بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 127

ومثله قوله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ)[1]ففي موضع (أَنِ) قولان:
أحدهما: أن يكون بتقدير الباء، أي: أرسلناه بأن اعبدوا الله فانتصب بالنزع.
والثاني: أن تكون (أَنِ) بمعنى «أي» المفسرة.
وأما قوله في التنزيل: (لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ)[2]و (لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ)[3](لا جَرَمَ أَنَّهُمْ/ فِي الْآخِرَةِ)[4]فبعضهم يحمله على إضمار «من» .
أي: من أن لهم النار[5]، فيحمل «لا جرم» على معنى: لا بد. وهذا لا يصح، لأن «جرم» يقتضى مرفوعاً، لأنه فعل ماض عندنا.
وذهب الفراء[6]إلى أن «جرم» معمول «لا» وهو اسم، وهو جار مجرى القسم.
وقيل: إن «أن» منصوبة الموضع، مفعول «جرم» .
وقال بعض الكوفيين: جرم: أصله الفعل الماضي، فحول عن طريق الفعل، ومنع التصرف، فلم يكن له مستقبل ولا دائم ولا مصدر، وجعل مع «لا» قسما، وتركت «الميم» على فتحها الذي كان عليها فى المضي، كما نقلوا
[1]النحل: 36.
[2]النحل: 62. [.....]
[3]غافر (المؤمن) : 43.
[4]هود: 22، والنحل: 109 وقد كتبت الآية في الأصل «لا جرم أن لهم في الآخرة» .
[5]كأن في الكلام استكفاء، لعدوله عن التقدير في الآيتين الأخريين.
[6]هو يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور، أبو زكريا، إمام الكوفيين. وله كتاب المعاني في التفسير، والجمع والتثنية في القرآن، وغيرهما. توفي سنة 207 هـ.


صفحه 128

«حاشى» - وهو فعل ماض، مستقبله: يحاشى، ودائمه: محاش، ومصدره: محاشاة- من باب الانفعال إلى باب الأدوات، لما أزالوه عن التصرف.
والصحيح أنه فعل ماض، وتجعل «لا» داخلة عليه، وهو مذهب سيبويه.
ومن أصحابه من يجعلها جواباً لما قبله. ومثله: يقول الرجل كان كذا وكذا، وفعلوا كذا، فيقول: لا جرم أنهم سيندمون.
وبين غير الخليل[1]وقال: إنه رد على أهل الكفر فيما قدروه، من اندفاع عقوبة الكفر ومضرته عنهم يوم القيامة.
وقد ذكر حجاج هؤلاء في «المختلف»[2].
ومن ذلك قوله تعالى: (لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً)[3]أي، كدعاء بعضكم على بعض. فالمصدر في قوله (دُعاءَ الرَّسُولِ) مضاف إلى الفاعل، أي: كدعاء الرسول عليكم.
وقيل: لا تجعلوا دعاءه إياكم إلى الحرب كدعاء بعضكم بعضا إليها، فيكون أيضاً مضافاً إلى الفاعل.
[1]هو ابو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي، اللغوي الأديب، وكانت وفاته سنة 170 هـ.
[2]لعله: «مختلف الرواية» لعلاء الدين محمد بن عبد الحميد، المعروف بالعلاء السمرقندي المتوفي سنة 552 هـ. ذكر فيه مختلف الرواية، وذكر لخلاف كل واحد من الأئمة بابا.
[3]النور: 63.


