الباب الثالث عشر
هذا باب ما جاء في التنزيل دالاً على جواز تقديم خبر المبتدأ وإنما ذكرنا هذا الباب لأن أبا علي خيل إلى عضد الدولة أنه استنبط من الشعر ما يدل على جواز ذلك فقال:
ومما يدل على جواز تقديم خبر المبتدأ على المبتدأ قول الشماخ:
كلا يومي طوالة وصل أروى ... ظنون آن مطرح الظّنون[1]
قال: ف «وصل أروى» مبتدأ، و «ظنون» خبره. و «كلا» ظرف لظنون. والتقدير فيه: كلا يومي مشهد طوالة، كأنها رباب بها في اليومين، كقول جرير:
كلا يومي أمامة يوم صدٍ ... وإنْ لم تأتها إلاَّ لماما
المعنى: كلا يومي زيارة أمامة يوم صد. أي: إن زرناها لماما أو دراكا صدت عنا كلا يومي زيارتها.
ولو كان أبو الحسن حاضراً لم يستدل بقول الشماخ، وإنما يتبرك بقوله عزّ من قائل: (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)[2]ألا ترى أن «هم» مبتدأ و «يوقنون» في موضع خبره، والجار، من صلة (يُوقِنُونَ) وقدمه على المبتدأ.
ومثله: (وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ)[3]أي: هم خالدون فى النار.
[1]طوالة: اسم بئر.
[2]البقرة: 4.
[3]التوبة: 17.
وأما قوله تعالى (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ)[1]فليس من هذا الباب، لأن «هم» مبتدأ. و «كافرون» خبره. والجار من صلة الخبر.
وكذلك في هود ويوسف قوله: (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ)[2]«هم» مبتدأ:
و «كافرون» الخبر، والجار من صلة الخبر، فكرر «هم» تأكيداً.
وسأعدُّه في جملة المكررات.
ومثله قوله: (وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ)[3].
«ما فرطتم» في موضع ابتداء، ولا يكون مرتفعاً بالظرف، لأن «قبل» لما بُني خرج من أن يكون خبراً.
ألا ترى أنه/ قال: لا يبنى عليه شيء ولا يبنى على شيء.
فإذا لم يجز أن يكون مستقراً علمت أن قوله: «في يوسف» وأن قوله: «من قبل» معمول هذا الظرف. الذي هو: «في يوسف» وإن تقدم عليه، لأن الظرف يتقدم على ما يعمل فيه، وإن كان العامل معنى قوله: أكلَّ يومٍ لك ثوبٌ؟ والتقدير: لك ثوب كل يوم.
والتقدير: وتفريطكم في يوسف من قبل، فوقع الفصل بين حرف العطف والمبتدأ بالظرف.
وإذا كان كذلك فالفصل فيه لا يقبح في الرفع والنصب كما قبح في الجر.
ويجوز ألا يكون ذلك فصلاً ولكن الحرف يعطف جملة على ما قبل.
[1]الأعراف: 45.
[2]هود: 19، ويوسف: 37.
[3]يوسف: 80.
وكما استدل أبو الحسن بجواز تقديم الخبر على المبتدأ بالبيت، استدل بجواز تقديم خبر كان على كان بقوله: (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ)[1]. والتقدير: أكنتم تستهزئون بالله.
وقد جاء تقديم خبر «كان» ، على «كان» ، في قوله:
(وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ)[2].
وقوله: (هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا)[3].
ف «أينما» في الآيتين خبر «كان» .
وكذلك فى قصة عيسى: (وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ)[4].
فأما قوله: (حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ)[5]ف «ما» موصولة بمعنى: الذي، والفعل بعده صلة له والعائد إليه محذوف، أي: كنتم تدعونه أو تدعونهم، لقوله «ضلُّوا» . والموصول مرفوع بالابتداء، «وأين» خبر مقدم عليه.
