قاعدة الجمع مهما أمكن أولى من الطرح مورد القاعدة هو الدليلان المتقابلان والمراد من الجمع هنا الجمع الدلالي أعني اخذ احدى الدلالتين والتصرف في الأخرى بحيث يرتفع التنافي بينهما، أو التصرف في كلتا الدلالتين كما ستعرف، ومن الامكان الامكان العرفي بحيث يساعد عليه نظر هم ويكون عليه عملهم، لا الامكان العقلي ولو عده العرف غير ممكن، ومن الأولوية اللزوم كقولك لان أكون صادقا أولى من أن أكون كاذبا.
فمعنى القاعدة ان الجمع بين دلالة الدليلين فيما أمكن عرفا وساعد عليه نظرهم لازم فليس المورد داخلا في باب التعارض، وهذه قاعدة مطردة معمول بها بين العقلاء والمتشرعة يسمون هذا النحو من العمل بالجمع الدلالي أيضا وعد الأصوليون من مصاديقها موارد: الأول: ما إذا كان أحد الدليلين نصا والاخر ظاهرا كالخاص القطعي الدلالة مع العام فإنه يجمع بينهما بأخذ الخاص وتخصيص العام به كما إذا ورد أكرم العلماء وورد لا يجب اكرام فساقهم، وكالمقيد القطعي مع المطلق كما إذا ورد أعتق رقبة وورد أيضا لا يجب اعتاق الكافرة فيحمل المطلق على المقيد، ومثل الامر أو النهى المتعلقين بشئ مع دليل الترخيص كما إذا ورد صم يوم الخميس وورد أيضا لا بأس بترك الصوم يوم
الخميس فيحمل الامر على الاستحباب; أو ورد لا تشرب العصير العنبي وورد لا بأس بشربه فيحمل النهى على الكراهة.
الثاني: ما إذا كان أحدهما ظاهرا والآخر أظهر كالعام مع الخاص الظني الدلالة بحيث يكون أظهر من العام كما إذا ورد أكرم العلماء وورد ينبغي اكرام فساقهم فان ظهور ينبغي في الاستحباب أقوى من ظهور هيئة أكرم في الوجوب فيقدم عليه وان كان حمل كلمة ينبغي على الوجوب ممكنا لكنه مرجوح، فالنتيجة استحباب اكرام الفساق ووجوب اكرام العدول، وكذا المطلق الظاهر والمقيد الأظهر منه، ومن هذا القبيل ما إذا ورد اغتسل للجمعة وورد ينبغي غسل الجمعة.
الثالث: ما إذا كان الدليلان ظاهرين متساويين وكان المورد بحيث يساعد العرف على جعل كل منهما قرينة على التصرف في الاخر فيجمع بينهما بالتصرف في كليهما كما إذا ورد ثمن العذرة سحت وورد لا بأس ببيع العذرة، وفرضنا ان العرف يوفقون بينهما بحمل الأول على عذرة غير مأكول اللحم والثاني على عذرة المأكول.
الرابع: ما إذا كان أحدهما حاكما والآخر محكوما، أو كان أحدهما واردا والآخر مورودا، نصا كان الحاكم والوارد أو ظاهرا فراجع عنوان الحكومة والورود.
تنبيهات: الأول: ان الجمع بين الخبرين كما أشرنا إليه على قسمين دلالي وسندي فالدلالي هو ما ذكرنا من مورد قاعدة الجمع وقلنا بأنه اخذ السندين وتأويل الظاهر إلى ما يوافق النص أو الأظهر.
