متعلق بمضمر في موضع حال. والتقدير: متلبساً بإحسان، أي محسناً.
ولا يتعلق بالمصدر نفسه، لأنه قد تعلق به «إلى» ، والضمير في «إليه» ، راجع إلى (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ)[1].
ومن ذلك قوله: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ)[2]أي: إلى كرامته.
ومنه قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ)[3]أي: في استيفاء القصاص، أو في شرع القصاص.
ومن ذلك قوله تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ) «4» أي: انتهاك حرمة الشهر الحرام.
(وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ) «5» أي: ذات قصاص.
ومن ذلك قوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ)[6]أي: أشهر الحج أشهر وإن شئت: الحج حج أشهر.
وإن شئت كان: الحج نفس الأشهر، مجازاً واتساعاً، لكونه فيها.
[1]وقيل: اتباع، على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي فالحكم أو الواجب، أو فالأمر اتباع. وجاز أيضا رفعه بإضمار فعل تقديره: فليكن اتباع. وجوزوا أيضا أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، وتقديره: فعلى الولي اتباع القاتل بالدية. وقدروه أيضا متأخرا، تقديره: فاتباع بالمعروف عليه. وأداء، لكونه معطوفا على «اتباع» فيكون فيه من الإعراب ما قدروا في «فاتباع» ويكون «بإحسان» متعلقا بقوله «وأداء» .
وجوزوا أن يكون «وأداء» مبتدأ، و «بإحسان» هو الخبر (تفسير أبي حيان 2: 13- 14) .
[2]البقرة: 156.
[3]البقرة: 179. [.....]
(4- 5) البقرة: 194.
[6]البقرة: 197.
ومن ذلك قوله: (قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ)[1]أي في استعمالهما. ووقع في «الحجة»[2]: في استحلالهما، وهو فاسد، لأن استحلالهما كفر، واستعمالهما إثم.
ومن ذلك قوله تعالى: (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي)[3]أي: ليس من أهل ديني.
ومن ذلك قوله: (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ)[4]أي: فروج نسائكم.
ومثله قوله تعالى: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي)[5]أي: تضييع بني عمي، فحذف المضاف. والمعنى: على تضييعهم الدين، ونبذهم إياه، واطراحهم له، فسأل ربه وليا يرث نبوته.
ومنه قوله تعالى: (قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ)[6]أي:
ملاقون ثواب الله، كقوله تعالى: (مُلاقُوا رَبِّهِمْ)[7].
وقوله تعالى: (أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ)[8]أي: ثوابه. وهذا قول نفاة الرؤية.
ومن أثبت الرؤية لم يقدر محذوفا.
ومن ذلك قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما)[9]أي: فلتحدث شهادة رجل وامرأتين أن تضل إحداهما.
[1]البقرة: 219.
[2]هو كتاب: الحجة في القراءات لأبي علي الحسن بن أحمد الفارسي، المتوفي سنة 377 هـ.
[3]البقرة: 249.
[4]البقرة: 223.
[5]مريم: 5.
[6]البقرة: 249.
[7]البقرة: 46.
[8]البقرة: 223.
[9]البقرة: 282.
وقال أبو علي: لا يتعلق «أَنْ» بقوله: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ ... أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما) «1» لم يسغ، ولكن يتعلق «أن» بفعل مضمر دل عليه هذا الكلام، وذلك أن قوله: (فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ) «2» يدل على قولك: واستشهدوا رجلا وامرأتين، فتعلق «أَنْ» إنما هو بهذا الفعل المدلول/ عليه من حيث [ما] ذكرناه.
قال أبو الحسن[3]في قوله: (فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ) «4» التقدير: فليكن رجل وامرأتان. وهذا قول حسن، وذلك أنه لما كان قوله (أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما) «5» لا بد أن يتعلق بفعل، وليس في قوله: (فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ) «6» فعل ظاهر، جعل المضمر فعلا يرتفع به النكرة ويتعلق به المصدر، وكان هذا أولى من تقدير إضمار المبتدأ الذي هو: ممن شهد به رجل وامرأتان، لأن المصدر الذي هو: أن تضل إحداهما، لا يجوز أن يتعلق به، لفصل الخبر بين الفعل والمصدر.
فإن قلت: من أي الضّربين تكون «كان» المضمرة فى قوله (فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ) «7» هل يحتمل أن تكون الناصبة للخبر، أو تكون التامة؟
فالقول في ذلك أن كل واحد منهما يجوز أن يقدر إضماره، فإذا أضمرت الذي يقتضي الخبر كان تقديره إضمار المخبر: فليكن ممن يشهدون رجل وامرأتان.
