كانت له سباقاً ، فيظل مالكاً لها بعد الإسلام ، ولا تنتزع منه .
ولا يوجد في الشريعة نص على : أن ملكية الأرض تمتد إلى كل ما فيها من ثروات .
وهكذا نعرف : أن بالامكان فقهياً - إذا لم يوجد إجماع تعبدي - القول ، بأن المناجم التي توجد في الأراضي المملوكة أو المختصة ، ليست ملكاً لأصحاب الأراضي ، وإن وجب لدى استثمارها أن يلاحظ حق صاحب الأرض في أرضه لأن احياء تلك المناجم واستخراجها يتوقف على التصرف في الأرض[1].
ويبدو أن الإمام مالك ذهب إلى هذا القول وأفتى بأن المعدن الذي يظهر في أرض مملوكة لشخص لا يكون تابعاً للأرض بل هو للإمام . فقد جاء في مواهب الجليل ما يلي : ( قال ابن بشير : وإن وجد في أرض مملوكة لمالك معين ففيها ثلاثة أقوال : أحدها ، أنه للإمام . والثاني ، لمالك الأرض . والثالث إن كان عينا للإمام وإن كان غير ذلك من الجواهر فلمالك الأرض . وقال اللخمي : أختلف في معادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص تظهر في ملك الرجل فقال مالك : الامر فيها للإمام يقطعه لمن رآه )[2].
الاقطاع في الإسلام توجد في مصطلحات الشريعة الإسلامية ، فيما يتصل بالأراضي والمعادن كلمة ، ( الاقطاع ) . فنحن نجد في كلام كثير من الفقهاء القول ، بأن للإمام اقطاع هذه الأرض ، أو هذا المعدن . على خلاف بينهم في الحدود المسموح بها من الاقطاع للإمام .
وكلمة : ( الاقطاع ) أشرطت في تاريخ القرون الوسطى - وبخاصة في تاريخ أوروبا - بمفاهيم معينة ، حتى أصبحت نتيجة لذلك تثير في الذهن لدى استماعها كل تلك المفاهيم والنظم ، التي كانت تحدد علاقات المزارع بصاحب
[1]لاحظ جواهر الكلام ج 38 ، ص 113 .
[2]مواهب الجليل ج 2 ص 335 .
الأرض وتنظم حقوقهما ، في العصور التي ساد فيها نظام الاقطاع في أوروبا ، ومناطق مختلفة من العالم .
وفي الواقع : أن هذه الإثارة والإشراط باعتبارهما نتاجاً لغوياً لحضارات ومذاهب اجتماعية لم يعشها الإسلام ولم يعرفها - وساء عرفها المسلمون في بعض أجزاء الوطن الإسلامي ، حينما فقدوا أصالتهم وقاعدتهم ، واندمجوا في تيارات العالم الكافر أولا - فمن غير المعقول أن نحمّل الكلمة الإسلامية ، هذا النتاج اللغوي الغريب عنها .
ونحن لا نريد ولا يهمنا الحديث عن رواسب الكلمة التاريخية ، والتركة التي تحملتها نتيجة لعصور معينة من التاريخ الإسلامي ، لأننا لسنا بصدد المقارنة بين مدلولين للكلمة ، بل لا نجد مبرراً لهذه المقارنة اطلاقاً ، بين مفهوم الاقطاع في الإسلام ، ومفهومه الذي تعكسه النظم الاقطاعية على اللفظ ، لانقطاع الصلة بين المفهومين نظرياً كانفصال أحدهما عن الآخر تاريخياً . وإنما نستهدف في هذا البحث شرح الكلمة ، من وجهة نظر الفقه الإسلامي ، من أجل تحديد الصورة الكاملة لاحكام الشريعة في التوزيع ، التي تتحدد وتتبلور خلال عملية الاكتشاف ، التي مارسها في هذا الكتاب .
فالإقطاع كما يحدده الشيخ الطوسي في المبسوط وابن قدامة في المغني ، والماوردي في أحكامه والعلامة الحلي ، هو في الحقيقة : منح الإمام لشخص ومن الأشخاص ، حق العمل في مصدر من مصادر الثروة الطبيعية ، التي يعتبر العمل فيها سبباً لتملكها أو اكتساب حق خاص فيها[1].
[1]فقد كتب الطوسي يقول : إذا أقطع السلطان رجلا من الرعية قطعة من الموات ، صار أحق به من غيره بإقطاع السلطان إياه بلا خلاف ، ولذلك إذا تحجر أرضا من الموات ن والتحجير أن يؤثر فيها أثرا لم يبلغ به حد الإحياء ، مثل أن ينصب فيها المروز ، أو يحوط عليها حائطا وما أشبه ذلك من آثار الإحياء ، فإنه يكون أحق بها من غيره ، فإقطاع السلطان بمنزلة التحجير . المبسوط للشيخ الطوسي ، ج 3 ، ص 273 . وكتب ابن قدامة يقول : ( إن من أقطعه الإمام شيئاً من الموات لم يملكه بذلك لكن يصير أحق به كالمتحجر للشارع في الاحياء ) المغني ج 6 ص 164 . وكتب الماوردي يقول : ( فمن خصه الإمام به وصار بالإقطاع أحق الناس به لم يستقر ملكه عليه قبل الاحياء ) . الاحكام السلطانية ج 2 ، ص 191 . وقال العلامة الحلي : فائدة الاقطاع تصيير المقطع أحق باحيائه التحرير ج 2 ، ص 131 ، ولاحظ قواعد الأحكام ج 1 ، ص 221 .
