المفهوم والمنطوق عرفوا المنطوق بأنه حكم مذكور في الكلام لموضوع مذكور.
والمفهوم بأنه حكم غير مذكور تستلزمه خصوصية المعنى المذكور.
وينقسم المفهوم إلى قسمين: المفهوم الموافق والمفهوم المخالف.
فالأول: هو المعنى غير المذكور الموافق للمعنى المذكور; في الايجاب والسلب.
والثاني: هو المعنى غير المذكور المخالف للمذكور فيها، فظهر ان المنطوق والمفهوم وصفان للمعنى دون اللفظ، وان الأول من قبيل المداليل المطابقية والتضمنية، والثاني من قبيل المداليل الالتزامية.
مثال المنطوق والمفهوم الموافق قوله تعالى: " ولا تقل لهما اف " فحرمة التأفيف وهو التلفظ بأف حكم مذكور ومنطوق، وحرمة الضرب والشتم حكم غير مذكور يسمى بالمفهوم; وهذا الحكم لازم لخصوصية المعنى الأول وهي كون التأفيف أدنى مرتبة من الايذاء والعقوق للوالدين، فحرمة الفعل الأدنى بهذه الخصوصية تستلزم حرمة الأعلى.
ومثال المنطوق والمفهوم المخالف ففي مفهوم الشرط، كما إذا ورد: ان جاء زيد فأكرمه، فان وجوب اكرام زيد عند مجيئة منطوق، وعدم وجوبه عند عدم المجئ مفهوم مخالف وهو لازم لخصوصية في المعنى المذكور وهو انفهام كون المجئ علة
منحصرة للوجوب، فلازم العلية المنحصرة انتفاء الحكم عند انتفائها.
وفى مفهوم الوصف كما إذا ورد في الغنم السائمة زكاة، فالوجوب الثابت للسائمة منطوق، وعدمه للمعلوفة مفهوم، والخصوصية هو اشعار الكلام بكون السوم علة منحصرة للوجوب.
وفى مفهوم الغاية كما إذا قيل هذا الغذاء حلال لك إلى مجئ زيد، أو قيل سر من البصرة إلى الكوفة; فيكون عدم الحلية بعد مجئ زيد وعدم وجوب السير بعد دخول الكوفة مفهومين لازمين لخصوصية تحديد الحكم بذلك الحد المعين في المثال الأول; وتحديد الموضوع بالحد المذكور في المثال الثاني.
وفى مفهوم اللقب: كما إذا قيل أكرم زيدا فان عدم وجوب اكرام عمر ومفهوم مخالف للزومه لخصوصية حصر الوجوب في زيد والمراد من اللقب الاعلام الشخصية وأسماء الأجناس وغيرها من الجوامد.
وفى مفهوم الاستثناء كما إذا قيل جاءني القوم الا زيدا، فنسبة المجئ إلى قوم ليس فيهم زيد أعني الموضوع المتخصص بتلك الخصوصية تستلزم عدم مجئ زيد وهو مفهوم مخالف، وهذا مبنى على كون كلمة الاستثناء حرفا موضوعا للمعنى الآلي; وهو تخصص القوم بخصوصية عدم كون زيد مثلا فيهم، واما بناء على كونها اسما أو فعلا فيكون الحكم المزبور منطوقا أيضا كقولك استثنى زيدا وقس عليها سائر المفاهيم.
تنبيهان:
الأول: انك قد عرفت أن المعتبر في المفهوم هو كون الحكم غير مذكور; سواء كان الموضوع والمتعلق مذكورين أو كانا غير مذكورين، أو كان الأول مذكورا والثاني غير مذكور أو كان على عكس ذلك، فالأمثلة أربعة.
أولها: كمفهوم الشرط فان الاكرام الذي هو الموضوع وزيدا الذي هو المتعلق مذكوران في الكلام.
ثانيها: كما إذا ورد لا تقل لامك اف واستفدنا منه حرمة ضرب الأب أيضا;
فالضرب والأب موضوع ومتعلق غير مذكورين.
ثالثها: كوجوب الزكاة في السائمة المستفاد منه عدمها في المعلوفة، فالموضوع أي الزكاة مذكور والمتعلق أعني المعلوفة غير مذكور.
رابعها: كآية التأفيف للأبوين بالنسبة إلى ضربهما، فالموضوع أعني الضرب غير مذكور والمتعلق أعني الأبوين مذكور.
الثاني: هل المفاهيم المذكورة كلها حجة أو ليس شئ منها بحجة، أو الموافق منها حجة دون المخالف، أو ان الشرط حجة دون غيره; أو ان الغاية حجة دون غيرها وجوه يرجع إلى مظانها.