صفحه 129

وقيل: لا تجعلوا دعاءكم الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا، أي: لا تدعوه ب «يا محمد» ، وادعوه ب «يا نبي الله» ، كقوله تعالى: (وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ)[1]فيكون المصدر مضافاً إلى المفعول.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ)[2]أي: يسير في منازل، سائراً فيها.
ومن ذلك قوله تعالى: (لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ)[3]قيل: التقدير: بعلم اليقين لترون، فحذف الجار.
وقيل: بل هو نصب على المصدر.
ومن ذلك قوله تعالى: (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ)[4]أي: بخير، فحذف الباء.
ويجوز أن يكون التقدير: فمن تطوع تطوعاً خيراً، فحذف/ الموصوف.
ومن ذلك قوله تعالى: (آتِنا غَداءَنا)[5].
قال أبو علي: (آتِنا) ليس من الإعطاء، إنما هو من، أتى الغداء وآتيته، كجاء وأجأته، ومنه قوله تعالى: (تُؤْتِي أُكُلَها)[6]أي: تجىء.
و (آتِنا غَداءَنا) يتعدى إلى غدائنا بإرادة الجار، لا بد من ذلك لأن الهمزة لا تزيده إلا مفعولاً واحداً بخلاف (وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ)[7]
[1]الحجرات: 2.
[2]يس: 39.
[3]التكاثر: 5.
[4]البقرة: 184.
[5]الكهف: 62.
[6]إبراهيم: 25.
[7]إبراهيم: 34. [.....]


صفحه 130

(وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ)[1]لأنه من الإعطاء إذ هو متعد إلى ضمير الموصول، وإلى الكاف والميم. وقد عددت لك هذه الآى.
وقد قال سيبويه في الباب المترجم عنه: «فهذا باب ما ينتصب من الأسماء ليست بصفة ولا مصادر، لأنه حال يقع فيه الأمر، فينتصب لأنه مفعول فيه»[2].
قال: وزعم الخليل أن قولهم: ربحت الدرهم درهما، محال حتى يقولوا: في الدرهم، أو للدرهم. كذلك وجدنا العرب تقول.
[3]ومن زعم أنه يريد معنى الباء واللام ويسقطها، قيل له: أيجوز أن تقول له: مررت أخاك، وهو يريد بأخيك؟ فإن قال: لا يقال فإن هذا لا يقال أيضا.
[1]الحشر: 7.
[2]الكتاب (1: 195) .
[3]النقل من هنا فيه بعض تصرف.


صفحه 131

الباب الخامس
باب ما جاء في التنزيل وقد زيدت فيه «لا» و «ما» وفي بعض ذلك اختلاف، وفي بعض ذا اتفاق وقد ذكر سيبويه[1]زيادة «لا»[2]في قوله: «أما العبيد فذو عبيد» :
«وأما قول الناس للرجل: أما أن يكون عالما فهو عالم وأما أن يعلم شيئاً فهو عالم. وقد يجوز أن تقول: أما أن لا يكون يعلم فهو يعلم وأنت تريد: أن يكون كما جاءت: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ)[3]في معنى: «لأن يعلم أهل الكتاب، فهذا يشبه أن يكون بمنزلة المصدر» في كلام طويل.
فمن ذلك قوله تعالى: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)[4]ف «لا» في قوله: (وَلَا الضَّالِّينَ) زيادة. وجاءت زيادتها لمجىء (غَيْرِ) قبل الكلام، وفيه معنى النفي.
ألا ترى أن التقدير: لا مغضوباً عليهم ولا الضالين، وكما جاء:
(وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ)[5]فكرر «لا» وهي زيادة، وكذلك هذا.
[1]الكتاب (1: 194- 195) .
[2]يريد: عند قوله: أي عند الكلام على وجوه الأعراب في هذه العبارة: «أما العبيد ... إلخ» .
[3]الحديد: 29.
[4]الفاتحة: 7.
[5]فاطر: 22.


