والمعنى: لولا أن تطؤوا رجالاً ولا تعلق له بقوله: (لَمْ تَعْلَمُوهُمْ)[1]، لأن «أن» الناصبة للفعل لا تقع بعد العلم وإنما تقع بعد العلم المشددة، أو المخففة من الثقيلة.
كقوله: (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى)[2].
وقوله: (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا)[3].
وكقوله: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)[4].
وكقوله: (أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ)[5].
وكقوله: (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ)[6]، فيمن رفع.
ومن البدل قوله تعالى، في قراءة الكسائي: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ/ الْإِسْلامُ)[7]، هو بدل من (أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ)[8]، أي: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام.
[1]الفتح: 25.
[2]المزمل: 20.
[3]الجن: 28.
[4]التوبة: 63.
[5]طه: 89.
[6]المائدة: 71.
[7]آل عمران: 19.
[8]آل عمران: 18.
وجوز الكسائي أن يكون على حذف الواو، أي: وأن الدين، فهو محمول على أنه لا إله إلا هو.
ومن البدل قوله تعالى: (كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ) ،[1]«من غم» بدل من «منها» ، و «الغم» مصدر: غممته، أي: غطيته.
ومنه قوله:
أتحقر الغم والغرقا
وهذا معنى قوله: (وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ)[2]أي: قد عمهم العذاب وغمرهم.
ومن ذلك قوله تعالى: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ) »
، فيمن فتح «أنا» أبدله من المجرور قبله.
ومن ذلك قوله تعالى: (ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ)[4]، «ذلك» الثانية بدل من «ذلك» الأولى.
ولا يكون «بما عصوا» بدلاً[5]من قوله (بِأَنَّهُمْ كانُوا)[6]لأن العصيان أعمّ من كفرهم، لقوله: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ)[7](وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا)[8]، ولا تقول: مررت برجل فكيف امرأة[9].
[1]الحج: 22.
[2]الأعراف: 41.
(3) عبس: 24 و 25. [.....]
[4]البقرة: 61.
[5]في الأصل: «بدل» .
[6]البقرة: 61.
[7]النساء: 155.
[8]النساء: 161.
[9]في الأصل: «مررت بزيد رجل خلاف المرأة» . وما أثبتنا من الكتاب لسيبويه (1: 219) .
وقال الله تعالى: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ)[1]ف «أن» بدل من «الياء» والمعطوف عليه.
وقد قال سيبويه: مررت بي المسكين، لا يجوز، وجاز هذا لأنه بدل اشتمال، هكذا زعم شارحكم، وليس بمستقيم.
والتقدير: واجنبني وبني من أن نعبد الأصنام، أي: من عبادة الأصنام، ف «أن» مفعول تعدّى إليه الفعل بالجار.
وقال: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها)[2]، ف «أن يعبدوها» بدل من «الطاغوت» .
ومن ذلك قوله تعالى: (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ)[3]، «نكالاً» بدل من (الْجَزاءَ) ولا يجوز أن يكون غير بدل لأن الفعل الواحد لا يعمل في اسمين كل واحد منهما مفعول له.
ومن ذلك قوله: (وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ)[4].
[1]إبراهيم: 35.
[2]الزمر: 17.
[3]المائدة: 38.
[4]النحل: 105 و 106.
قال أبو علي: لا يكون «من أكره» استثناء من قوله: «من كفر» لأنه مفرد، فإذن «من» بدل. وتقديره: أولئك من كفر إلا من أكره.
ومن ذلك قوله تعالى: (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ)[1]بدل من (يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) .[2]وإن شئت كان نصباً على المدح.
ومن ذلك قوله: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ)[3]أي: لكن/ أخرجوا بهذا القول.
والمعنى: أخرجوا من ديارهم بغير حق يجب على الكفار إخراجهم به، وليس ببدل من «حق» ، لفساد المعنى، إذ لا يوضع موضع «حق» .
ومن ذلك قوله تعالى: (طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ)[4]أي: أنتم طوافون، و «بعضكم» بدل من الضمير في «طوافون»[5]، أي: أنتم يطوف بعضكم على بعض، و «على» يتعلق بالطواف.
وحمله الطبري على «من» . أي: بعضكم من بعض. وقد تقدم هذا بأتم من هذا.
[1]مريم: 61.
[2]مريم: 60.
[3]الحج: 40.
[4]النور: 58. [.....]
[5]في الأصل: «طوافين» .
وأما قوله تعالى: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ) ،[1]لا يكون اللام في «لمن» بدلاً من اللام في «لكم» .
ألا ترى أنه لم يجز: بك المسكين، كأن الأمر: بي المسكين، لكن يكون صفة «للأسوة» .
ويجوز أن يكون متعلقاً ب «حسنة» ، أي حسنت لهم كقولك:
حسنت بهم.
ومثله: (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) «2» بعد قوله (لَيَجْمَعَنَّكُمْ) «3» لا يكون البدل من «الذين» .
وجوز الأخفش كونه بدلاً وليس بالصحيح.
وأما قوله تعالى: (وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً)[4].
فقوله: «لبيوتهم» بدل من قوله: «لمن يكفر» وكرر اللام كما تقدم الآي الأخر.
وأما قوله: (قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ)[5]إلى قوله:
(أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ)[6]فقد زعموا أن قوله: «ألا تعلوا» بدل من قوله:
«كتاب» .
