فاستصحاب الحياة ينفع لترتيب حرمة التصرف في ماله واما لزوم التصدق بدرهم أو دينار في المثال السابق فاثباته يحتاج إلى اجراء الاستصحاب في نفس التنفس والتلبس وهذا معنى ما اشتهر من أن الأصل المثبت غير حجة، ومرادهم ان الأصل الذي يراد به اثبات اللوازم للمستصحب ليترتب عليها آثارها لا يكون بحجة.
فان قلت إذا حكم الشارع بحيوة زيد مثلا بالاستصحاب فلازمه ترتيب آثار التنفس والتلبس ونحوهما أيضا إذ الملازمة بينهما واضحة عقلا وعادة فكيف يحكم بترتيب آثار الحياة دون آثارها.
قلت المفروض ان أصل الحياة ولوازمها كلها مشكوكة وجدانا وحكم الشارع بترتيب الآثار تعبدا لم يثبت الا في خصوص ما وقع مجرى الاستصحاب وهو الحياة فالجوانب لم تحرز بعد بالقطع ولا بحكم تعبدي بترتيب آثارها.
الأصول عرفوا المعنى الاصطلاحي لهذه الكمة بتعاريف كثيرة:
والأولى: تعريفها بأنها العلم بالقواعد الممهدة لرعاية الأحكام الشرعية الفرعية اثباتا أو اسقاطا.
فخرج بالعلم بالقواعد علم الفقه فإنه علم بنفس الأحكام الشرعية والوظائف العملية لا بالقواعد المعدة لكشف حالها.
وبعبارة أخرى هنا قواعد معينة مدونة قابلة لان يصل بها الباحث إلى الأحكام الفرعية والوظائف العملية; فالعلم بتلك القواعد يسمى بعلم الأصول، والعلم بتلك الاحكام والوظائف يسمى بعلم الفقه.
مثلا إذا وقع البحث عن خبر الثقة وأثبتت له الحجية، سميت النتيجة مسألة أصولية، والعلم بها علم الأصول، وإذا جعلت تلك النتيجة كبرى لقياس مؤلف، فقيل وجوب الجمعة مما أخبر به الثقة وكلما أخبر به الثقة ثابت فالوجوب ثابت; سميت النتيجة مسألة فقهية والعلم بها فقها واجتهادا.
وخرج بقيد الرعاية القواعد التي لم يكن تمهيدها لخصوص رعاية الاحكام كعلم اللغة والمنطق وغيرهما.
وخرج بالتقييد بالفرعية ماله دخل في استخراج الأحكام الشرعية الأصولية كوجوب الاعتقاد بالمبدء تعالى والمعاد وسفرائه إلى العباد.
ثم إن تلك القواعد أعم مما يوجب القطع بالحكم وغيره، ومن الشرعية والعقلية، ومن الامارات والأصول، ومن مثبتات الاحكام ومسقطاتها فيدخل في التعريف حجية نصوص الكتاب والأخبار المتواترة وهي مفيدة للقطع، وحجية ظواهر الكتاب واخبار الآحاد وهي تفيد الظن ويدخل أيضا الحديث والاجماع والشهرة مثلا وهي امارات، والاستصحاب والبراءة والاحتياط وهي أصول عملية، ويدخل أيضا اخبار الآحاد واستصحاب والبراءة النقلية وهي قواعد شرعية، والظن الانسدادي على الحكومة وقاعدة الملازمة والبراءة والاحتياط العقليين ونحوهما وهي قواعد عقلية; ويدخل أيضا كل امارة أو أصل مثبت حكما من الاحكام وكلما ينفيه ويسقطه.
تنبيهان:
الأول: مقتضى التعريف المذكور انه ليس لهذا العلم موضوع معين معلوم المفهوم، بل هو القدر الجامع بين شتات موضوعات المسائل فبعد وقوع البحث عن خبر العدل وظاهر الكتاب والظن والانسدادي واليقين بثبوت شئ والشك في بقائه ونحوها ينتزع من تلك الموضوعات عنوان جامع يكون هو موضوع العلم وسيأتي الكلام في ذلك تحت عنوان الموضوع.