صفحه 132

ومن ذلك قوله تعالى: (قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ)[1].
والتقدير: ما منعك أن تسجد، ف «لا» زائدة.
وقيل: في قوله تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ)[2]إن «لا» زائدة[3].
والمعنى: وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون، فيمن فتح «أن» .
ولما كان فتح «أن» يؤدي إلى زيادة «لا» عدل الخليل إلى أنّ «أن» من قوله «أنها» بمعنى: لعلها. قال: والمعنى: وما يشعركم لعلها إذا جاءت لا يؤمنون لأن في حملها على بابها عذراً لهم في ترك الإيمان حيث لم ينزل الآية، وذلك لأنه إذا قال: وما يشعركم أن الآيات إذا جاءت لا يؤمنون، فالمعنى: لو جاءت آمنوا. فلما كان كذلك حملها على «لعل» .
وقيل: بل إن «أن» على بابها. والتقدير: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون، فيكون من باب حذف الجمل.
وقال قوم: بل في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: إنما الآيات عند الله ولا ينزلها، لأنها إذا جاءت لا يؤمنون.
فهذه ثلاثة أقوال.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ)[4]قالوا: «لا» زائدة. والتقدير: وحرام على قرية أهلكناها رجوعها إلى الدنيا،
[1]الأعراف: 12.
[2]الأنعام: 109.
[3]يضعف الرازي في كتابه «مفاتيح الغيب» (3: 130) هذا الرأي نقلا عن الزجاج.
[4]الأنبياء: 95.


صفحه 133

ف «لا» زائدة وقال أبو علي: إن قوله: (أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ)[1]داخل في المصدر، الذي هو حرام وخبر «حرام» مضمر. والتقدير: وحرام على قرية أهلكناها بأنهم لا يرجعون، موجود، أو كائن، أو مقضى. أي حرام عليهم بالاستئصال وجودهم في الدنيا أو رجوعهم إليها.
وأما قوله تعالى: (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)[2]لا يخلو «لا» من أن يكون لتأكيد النفي، كالتي في قولك: ما قائم زيد ولا عمرو. فيفيد أن كل واحد منتف على حياله. أو يكون «لا» نفيا مستأنفا. فالدلالة على الوجه الأول أنك لو حملته على الوجه الثاني لم يجز حتى تكررها، كما تقول: لا زيد عندك ولا عمرو. فلما لم تكرر علمت أنها على الوجه الأول.
ولا يكون مثل:
حياتك لا نفع وموتك فاجع[3]لأن ذلك يقع في الشعر.
فأما قوله تعالى: (لا أُقْسِمُ)[4]فقيل: «لا» زائدة. وقيل: «لا» رد لكلامهم: (لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ) . فقال: لا. أي: ليس الأمر كما تظنون.
[1]أنبياء: 95.
[2]البقرة: 38. [.....]
[3]عجز بيت لرجل من بني سلول، وصدره:
وأنت امرؤ منا خلقت لغيرنا
[4]القيامة: 1.


صفحه 134

ومن ذلك/ قوله تعالى: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ) «1» قالوا: التقدير:
ليعلم أهل الكتاب ولا، زائدة. أجمعوا على هذا، غير ابن بحر «2» فإنه زعم أن الأولى ألا يكون في كلام الله شذوذ وما يستغنى عنه. والذي يوجبه اللفظ على ظاهره أن يكون الضمير في (يَقْدِرُونَ)[3]للنبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين. والمعنى: لئلا يعلم اليهود والنصارى أن النبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين لا يقدرون على ذلك، وإذا لم يعلموا أنهم لا يقدرون فقد علموا أنهم يقدرون عليه. أي إن آمنتم كما أمرتم آتاكم الله من فضله فعلم أهل الكتاب ذلك ولم يعلموا خلافه. والعلم في هذا ومثله يوضع موضع وقوع الفعل لأنه إنما يعلم الأشياء واقعة بعد وقوعها.
قال أبو سعيد السيرافي[4]: إن لم تجعل «لا» زائدة جاز لأن قوله:
(يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ)[5]أي: يفعل بكم هذه الأشياء ليتبين جهل أهل الكتاب وأنهم لا يعلمون ما يؤتيكم الله من فضله، لا يقدرون على تغييره وإزالته عنكم. فعلى هذا لا يحتاج إلى زيادة «لا» .
(1، 2) الحديد: 29.
[3]هو أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المولود سنة 163 هـ- 780 م- المتوفى سنة 255 هـ- 869 م- ومن كتبه «مسائل القرآن» ولعله هو الذي منه النقل هنا.
[4]هو أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي النحوي. كان مولده سنة 284 هـ- 897 م- ووفاته سنة 368 هـ- 979 م.
[5]الحديد: 28، 29.