المفهوم المردد والفرد المردد يقع التكلم في هذين العنوانين في علم الأصول في باب الاستصحاب فيقال هل يجوز اجراء الاستصحاب في المفهوم المردد أم لا أو هل يجرى في الفرد المردد أم لا.
وتوضيح العنوان الأول: انه لو كان هنا لفظ لم يعلم مفهومه على التفصيل وكان مرددا بين امرين أو أمور كلفظ الكر مثلا إذا فرضنا الجهل بمعناه الشرعي وتردده بين أن يكون ثلاثة وأربعين شبرا تقريبا أو ستة وثلثين فمفهوم الكر مردد بينهما; فإذا علمنا بوجود ماء في الحوض بمقدار المفهوم الأول ثم اخذنا منه مقدارا فنقص وصار بمقدار الثاني، فهل يجوز استصحاب بقاء كريته فيقال انه كان كرا قبل نقصانه فالآن هو أيضا كر، أو لا يجوز الاستصحاب لان الشك ليس في هذا الموجود بل في تعيين المعنى المراد من اللفظ وان المستعمل فيه اللفظ هذا أو ذاك وليس هو بمجرى الاستصحاب; قولان ذكروهما في ذيل مسألة استصحاب الكلى.
ومن ذلك أيضا ما لو شككنا في معنى النهار وانه عبارة عن استتار القرص أو ذهاب الحمرة المشرقية، فإذا استتر القرص ولم تذهب الحمرة جرت مسألة جواز استصحاب النهار وعدمه، ومنه أيضا ما لو شككنا في معنى العدالة وانها ترك الذنوب كلها أو خصوص ترك الكبائر، فإذا كان زيد عادلا قطعا أي تاركا لجميع الذنوب ثم
ارتكب ذنبا صغيرا فالكلام في صحة استصحاب العدالة وعدمها هو الكلام في سابقتها.
والحاصل ان في تلك الأمثلة يشك في بقاء المفهوم لتردده بين ما هو مقطوع الارتفاع وما هو مقطوع البقاء.
وتوضيح العنوان الثاني: انه لو كان هنا لفظ معلوم المفهوم ووجد له مصداق في الخارج وحصل الشك في أن الموجود هل هو الفرد الفلاني أو فرد غيره وتردد الامر بينهما تحقق حينئذ معنى الفرد المردد، فإذا علمنا بوجود حيوان في الدار وشككنا في أنه بق أو فيل فمضت ثلاثة أيام فعلمنا انه لو كان بقا لمات وانعدم ولو كان فيلا كان باقيا، فتارة يتكلم في جواز جريان الاستصحاب في نفس المفهوم الكلى كالحيوان وأخرى يتكلم في جريانه في الفرد المردد، فيقال ان الموجود المردد بين ذاك وذاك، المعلوم وجوده في الثلاثة باق بعدها أيضا بالاستصحاب، وهذا هو استصحاب الفرد المردد، والمشهور عدم جريانه، ولا فرق في الكلى المرددة افراده بين الجنس كالمثال أو النوع والصنف.
المقدمة هي في الاصطلاح مطلق ما يتوقف عليه الشئ فتطلق على العلة التامة وعلى كل جزء من اجزائها.
وتنقسم بانقسامات:
الأول: انقسامها إلى المقدمة الداخلية والخارجية.
والأولى: عبارة عن كل جزء من اجزاء الشئ المركب، فكل جزء مقدمة بالنسبة إلى وجود مجموع ذلك المركب وحصول ماهيته، فللشئ بعدد اجزائه مقدمات داخلية.
فان قلت يلزم على هذا في المقدمات الداخلية اتحاد المقدمة وذي المقدمة فان ذا المقدمة هو المركب والمقدمة هي الاجزاء وهي أيضا عين المركب.
قلت لا يلزم الاتحاد فان ذا المقدمة هو المجموع والمقدمة كل جزء من الاجزاء وليس كل جزء عين الكل قطعا، نعم اللازم هنا اتحاد ذي المقدمة مع جميع المقدمات فان المركب عين جميع الاجزاء فالصلاة ذو المقدمة والركوع مقدمة والسجود مقدمة وهكذا.
والثانية: عبارة عن الأمور الخارجة عن الشئ مما يتوقف الشئ عليه كالصلاة بالنسبة إلى غسل الثوب فهي مقدمة خارجية لها.
الثاني: انقسامها إلى العقلية والشرعية والعادية.
فالأولى: كالصعود بالنسبة إلى الكون على السطح، وطي الطريق بالإضافة إلى الكون في مكة مثلا.
