وفي كلا الوجهين تصغير «إرواد» تصغير الترخيم، أو تصغير «رود»[1].
فأما قوله تعالى: (قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ)[2]فالتقدير: ارجعوا ارجعوا و «وراءكم» لا موضع له لأنه تكرير. ألا ترى قولهم: وراءك أوسع لك[3].
وأما قوله تعالى: (هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ)[4]«فهيهات» مبنية على الفتح.
وهو اسم ل «بعد» . والفاعل مضمر فيه. والتقدير: هيهات إخراجكم لأنه تقدم أنكم تخرجون. ولا يصح قول من قال: إن التقدير: البعد لما توعدون، أو البعيد لما توعدون، لأن هذا التقدير لا يوجب لها البناء على الفتح، وإنما يوجب بناءه كونه في موضع «بعد» ، كسرعان، في موضع سرع، وقد ذكرته في «المختلف» .
وأما قولهم: «إيها» وقوله عليه السلام: «إيها أصيل[5]، دع القلوب تقر»[6].
فإيها، مبني على الفتح، وهو بالتنوين، اسم «لكفّ» ، وهو نكرة.
[1]في الأصل: «مرود» .
[2]الحديد: 13. [.....]
[3]ساق ابن منظور هذا القول وقال: «تنصب بالفعل المقدر، وهو: تأخر» .
[4]المؤمنون: 36.
[5]هو أصيل الخزاعي وكان قدم على النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فقال له صلى الله عليه وسلم: كيف تركت مكة؟ فوصفها له أصيل (النهاية لابن الأثير، إيه) .
[6]أي كف واسكت.
الباب السابع
هذا باب ما جاء في التنزيل من أسماء الفاعلين مضافة إلى ما بعدها، بمعنى الحال أو الاستقبال فمن ذلك قوله تعالى: (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) «1» . الإضافة فيه إضافة غير تحقيقيه، وهو في تقدير الانفصال، والتقدير: مالك أحكام يوم الدين وإذا كان كذلك لم يكن صفة لما قبله، ولكن يكون بدلا.
فإن قلت: إنه أريد به الماضي فأضيف فجاز أن يكون وصفاً لما قبله، والمعنى معنى المستقبل، كما قال: (وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ)[2].
فالوجه الأول أحسن لأنه ليس في لفظه ما يدل على الماضي، والشيء إنما يحمل في المعنى على ما يخالف في اللفظ، نحو «نادى» ، يقال لفظه لفظ الماضي والمعنى المستقبل، وهذا التقدير لا يصح في (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) «3» إذ لا يقال: لفظه لفظ الماضي ومعناه المستقبل.
ومن ذلك قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ)[4]لولا ذلك لم يجز خبراً على «كل» لأنه لا يكون المبتدأ نكرة والخبر معرفة.
نظيره في الأنبياء: (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ)[5].
(1، 3) الفاتحة: 3.
[2]الأعراف: 44.
[4]آل عمران: 18.
[5]الأنبياء: 35.
ومن ذلك قوله تعالى: (هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ)[1]أي: بالغاً الكعبة، إضافة في تقدير الانفصال، أي هديا مقدرا به بلوغ الكعبة، ليس أن البلوغ ثابت في وقت كونه هديا فإنما الحال هنا كالحال في قوله تعالى:
(وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها)[2]أي: مقدرين الخلود فيها.
ومثله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ثانِيَ عِطْفِهِ)[3]أي: ثانياً عطفه، والإضافة في تقدير الانفصال، لولا ذلك لم ينتصب على الحال.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ)[4]أي سابق النهار.
والتقدير به التنوين.
ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ)[5]أي: لذائقون العذاب الأليم، فالنية به ثبات النون لأنه بمعنى الاستقبال.
ومن ذلك قوله تعالى: (هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ)[6]هو في تقدير التنوين، دليلة قراءة من نوّن ونصب «ضرّه» و «رحمته» .
ومن ذلك قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ)[7]أي: مستقبلا أوديتهم.
[1]المائدة: 95.
[2]هود: 109.
[3]الحج: 8، 9.
[4]يس: 40.
[5]الصافات: 38.
[6]الزمر: 38. [.....]
[7]الأحقاف: 24.
ومثله ما بعده: (عارِضٌ مُمْطِرُنا)[1]أي: عارض ممطر إيّانا، لولا ذلك لم يجز وصفاً على النكرة.
ومن ذلك قوله: (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها)[2]، دليله قراءة «يزيد» «منذر من يخشاها» بالتنوين.
فهذه الأسماء كلها إذا أضيفت خالفت إضافتها إضافة الماضي، نحو قوله تعالى: (فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً)[3]لأن الإضافة في نحو ذلك صحيحة، وتوصف به المعرفة ألا ترى أن «فالق» صفة لقوله (ذلِكُمُ اللَّهُ)[4]وإنما صحت إضافته لأنه لا يعمل فيما بعده، فلا يشبه الفعل، وإذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال عمل فيما بعده، لأنه يشبه «يفعل» بدليل أن «يفعل» أعرب.
فأما قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ)[5].