الثاني: مسائل هذا العلم عبارة عن النتائج الحاصلة من أبحاثه القابلة لان تقع كبرى كلية في مقام الاستنباط كحجية الخبر والملازمة بين وجوب الشئ ووجوب مقدمته ولزوم ابقاء ما كان ونحوها وبذلك يعلم ان الغرض منه النيل إلى هدف الاستنباط وتحصيل الأحكام الشرعية.
الاطراد وعدم الاطراد إذا أطلق لفظ على معنى باعتبار لحاظ ملاك وخصوصية كاطلاق لفظ العالم على زيد باعتبار وصف العالمية وأريد ان يعلم ان هذا الاطلاق هل هو بنحو الحقيقة أو المجاز فلا بد من الاختبار; فان صح اطلاقه على كل شئ كان له ذلك الوصف كعمرو العالم وغيره يطلق على هذا المعنى الاطراد; أي شيوع استعمال اللفظ في المصاديق الواجدة لملاك الاستعمال، ويجعل ذلك علامة على كون اللفظ حقيقة في ذلك المعنى وإن لم يصح الاطلاق كان ذلك علامة المجاز ويسمى بعدم الاطراد، كاستعمال لفظة أسد في زيد باعتبار مشابهته بالأسد فإنه لا يصح استعماله في كل شئ كان شبيها بالأسد في شئ من الصفات وبشباهة ما من الشبه. فاللفظ هنا كلمة أسد والمستعمل فيه زيد والملاك والخصوصية هي الشباهة في شئ من الصفات فمع وجود هذا الملاك في فرد آخر كعمرو مثلا لا يصح الاستعمال وهو معنى عدم الاطراد وجعلوه قرينة على أن استعمال أسد في زيد مجاز.
ولا يخفى عليك ان هذا البيان يتم لو كان المراد من الملاك أصل الشباهة بلا لحاظ مصاديقها فان استعمال أسد في زيد لشبه الشجاعة لا يصحح استعماله في الحجر لشبه الصلابة أو في المعز لكثرة الشعر، واما لو كان الملاك في الاستعمال نوعا
مخصوصا من العلائق وقسما معينا من الشباهات كالشجاعة مثلا فيطرد الاستعمال هنا أيضا; فكل حيوان كان له شجاعة مثل الأسد صح الاستعمال فلا يكون الاطراد من علائم الحقيقة.
الأقل والأكثر (الاستقلاليان والارتباطيان) هما في الاصطلاح عبارة عن فعلين أحدهما أقل من الاخر في الكمية ملحوظين في مقام تعلق التكليف، فإذا علم بتوجه بعث أو زجر وشك في أنه تعلق بالقليل أو الكثير تحقق عنوان دوران الامر بين الأقل والأكثر وجرى الاختلاف والبحث في أنه هل يجب اتيان بالأكثر أو انه يكفى الأقل أيضا، أو انه هل يحرم اتيان بالأكثر فقط أو يحرم الأقل أيضا.
ثم إن معنى الاستقلاليين كون اتيان الأقل على فرض تعلق الحكم بالأكثر في الواقع، مجزيا بمقدار الأقل وامتثالا في الشبهة الوجوبية وعصيانا بمقداره ومخالفة في الشبهة التحريمية، بخلاف الارتباطيين فإنه لو كان التكليف متعلقا بالأكثر في الواقع لكان اتيان الأقل لغوا وفاسدا لا طاعة فيه ولا مخالفة كما سيظهر من أمثلة الباب.