بخلاف ما في الآيتين المتقدمتين، لأنها صلة زائدة والتقدير: أين كنتم؟
وأين كانوا؟
[1]التوبة: 65.
[2]الحديد: 4.
[3]المجادلة: 7.
[4]مريم: 31.
[5]الأعراف: 37. [.....]
وكما استدل بهذين فيما ذكرنا استدل بتقديم خبر «ليس» على «ليس» بقوله تعالى: (أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ)[1].
فقال: التقدير: ألا ليس العذاب مصروفاً عنهم يوم يأتيهم.
ف «يوم» ، منصوب بمصروف، وقدمه على «ليس» فدل على جواز: قائماً ليس زيد.
فزعم عثمان أن الآية تحتمل وجهين غير ما قاله.
أحدهما: أن «يوماً» ظرف، والظرف يعمل فيه الوهم، فيجوز تقديم الظرف الذي عمل فيه خبر ليس على ليس، ولا يدل على/ جواز «قائماً ليس زيد» والوجه الثاني: أن «يوماً» منصوب بمعنى «ألا» لأن معنى «ألا» تنبيه.
قال سيبويه: «ألا» تنبيه، تقول: ألا إنه ذاهب. و «ألا» حرف واحد، وليست «لا» التي للنفي دخل عليها الهمزة.
ألا ترى وقوع «إنَّ» بعدها في قوله: (أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ)[2](أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ)[3](أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ)[4]، (أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ)[5].
ولو كانت تلك لم تخل من أن يقع بعدها اسم أو فعل، نحو: ألا رجل، وألا أمرأة، وألا يقوم زيد، ففي وقوع «إن» بعدها دليل على ما ذكرنا.
[1]هود: 8.
[2]هود: 5.
[3]البقرة: 13.
[4]البقرة: 12.
[5]الصافات: 151.
فإن قلت: إذا كان حرف تنبيه فكيف جاز أن يدخل على التنبيه في مثل قوله: ألا يا اسلمى[1]، و (أَلَّا يَسْجُدُوا)[2].
فإنما جاز ذلك: لأن «يا» لما استعمل استعمال الجمل سد مسدها في النداء، جاز دخول هذا الحرف عليه كما جاز دخولها على الجمل.
ويدلك على أنها ليست للنفي قوله تعالى: (أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ)[3]ولو كان نفياً لم يدخل على «ليس» ، إذ تقلب المعنى إلى الإيجاب، وليس الأمر كذلك، لأن معنى النفي «بلا» قائم صحيح في «ليس» هذا، فهذا يدلك على أنها ليست «لا» التي للنفي.
ويدلك على ذلك أيضاً أن «لا» النافية لم تدخل على «ليس» في موضع، فحملها على النافية هنا لا يصح، لأنه لم يوجد له نظير، ف «ألا» بمعنى:
انتبه.
وقد عمل في (يَوْمَ يَأْتِيهِمْ) ، فلا يدل على جواز: قائماً ليس زيدٌ. وإنما يدل عليه: (أَيْنَ ما كانُوا)[4](أَيْنَ ما كُنْتُمْ)[5]لأن «ليس» من أخوات «كان» .
[1]البيت بتمامه:
ألا يا اسلمي يا دارمي على البلى ... ولا زال منهلا بجر عائك القطر
[2]النمل: 25.
[3]هود: 8.
[4]المجادلة: 7.
[5]الحديد: 4.
وقد جاء «ألا» في التنزيل يراد ب «لا» فيه معنى النفي في موضعين في ابتداء الكلام:
أحدهما: قوله (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ)[1].
والموضع الآخر: (أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ) «2» .
وما ذكرناه من أن قوله: (ما فَرَّطْتُمْ)[3]مبتدأ، و (فِي يُوسُفَ) «4» خبره.