[1]الأحزاب: 21.
(3- 2) الأنعام: 12.
[4]الزخرف: 33.
[5]النمل: 29.
[6]النمل: 31.
والتقدير: إني ألقي إلي. أن لا تعلوا علي.
واضطرب كلام أبي إسحاق[1]في هذا فزعم أن التقدير: إني ألقي إلي كتاب بأن لا تعلوا علي، أي: كتب إلي بأن لا تعلوا علي.
وهذا الكلام منه محتمل إن عنى أن قوله: «أن لا تعلوا علي» متعلق بنفس قوله: «كتاب» فهو خطأ لأن «كتاباً» مصدر، وقد وصف بقوله:
«كريم» فلا يبقى من صلته شيء بعد كونه موصوفاً.
وإن أراد: أن «كتابا» دل على «كتب» ، و «أن لا تعلوا علي» متعلق «بكتب» الذي دل عليه «كتاب» فهو وجه.
وسها الفارسي عن هذا الكلام في «الإغفال»[2].
وأما قوله تعالى: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)[3]فاعتراض بين البدل والمبدل منه.
وأما قوله تعالى: (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ)[4]فيمن فتح، فإنه/ يجوز أن يكون موضع «أنا» رفعاً بدلاً من اسم «كان» ، والتقدير: انظر كيف كان تدميرنا إياهم.
ويجوز أن يكون على تقدير: فهو أنا دمرناهم.
ويجوز أن يكون على تقدير: لأنّا دمّرناهم.
[1]هو: أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج (311 هـ) . ومن كتابي: معاني القرآن.
[2]يعني: كتاب أبي علي الحسن بن أحمد الفارسي (377 هـ) وهو: الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني.
[3]النمل: 30.
[4]النمل: 51.
ولا يجوز أن يكون بدلاً من «كيف» لأنه لا حرف استفهام معه.
ويجوز أن يكون «كيف» ظرفا ل «كان» ، ويكون «عاقبة» اسم «كان» :
و «أنا دمرناهم» خبره.
وقد ذكرنا هذا في «البيان»[1].
وأما قوله: (ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا)[2]، فيجوز: أن يكون على تقدير: هي أن كذبوا وعلى تقدير: لأن كذبوا.
ويجوز أن يكون بدلاً من «السوءى» سواء جعلت «السوءى» اسم «كان» أو خبره، على حسب اختلافهم في «عاقبة الذين» .
فأما قوله تعالى: (فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ) «3» ، بالكسر والفتح.
فالفتح على إيقاع النداء عليه أي: نادته بأن الله والكسر على: قال:
إن الله.
قال[4]: وفي حرف عبد الله: (فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب يا زكريا إن الله) «5» .
[1]البيان «اسم لكتب نحصّى منها» :
أ- البيان في إعراب القرآن لابن الأنباري: أبي البركات عبد الرحمن بن محمد المتوفي سنة سبع وسبعين وخمسمائة (577 هـ) .
ب- البيان في شواهد القرآن لأبي الحسن علي بن الحسن الباقول المتوفي سنة خمس وثلاثين وخمسمائة (535 هـ) .
ج- البيان في تأويلات القرآن للحافظ أبي عمر ويوسف بن عبد البر (463 هـ) .
د- البيان في غريب القرآن للفرغاني أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن يوسف (591 هـ) .
هـ- البيان في تفسير القرآن لسراج الدين محمد المخزومي (885 هـ) .
[2]الروم: 10.
(5- 3) آل عمران: 39.
[4]يريد: أبي إسحاق الزجاج. [.....]
فهذا يوجب الكسر لقوله: (نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ)[1]إلى قوله: (يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ) فكسر لأن ما بعد النداء مبتدأ.
وقال في قوله: (نُودِيَ يا مُوسى)[2]: أي: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ)[3]فالكسر على قياس قراءة عبد الله، الوجه.
قال: ولا يكون «يا موسى» قائماً مقام الفاعل، ولا «إني أنا ربك لأنهما جملتان، والجملة لا تكون فاعلة.
وهذا منه خلاف قول سيبويه حين جوز في (لَيَسْجُنُنَّهُ) «4» أنه فاعل «بدا» ، وقد بينته «في التتمة» فلا يحتاج إلى إضمار المصدر في «نودي» .
كما لا يضمر سيبويه «بدا» في قوله «ليسجننه» [بعد قوله] (ثُمَّ بَدا) «5» .
وأما قوله: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ) «6» بالفتح والتشديد، عن الزيات والأعمش، وهما يقرآن: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) «7» بالكسر فقد سهوا بأسرهم.
وعندي أنه محمول على المعنى لأنه [لما] كان قال: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً) «8» ، وكان معناه: افعل ذلك لأنك بالوادي المقدس، جاز أن يقول: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ) «9» ، أي اخلع: نعليك لهذا ولهذا.
وأين هم من هذا؟ لم يتأملوا في أول/ الكلام، ولم ينظروا في قراءة الزيات، والله أعلم.
[1]القصص: 30.
[2]طه: 11.
[3]طه: 12.
(4- 5) يوسف: 35.
(9- 6) طه: 13- وهي قراءة للزيات.
(7- 8) طه: 12.