(1- 2) البقرة: 282.
[3]أبو الحسن، هو علي بن سليمان بن الفضل النحوي الأخفش الأصغر. توفي 315 هـ (بغية الوعاة ص 238) .
(4، 5، 6، 7) البقرة: 282. [.....]
وإنما جاز إضمار هذه، وإن كان قد قال: لا يجوز: عبد الله المقتول، وأنت تريد: كن عبد الله المقتول، لأن ذكرها قد تقدم، فتكون هذه إذا أضمرتها لتقدم الذكر بمنزلة المظهرة ألا ترى أنه لا يجوز العطف على عاملين؟
ولما تقدم ذكر «كل» فى قوله:
أكلّ امرى تحسبين امرأ ... ونار توقد في الليل[1]نارا
كان «كل» بمنزلة ما قد ذكر في قوله: ونار توقد بالليل ...
وكذلك جاز إضمار «كان» المنتصبة للخبر كما أضمر بعد «إنْ» في قوله:
إن خنجراً فخنجر، لما كان الحرف يقتضيها.
ويجوز أن تضمر التامة التي بمعنى الحدوث والوقوع لأنك إذا أضمرتها أضمرت شيئاً، وإذا أضمرت الأخرى احتجت أن تضمر شيئين، وكلما قل الإضمار كان أسهل، فأيهما أضمرت فلا بد من تقدير المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. المعنى: فليحدث شهادة رجل وامرأتين، أو يقع، أو نحو ذلك. ألا ترى أنه ليس المعنى: فليحدث رجل وامرأتان، ولكن لتحدث شهادتهما، أو تقع، أو تكن شهادة رجل وامرأتين ممن[2]يشهدون.
ويجوز أن يتعلق قوله (أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما) بشىء ثالث، وهو أن تضمر/ خبر المبتدأ، ويكون العامل في «أن» . وموضع إضماره فيمن فتح الهمزة من (أَنْ تَضِلَّ) قبل أن، وفيمن كسر «إن» بعد انقضاء الشرط بجوابه. يعني أن من كسر «إن» يجعل الجملة الشرطية وصفا لقوله (امْرَأَتانِ) والصفة قبل الخبر.
[1]في الأصل: «في الحرب» وما أثبتنا عن سيبويه (الكتاب 1: 33) . يريد: وكل نار. والبيت لأبي داود.
[2]في الأصل: «مما» .
فقد جاز في (أَنْ تَضِلَّ) أن تتعلق بأحد ثلاثة أشياء:
أحدها: المضمر الذي دل عليه قوله: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ)[1].
والثاني: الفعل الذي هو: فليشهد رجل وامرأتان.
والثالث: الفعل، الذي هو خبر المبتدأ.
فإن قيل: فإن الشهادة لم توقع للضلال الذي هو النسيان، إنما وقعت للذكر والحفظ.
فالقول في ذلك أن سيبويه قد قال: أمر بالإشهاد لأن تذكر إحداهما الأخرى، ومن أجل أن تذكر إحداهما الأخرى. وذكر الضلال لأنه سبب للإذكار، كما تقول: أعددته أن تميل الحائط فأدعمه. وهو لا يطلب بذاك ميلان الحائط، ولكنه أخبره بعلة الدعم وسببه.
ومن حذف المضاف قوله تعالى: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ)[2].
أي: فنعم شيئاً إبداؤها، فحذف المضاف، وهو إبداء، فاتصل الضمير فصار «ها هي» لأن «ها» يتصل بالاسم. فإذا انفصل قيل: هي.
ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً)[3]. أي: إن أكله.
ومثله: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ)[4]. أي: وقت دوامي فيهم.
ومثله: (أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ)[5]أي: بوقت لبثكم.
[1]البقرة: 282.
[2]البقرة: 271.
[3]النساء: 2.
[4]المائدة: 117.
[5]الكهف: 19.
وقال: (يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها)[1]أي: في عملها وتأهبها. ويجوز أن تعود «الهاء» إلى «ما» حملا على المعنى.
ومثله: (فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ)[2]أي: من قبل تلاوته.
ومن حذف المضاف قوله تعالى: (سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ)[3]أي: جزاء قولهم[4]، لقوله[5]: (وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ)[6]والوصف القول، فحذف المضاف كقوله تعالى: (فِيها مَتاعٌ لَكُمْ)[7]أي: في دخولها استمتاع لكم. ألا ترى أنه قيل: أراد به البنادق[8].
ومثله: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ)[9]. أي: ليس عليكم جناح العمل وإثمه دون الخطأ.