والثانية: كالطهارات الثلاث بالنسبة إلى الصلاة وطهارة الماء والتراب بالنسبة إلى الطهارات.
والثالثة:
والثالثة: كالتلبس بلباس خاص بالنسبة إلى الحضور عند بعض العظماء مثلا أو كالدخول من الباب بالإضافة إلى الكون في داخل البيت مع امكان الدخول من كوة في السطح وكركوب خصوص السيارة للكون في مكة فإنه وان كان الجامع بين الامرين أو الأمور مقدمة عقلية الا ان خصوص الدخول من الباب وركوب السيارة مقدمة عادية لامكان ايجاد ذي المقدمة بلا اتيان هذه المقدمة عقلا.
الثالث: انقسامها إلى المتقدمة والمقارنة والمتأخرة زمانا بالنسبة إلى ذي المقدمة، وينقسم كل منها أيضا إلى ثلاثة أقسام لان كلا منها اما أن يكون مقدمة للحكم التكليفي أو للحكم الوضعي أو للمأمور به، فالأقسام تسعة ثلاثة للمقدمة المتقدمة زمانا وثلاثة للمقارنة وثلاثة للمتأخرة.
فالمقدمة المتقدمة للحكم التكليفي كما إذا ورد ان جاء زيد فأكرمه بعد مجيئه بيوم، فمجئ زيد اليوم مقدمة لحدوث وجوب اكرامه في الغد.
والمقدمة المتقدمة للحكم الوضعي كالعقد في الوصية، فان ملكية الموصى له للعين الخارجية بعد موت الموصى موقوفة على الانشاء السابق الواقع من الموصى.
والمقدمة المتقدمة للمأمور به كالطهارات الثلث بالإضافة إلى الصلاة، والأغسال الليلية للمستحاضة بالنسبة إلى صوم اليوم البعدى، بناء على كون المقدمة نفس تلك الأفعال لا الحالة الحاصلة منها المقارنة للعمل.
واما أقسام المقدمة المقارنة، فالمقارنة للحكم التكليفي كالبلوغ والعقل والقدرة بالنسبة إلى وجوب الصلاة والصيام ونحوهما، فيشترط وجودها حاله ولا يلزم تقدمها
زمانا.
والمقارنة للحكم الوضعي كشرائط المتعاقدين من البلوغ والعقل بالنسبة إلى حصول الملكية والزوجية وغيرهما.
والمقارنة للمأمور به كالاستقبال والستر وطهارة الثوب بالنسبة إلى الصلاة.
واما أقسام المقدمة المتأخرة.
فالمتأخرة عن الحكم التكليفي كما إذا ورد ان سافر زيد فأكرمه قبل ذلك بيوم، فسفره في الغد مقدمة لوجوب اكرام اليوم، وكذا سببية يوم الجمعة لاستحباب غسلها في يوم الخميس لمن لم يتمكن منه يومها، وسببية يوم الفطر لوجوب الفطرة من أول شهر رمضان على القول به.
والمتأخرة عن الحكم الوضعي كإجازة المالك في عقد الفضولي عن القول بالكشف، فان الملكية الموجودة حال العقد تتوقف على الإجازة المتأخرة بناء على ذلك القول.
والمتأخرة عن المأمور به كالأغسال الليلية للمستحاضة بالإضافة إلى صوم يومها الماضي، فالصوم المتقدم يتوقف على الغسل المتأخر.
الرابع: انقسامها إلى مقدمة الوجود ومقدمة الصحة ومقدمة الوجوب ومقدمة العلم أعني العلم بامتثال التكليف.
فالأول: كالاجزاء والشرائط الركنية مما له دخل في تحقق مسمى المأمور به بالإضافة إلى المأمور به على القول بالأعم ومثل جميع الأجزاء والشرائط على القول بالصحيح فالركوع مثلا مقدمة وجودية للصلاة على الأعم والقراءة، وطهارة الثوب أيضا مقدمة وجودية لها على الصحيح.
والثانية: كالجزء اللازم غير الركني مثل السورة والذكر في الصلاة فإنه مقدمة للصحة لا للوجود بناء على الأعم إذ الوجود يتحقق بدونه أيضا.
والثالثة: كالاستطاعة بالنسبة إلى الحج فإنها شرط لوجوبه لا لوجوده.
والرابعة: كالعمل على طبق الاحتياط في أطراف العلم الاجمالي، فإذا علم المكلف اجمالا بوجوب صلاة واحدة يوم الجمعة قبل صلاة العصر، وشك في أنها الظهر