واما السندي فهو راجع إلى السند ومعناه اخذ سند ودلالة أحد الخبرين وطرح الآخر رأسا سندا ودلالة; ومورد هذا الجمع ما إذا لم يمكن الجمع العرفي في الدلالة بل يبقى أهل العرف متحيرين في حكمهما، وحينئذ فإن كان في أحدهما رجحان اخذ ذلك تعيينا وطرح الآخر، وإن لم يكن رجحان في البين اخذ أحدهما تخييرا وطرح الآخر رأسا فراجع بحث التعارض وعنوان المرجح، وهذا المورد هو الذي تخيل ابن أبي
جمهور جريان قاعدة الجمع فيه; فإذا ورد يجب اكرام العالم وورد أيضا لا يجب اكرام العالم فعلى مبنى المشهور يؤخذ أحدهما ويعمل به ويطرح الآخر وعلى القول المنسوب إلى ابن أبي جمهور يؤخذ كلاهما ويحمل أحدهما على العالم العادل والآخر على العالم الفاسق مثلا، وهذا النحو من الجمع غير منضبط لا شاهد له ويسمى جمعا تبرعيا أيضا.
الثاني: كان الكلام إلى هنا في أدلة الاحكام وبيان حال الخبرين المتعارضين، واما أدلة الموضوعات وتعارض البينات فهي على قسمين:
الأول: أن يكون كلام كل من البينتين قابلا للتبعيض في التصديق بان يصدق في بعض ما أخبر به ويرتب عليه آثار الصدق، ولا يصدق في البعض الاخر.
كما إذا قامت بينة على كون جميع الدار لزيد وبينة أخرى على كون جميعها لعمرو، وطريق الجمع بينهما حينئذ أحد أمور:
الأول: ترجيح إحديهما بالقرعة.
الثاني: التساقط والرجوع إلى القرعة.
الثالث: التساقط والرجوع إلى قاعدة العدل والانصاف فيعطى نصف الدار لزيد ونصفها لعمرو.
الرابع: التبعيض في التصديق فتصدق بينة زيد في نصفها وبينة عمرو في نصفها الآخر فيشتركان وهذا ما قواه الشهيد (ره) ومال إليه الشيخ (ره) في رسائله ولا بأس هنا بلزوم المخالفة القطعية للبينتين لمساعدة بناء العقلاء عليها كالسيرة والرواية.
الثاني: أن لا يكون قابلا للتبعيض كما إذا قامت بينة على بنوة طفل لزيد والأخرى على بنوته لعمرو أو قامت إحديهما على زوجية امرأة لرجل والأخرى على زوجيتها لرجل آخر والحكم حينئذ الاخذ بأحد الأمور المذكورة دون الأخير فان الزوجية والنسب لا يقبلان التبعيض.
الثالث: المتعارضان من أدلة الاحكام يتصوران على أقسام ثلثة:
الأول: المتعارضان غير القابلين للتبعيض في التصديق كما إذا أخبر عدل بوجوب الجمعة وعدل آخر بحرمتها.
الثاني: المتعارضان القابلان للتبعيض مع كونهما ظاهرين في الدلالة، كما إذا روى عدل عن المعصوم أنه قال أكرم العلماء وروى آخر أنه قال لا تكرمهم.
الثالث: المتعارضان القابلان للتبعيض مع كونهما نصين كما إذا روى أحدهما أنه قال يجب اكرام جميع العلماء بلا استثناء; وروى اخر أنه قال يحرم اكرام الجميع بلا استثناء.
ثم إن مبنى المشهور كما ذكرنا هو اخذ سند وطرح آخر ترجيحا أو تخييرا في جميع الأمثلة الثلثة.
ولكن قد وقع الخلاف من بعض في المثال الثاني والثالث، اما الثاني فقد عرفت أن مذهب ابن أبي جمهور فيه هو الجمع الدلالي، بان يؤخذ السندان ويؤول الظاهران.
واما الثالث فحيث انهما نصان لا يمكن التأويل في دلالتهما فقد ذهب بعض إلى اخذ السندين والجمع بين الدلالتين بالتبعيض في التصديق كما ذكرنا في البينتين فيصدق كل واحد من العدلين في بعض ما أخبرا به، وتكون النتيجة (ح) وجوب اكرام البعض كعدولهم مثلا وحرمة اكرام آخرين كفساقهم، الا ان هذا النحو من الجمع مع أنه لا تساعد عليه الأدلة، يستلزم المخالفة القطعية في احكام الله تعالى بلا قيام دليل عليه ولا يقاس هذا بتعارض البينتين لما ذكرنا من السيرة العقلائية فيه.