وقوله تعالى: (فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ)[6].
وقوله تعالى: (وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ)[7].
وقوله تعالى: (إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ)[8].
[1]الأحقاف: 24.
[2]النازعات: 45.
[3]الأنعام: 96.
[4]الأنعام: 95.
[5]البقرة: 223.
[6]الأعراف: 134.
[7]النحل: 7.
[8]العنكبوت: 33.
وقوله تعالى: (إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ)[1].
وقوله تعالى: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ)[2].
فالهاء والكاف عند سيبويه في موضع الجر بالإضافة، لكف «النون» ، كما أن الظاهر في قوله: (سابِقُ النَّهارِ)[3]وقوله: (لَذائِقُوا الْعَذابِ)[4]جر، وإن كانت الإضافة في تقدير الانفصال.
وعند الأخفش: الكاف والهاء في موضع النصب، بدليل قوله:
(وَأَهْلَكَ) «5» فنصب المعطوف، فدل على نصب المعطوف عليه.
وسيبويه يحمل قوله: (وَأَهْلَكَ) «6» على إضمار فعل، كما يحمل: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً)[7]على إضمار فعل.
وكذلك: (وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً)[8].
فسيبويه يعتبر المضمر بالظاهر.
وكما جاز: (ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ)[9]بجر «المسجد» وإضافة «حاضرى» إليه، فكذا هذا.
[1]غافر: 56.
[2]الحج: 67.
[3]يس: 40.
[4]الصافات: 38.
(5، 6) العنكبوت: 33. [.....]
[7]الأنعام: 96.
[8]الكهف: 52.
[9]البقرة: 196.
والأخفش يدعى أن النون لا يمكن إظهارها هنا، لا يجوز (مُنَجُّوكَ)[1]، ولا: (بالِغِيهِ)[2]، ولا: (بالِغُوهُ)[3].
فافترق الحال بين الظاهر والمضمر.
وأما قوله: (فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ)[4]ليس بوصف لله، لأنه نكرة، والإضافة في تقدير الانفصال. بدليل تعلق الظرف به في «أحوج ساعة»[5].
و (أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ)[6]، وقد جاء:
ملك أضلع البرّية ما يو ... جد فيها لما لديه كفاء[7]
فإن «أحسن» مرتفع ب «هو» ، لأنه موضع بناء.
وإن شئت كان بدلاً لأن إضافة «أفعل» في تقدير «من» . فإذا ثبت:
زيد أفضل القوم والتقدير: أفضل من القوم فإضافته غير محضة، لا يتعرف بها، فوجب أن يكون «أحسن» بدلاً لا وصفاً.
ومن ذلك قوله: (وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ)[8]بالكسر، اسم الفاعل، ليكون معرفة فيشاكل المعطوف عليه، ومن فتح[9]، فهو مصدر، أي، ذا ختم.
[1]العنكبوت: 33.
[2]النحل: 7.
[3]الأعراف: 135.
[4]المؤمنون: 14.
[5]جزء من بيت لأوس بن حجر، وهو بتمامه:
فإنا رأينا العرض أحوج ساعة ... إلى الصون من ريط يمان مسهم
ويروي (فإنا وجدنا) .
[6]النحل: 125.
[7]البيت من معلقة للحارث بن حلزة.
[8]الأحزاب: 40.
[9]الذي في كتب اللغة ان «الخاتم» بالفتح والكسر اسم فاعل.
الباب الثامن
هذا باب ما جاء في التنزيل من إجراء «غير» في الظاهر على المعرفة فمن ذلك قوله تعالى: (صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)[1]. قال قوم: إنما انجر «غير» لأنه بدل من «الذين» وهو معرفة، ولا كلام في هذا.
وقال قوم: بل هو صفة ل «الذين» .
فقيل لهم: إن «غيراً» أبداً نكرة، فكيف تجري وصفاً على المعرفة؟ /.
وإنما قالوا ذلك لأنك إذا قلت: مررت برجل غيرك، فكل الناس غير المخاطب.
وقال أبو إسحاق في ذلك: إن «غيرا» جرى وصفا ل «الذين» هنا، لأن معنى: الذين أنعمت عليهم: كل من أنعم الله عليه منذ زمن آدم إلى قيام الساعة. وليسوا مقصوداً قصدهم.
وقال أبو بكر بن دريد: «غير» إذا أضيف إلى اسم يضاد «الموصوف» وليس له
[1]الفاتحة: 6.
ضد سواه، يتعرف «غير» بالإضافة، كقولك: مررت بالمسلم غير الكافر، وعليك بالحركة غير السكون، لا يضاد المنعم عليهم إلا المغضوب عليهم، فتعرف «غير» .
وقال أبو علي: يشكل هذا بقوله: (أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ)[1].
ومثل (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ) قوله تعالى: (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ)[2]. فمن رفع «غيرا» جعله تابعاً ل «القاعدين» على الوجهين.
وكذا قوله: (أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ)[3]، فيمن جر «غيرا» .
[1]فاطر: 37. [.....]
[2]النساء: 95.
[3]النور: 31.