ومثله: (رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ)[10]تقديره تقدير حذف المضاف، أي: من عقوبة ما يعملون، أو جزاء ما يعملون. ألا ترى أن الأنبياء تعتزل عن المعاقبين/ في المحل إذا عوقبوا على هذا (وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ)[11]وقوله تعالى: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ)[12]ونحو ذلك. ويجوز أن يكون التقدير: من مشاهدة ما يعملون.
[1]الأنعام: 31.
[2]يونس: 16.
[3]الأنعام: 139.
[4]في الكشاف (2: 72) : «وصفهم» .
[5]في الأصل: «كقوله» .
[6]الأنعام: 138.
[7]النور: 29. [.....]
[8]كذا في الأصل. ولعل توجيه العبارة: «أو الفنادق» . أي البيوت المستثناة من الاستئذان. قال الزمخشري (3: 228) : «استثنى من البيوت التي يجب الاستئذان على داخلها. ما ليس بمسكون منها، وذلك نحو الفنادق، وهي الخانات والربط وحوانيت البياعين» .
[9]الأحزاب: 5.
[10]الشعراء: 169.
[11]الدخان: 21.
[12]هود: 81.
ومثله: (إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا)[1]أي: أمور هذه الحياة الدنيا، وإنما تقضى بوقت هذه الحياة الدنيا فعلى الأول مفعول، وعلى الثاني ظرف.
وكقوله تعالى: (بِجِذْعِ النَّخْلَةِ)[2]أي: بهز جذع النخلة. وقيل: الباء زيادة. وقيل: وهزى إليك رطباً بجذع النخلة.
وكقوله تعالى: (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ)[3]أي: مواضع الصلاة. ألا ترى أنه إنما يعبر موضع الصلاة، وموضع الصلاة هو المسجد لأن سائر المواضع عبوره قد وقع الاتفاق على إباحته.
ومن ذلك قوله تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ)[4]أي: من توهين دينكم.
ومثله قوله تعالى: (لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ)[5]أي: في مواضع سكناهم، فحذف المضاف، والمسكن: السكنى.
[و] قال: (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ)[6]أي: في مواضع قعود صدق، فلا يكون من باب قوله:
في حلقكم عظم وقد شجينا[7]
وأما جلدها فصليب[8]
لأن ذلك فى الشعر.
[1]طه: 72.
[2]مريم: 25.
[3]النساء: 43.
[4]المائدة: 3.
[5]سبأ: 15.
[6]القمر: 55.
[7]عجز بيت للمسيب بن زيد مناة الغنوي، وصدره:
لا تنكر القتل وقد سبينا
والشاهد فيه وضع الحلق موضع الحلوق.
[8]جزء من بيت لعلقمة بن عبدة، والبيت كاملا:
بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيضٌ وأما جلدها فصليب
والشاهد فيه وضع الجلد موضع الجلود، لأنه اسم جنس ينوب واحده عن جميعه، فأفرد ضرورة لذلك. (الكتاب لسيبويه 1: 107) .
كذا ذكره سيبويه وأبو علي، وقد وجدنا خلاف ذلك في التنزيل.
وقال: (لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ)[1]. وقال: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ)[2].
ومن ذلك قوله تعالى: (قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ) «3» أي: بعذابكم، أي: لا وزن لعذابكم عنده لولا دعاؤكم «4» الآلهة الذين أشركتموها في عبادته. والمفعول الذي هو مفعول المصدر محذوف، وكل واحد من الفاعل والمفعول قد يحذف مع المصدر.
ويجوز أن يكون قوله تعالى: (لَوْلا دُعاؤُكُمْ) «5» الآلهة، أي: عبادتكم إياها.
وعلى هذا قوله تعالى: (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى)[6]أي:
لم يكن يعذبكم بعذابه لولا دعاؤكم الآلهة، ولكن إذا عبدتم داعين إليها، كما يرغب الموحدون مجتهدين في دعاء الله وعبادته، عذبكم. ويقوى أن الدعاء يراد به دعاء الآلهة، الذي هو العبادة لها والرغبة إليها في دعائها، قوله:
(فَقَدْ كَذَّبْتُمْ) لأنهم إذا دعوا الآلهة فقد كذبوا الموحدين في توحيدهم وكذبوا الرسل (فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً) . أما فاعل (يَكُونُ) للعذاب المحذوف لذى قد حذف/ وأقيم المضاف إليه مقامه، أي: سوف يكون العذاب لازما لكم. و (لِزاماً) مصدر، فإما أن يكون بمعنى لازم، أو يكون: ذا لزام.
[1]إبراهيم: 43. [.....]
[2]الأعراف: 157.
(3، 4، 5) الفرقان: 77.
[6]الزمر: 3.