قاعدة الطهارة هي الحكم ظاهرا بطهارة موضوع خارجي أو عنوان كلى شك في طهارته ونجاسته في الواقع.
فللقاعدة موضوع ومحمول موضوعها المشكوك طهارته في الواقع ومحمولها هو الحكم بالطهارة ظاهرا وترتيب الآثار الشرعية الثابتة للطاهر الواقعي عليه.
تنبيهان:
الأول: الترديد في تعريف القاعدة بين الموضوع الخارجي والعنوان الكلى لبيان انه لا فرق في جريان القاعدة بين كون الشبهة موضوعية أو حكمية.
والأول: كما إذا شك في طهارة عين خارجية لاجل اشتباه الأمور الخارجية، كالشك في أن الثوب المعين هل تنجس بملاقات النجس أم لا.
والثاني: كما إذا شك في طهارة عنوان كلى، وكان منشأ الشك فيها عدم ورود النص أو اجماله أو تعارض بعضه مع البعض الآخر، وذلك نظير الشك في طهارة العصير العنب المغلى ونجاسته، أو في طهارة خرء الطائر غير المأكول لحمه.
الثاني: هذه القاعدة أصل من الأصول المثبتة للحكم الظاهري وليست بامارة حاكية عن الواقع فان ظاهر قوله " عليه السلام ": " كل شئ لك طاهر حتى تعلم انه قذر "، كون الغاية قيدا للموضوع، ومعنى الرواية ان كل شئ لم تعلم قذارته فهو طاهر، فحكم الطهارة مرتب على الموضوع المشكوك في طهارته ونجاسته في الواقع، ومعلوم ان كل حكم رتب على الموضوع المشكوك حكمه فهو حكم ظاهري فمفاد القاعدة حكم ظاهري وهي أصل من الأصول العملية.
قاعدة الفراغ هي حكم المكلف بصحة عمله بعد الفراغ عنه والشك في صحته، فللقاعدة موضوع ومحمول، موضوعها العمل المفروغ عنه المشكوك في صحته وفساده، ومحمولها الحكم بالصحة وترتيب آثارها عليه.
فإذا صلى الشخص صلاة الظهر مثلا ثم شك في صحتها وبطلانها من جهة احتماله ترك جزء أو شرط أو ايجاد مانع أو قاطع، حكم بالصحة ورتب آثارها، وكذا لو توضأ أو اغتسل أو غسل ثوبا بقصد تطهيره أو أوقع بيعا أو إجارة أو نكاحا فشك في صحتها بنى على الصحة في الجميع.
وتفترق هذه القاعدة عن أصالة الصحة في فعل الغير بالاختلاف موضوعا; فان الموضوع في هذه القاعدة عمل نفس الشاك وفى تلك القاعدة عمل الغير.
وعن قاعدة التجاوز بالاختلاف موضوعا ومحمولا وشرطا فان الموضوع في تلك القاعدة المشكوك وجوده والمحمول الحكم بالوجود، بشرط الدخول في عمل آخر غير المشكوك، والمحمول فيما نحن فيه الحكم بالصحة بدون ذلك الشرط.
تنبيه:
الدليل على هذه القاعدة أمور:
أولها: قوله " عليه السلام " في موثقة محمد بن مسلم: " كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو ".
ثانيها: قوله " عليه السلام ": " كلما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكرا فامضه كما هو ولا إعادة عليك ".
ثالثها: موثقة ابن أبي يعفور: " إذا شككت في شئ من الوضوء ودخلت في غيره فشكك ليس بشئ " بناء على رجوع الضمير في غيره إلى الوضوء.
رابعها: بناء العقلاء عليها في اعمالهم العادية فإنهم لا يحكمون بفساد كل عمل صدر عنهم في الماضي مع عدم خلو الانسان غالبا عن الشك في الصحة والفساد.