وبعبارة أخرى التكليف في الاستقلاليين متعدد، فالمكلف يعلم بوجود تكليف أو تكليفين مثلا ويشك في وجود ما زاد عنه، بخلاف الارتباطيين فان التكليف فيهما واحد لا شك فيه وانما الشك في أنه متعلق بالأقل أو بالأكثر، ومن هنا قالوا ان مرجع الشك في الاستقلاليين إلى الشك في التكليف وفى الارتباطيين إلى الشك في المكلف به.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن الأقل والأكثر اما ان يكونا استقلاليين أو ارتباطيين وعلى كلا التقديرين فاما ان يلاحظا في الشبهة الوجوبية أو في الشبهة التحريمية.
فهنا صور أربع:
الأولى: الأقل والأكثر الاستقلاليان في الشبهة الوجوبية ومثاله ما إذا علم المكلف بفوات صلوات منه وشك في عددها وانها ثلث أو أربع، فهو عالم بتعلق الوجوب وشاك في وجوب القليل أو الكثير; وكذا إذا علم بان عليه دين لزيد وشك في أنه درهم أو درهمان.
فذهب الأكثر فيه إلى وجوب اتيان الأقل واجراء أصالة البراءة عن الأكثر; إذ قد عرفت أن الشك هنا يرجع إلى الشك في التكليف المستقل بالنسبة إلى ما زاد عن الأقل فتجرى البراءة.
الثانية: الأقل والأكثر الاستقلاليان في الشبهة التحريمية، ومثاله ما إذا علم الجنب أو الحايض بحرمة قراءة العزائم وشك في أن المحرم خصوص آية السجدة أو جميع اجزاء السورة فيقول ان التكليف بالأقل معلوم وما زاد منه مشكوك يجرى فيه أصالة البراءة.
الثالثة: الأقل والأكثر الارتباطيان في الشبهة الوجوبية وهذا القسم هو المهم المقصود بالبحث للأصوليين والاختلاف بينهم فيه كثير ويسمونه تارة بالأقل والأكثر الارتباطيين، وأخرى بالشك في جزئية شئ للمأمور به أو شرطيته له. مثاله ما لو علم بتكليف وجوبي وشك في أنه تعلق بالصلاة مع السورة أو بالصلاة بلا شرط السورة فالتكليف معلوم ومتعلقه مردد بين الأقل والأكثر فيرجع هذا الشك إلى الشك في جزئية السورة للصلاة وعدمها.
والأقوال فيه ثلاثة:
أحدها: جريان البراءة العقلية والنقلية بالنسبة إلى تعلق التكليف بالأكثر.
فيقال الأصل عدم تعلق الوجوب بالصلاة المركبة من السورة مثلا واما تعلقه بالأقل فهو معلوم لا مورد للبرائة فيه أو جريان حديث الرفع وغيره بالنسبة إلى الحكم الوضعي أعني جزئية المشكوك واليه ذهب الشيخ (ره) في رسائله.
ثانيها: جريان البراءة الشرعية في الجزئية ورفعها بأدلة البراءة الشرعية دون البراءة
العقلية، بل المورد بحسب العقل من موارد الاحتياط وهذا مذهب صاحب الكفاية (قده).
ثالثها: عدم جريانها مطلقا بل لزوم الاحتياط باتيان الأكثر، ويظهر هذا من كلمات بعض المتأخرين وربما ينسب إلى بعض المتقدمين أيضا.
الرابعة: الأقل والأكثر الارتباطيان في الشبهة التحريمية; مثاله ما إذا علمنا بحرمة تصوير ذوات الأرواح نقشا واو تجسيما وشككنا في أن الحرام هل هو نقش تمام الصورة أو ان البعض أيضا كذلك فالحرمة معلومة والشك انما هو في تعلقها بالأقل أو بالأكثر وحكم الارتباطيين في هذه الشبهة يباين حكم الارتباطيين في الوجوبية، فالأكثر هنا معلوم الحرمة والأقل مشكوك تجرى فيه البراءة كما أن الأكثر كان هناك مشكوكا والأقل معلوم الوجوب.