لأنه لا يجوز أن يكون (مِنْ قَبْلُ)[5]خبراً لما نقلناه عن سيبويه، يقودك إليه في قول الشاعر:
وما صحب زهرٍ في السنين التي مضت ... وما بعد لا يدعون إلا الأشائما
ألا ترى أن شارحكم زعم أن «ما» موصولة و «بعد» صلته، ولم يكن له حسّ ولا علم بقول صاحب الكتاب من أن «قبل» و «بعد» في حالتي البناء لا يخبر عنهما ولا بهما، ولا توصل بهما الموصولات.
ف «ما» في البيت زيادة غير موصولة كقوله: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ)[6]فأما تقدم خبر «كان» على اسمها فقد شاع عنهم، وجاء في التنزيل في مواضع منها: قوله (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ)
[7]فيمن نصب «البر» وقوله: (وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا)[8]وهي قراءة أهل الأمصار أعني قولهم (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا)[9]فيمن نصب.
[1]الملك: 14.
(4- 2) المطففين: 4.
[3]يوسف: 80.
[5]النساء: 155. [.....]
[6]المائدة: 13.
[7]البقرة: 177.
[8]آل عمران: 147.
[9]الأنعام: 23.
وقوله: (إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا)[1].
وقوله (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ)[2]. فإن «يعلمه» اسم «يكن» و «آية» خبر مقدم على الاسم، وهي قراءة الناس سوى ابن عامر، فإنه قرأ «أو لم تكن» بالتاء، «وآية» رفعا.
فحمله الفارسي على إضمار القصة، وأن «يعلمه» مبتدأ و «آية» ، خبره والجملة خبر (تكن) ، كقوله: (أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ) «3» .
إلا أن التقدير: أو لم تكن القصة، وقوله (تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ) «4» فعل وفاعل في موضع الجر.
ومثل قوله: (وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ)[5]قوله: (ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا)[6].
ومثل قوله: (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)[7]قوله: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)[8].
فهو مبتدأ. و «فى شأن» خبره. أي: هو كائن في شأن كل يوم. ف «كل يوم» ظرف لقوله «في شأن» ف «في شأن» ضمير انتقل إليه من اسم الفاعل، وليس في «كل يوم» ضمير لتعلقه بالظرف دون المضمر.
[1]النور: 51.
[2]الشعراء: 197.
(4- 3) غافر: 50.
[5]الأعراف: 82.
[6]الجاثية: 25.
[7]البقرة: 4.
[8]الرحمن: 29.
وهذا على قول من وقف على قوله «كلّ يوم» ، فهو منصوب ب «يسأله» .
وقوله «هو في شأن» مبتدأ وخبر. ومثل الأول ما حكاه سيبويه من قولهم: أكل يوم لك ثوب.
وأما جعل «أن» بصلته اسم «كان» ، وليس في الآى التي تلوناها، فإنما كان لأن «أن» وصلتها أولى وأحسن لشبهها بالمضمر في أنها لا يوصف [بها][1]المضمر، وكأنه اجتمع مضمر ومظهر.
والأولى إذا اجتمع مضمر ومظهر أن يكون المضمر الاسم من حيث كان أذهب في/ الاختصاص من المظهر، فكذلك إذا اجتمع مع مظهر غيره كان أن يكون اسم كان المضمر والمظهر الخبر أولى.
فلهذا المعنى قال قوم: إذا قلت: في الدار إنك قائم، ونحو قوله:
(وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً)[2](وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ)[3](وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ)[4]. إنما رفع بالظرف لأنه يشبه المضمر. و «غدا الرحيل» ، هو «أن» مع الفعل، فيشبه المضمر.
ويلزم على تشبيه «أن» بالمضمر أن تكون «أن» الناصبة للفعل مرتفعة في قوله بالظرف لاجتماعها مع «أن» فيما ذكرنا.
[1]تكملة يقتضيها السياق.
[2]فصلت: 39.
[3]الروم: 25. [.....]
[4]الروم: 20.