الفرض كما ذكرنا أن الموضوع في كل يوم امر مستقل له حكم مستقل فتخصيصه لا يستلزم تخصيص موضوع آخر.