ولكي نستوعب هذا التعريف ، يجب أن نعرف : أن جميع مصادر الثروة الطبيعية الخام ( 1 ) في الإسلام لا يجوز للفرد العمل فيها وإحياؤها ما لم يسمح الإمام أو الدولة بذلك ، سماحاً خاصاً أو عاماً ( 2 ) ، كما سيأتي - في فصل مقبل - عند دراسة مبدأ تدخّل الدولة ، الذي يتيح لها الإشراف على الإنتاج ، وتوزيع العمل والفرص بشكل سليم . فمن الطبيعي للإمام على أساس هذا المبدأ ، أن يقوم باستثمار تلك المصادر ، بممارسة ذلك مباشرة ، أو بإيجاد مشاريع جماعية ، أو بمنح فرص استثمارها للافراد ، تبعاً للشروط الموضوعية والامكانات الإنتاجية ، التي تتوفر في المجتمع من ناحية ، ومتطلبات العدالة الاجتماعية من وجهة نظر الإسلام من ناحية أخرى .
فبالنسبة إلى معدن خام - مثلاً - كالذهب قد يرى من الأفضل أن تمارس الدولة استخراجه ، وإعداد الكميات المستخرجة في خدمة الناس . وقد يجد الإمام ذلك غير ممكن عملياً ، لعدم توفر امكانات الإنتاج المادية ، لاستخراج الكميات الضخمة من قبل الدولة ابتداءً ، فيرجح إنتاج الأسلوب الآخر ، بالسماح للافراد أو الجماعات ، باحياء منجم الذهب واستخراجه ، لتفاهة الكميات التي يمكن استخراجها . وهكذا يقرر الإمام أسلوب استثمار الخام من المصادر الطبيعية ، وسياسية الإنتاج العامة ، في ضوء الواقع الموضوعي ، والمثل المتبنى للعدالة .
وفي هذا الضوء ، نستطيع أن نفهم دور الاقطاع ومصطلحه الفقهي ، فهو أسلوب من أساليب استثمار المواد الخام ، يتخذه الإمام حين يرى أن السماح للافراد باستثمار تلك الثروات ، أفضل الأساليب للاستفادة منها في ظرف معين . فاقطاع الإمام منجم ( 1 ) أي : الموات التي لم تستثمر بعد .
( 2 ) لاحظ جواهر الكلام ج 16 ، ص 133 و 134 وج 38 ، ص 11 .
الذهب لشخص ، معناه السماح له باحياء ذلك المنجم ، واستخراج المادة منه . ولذلك لا يجوز للإمام اقطاع الفرد ما يزيد على طاقته ، ويعجز عن استثماره ، كما نص على ذلك العلامة الحلي في ( التحرير ) و ( التذكرة )[1]وفقهاء شافعيون وحنابلة[2]لأن الاقطاع الإسلامي هو السماح للفرد باستثمار الثروة المقطعة ، والعمل عليها ، فإذا لم يكن الفرد قادراً على العمل لم يكن الاقطاع مشروعاً . فهذا التحديد من الاقطاع ، يعكس بوضوح طبيعة الإقطاع ، بوصفه أسلوباً من أساليب تقسيم العمل واستثمار الطبيعة .
ولم يعتبر الإسلام الاقطاع سبباً لتملك الفرد المقطع المصدر الطبيعي ، الذي أقطعه الإمام إياه لأن هذا مما يحرفه عن وصفه أسلوباً من أساليب الاستثمار ، وتقسيم الطاقات العملية . وإنما جعل للفرد المقطع حقاً في استثمار المصدر الطبيعي ، وهذا الحق يعني أن له العمل في ذلك المصدر ، ولا يجوز لغيره انتزاعه منه والعلم فيه بدلاً عنه ، كما صرح بذلك العلامة الحلي في ( القواعد ) ، قائلاً : بأن الاقطاع يفيد الاختصاص[3]، وكذلك الشيخ الطوسي في ( المبسوط ) إذ كتب يقول : ( ( إذا أقطع السلطان رجلاً من الرعية ، قطعة من الموات ، صار أحق بها من غيره ، باقطاع السلطان ، بلا خلاف ) )[4].
وقال الحطاب في مواهب الجليل يتحدث عن اقطاع الإمام للمعدن حيث يكون نظر المعدن للإمام فإنه ينظر فيه بالصلح جباية وإقطاعاً . . إنما يقطعه انتفاعاً لا تمليكاً فلا يجوز بيعه من أقطعه . . ولا يورث عمن أقطعه لأن ما لا يملك لا يورث وفي أرث نيل أدرك قول[5].
[1]لاحظ التذكرة ج 2 ، كتاب إحياء الموات ، الفصل الثاني ، الشرط الخامس مي شروط الإحياء والتحرير ج 2 ، ص 131 .
[2]راجع نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ، ج 5 ، ص 341 ، والمغني ج 6 ، ص 166 .
[3]قواعد الأحكام ج 1 ، ص 221 .
[4]المبسوط ج 3 ، ص 273 .
[5]مواهب الجليل ج 2 ، ص 336 .
فالإقطاع إذن ليس عملية تمليك ، وإنما هو حق يمنحه الإمام للفرد في مصدر طبيعي خام ، فيجعله أولى من غيره باستثمار الجزء الذي حدد له من الأرض أو المعدن ، تبعاً لقدرته وإمكاناته .
ومن الواضح ، أن منح هذا الحق ضروري ، ما دام الاقطاع كما عرفنا أسلوباً من أساليب تقسيم الطاقات والقوى العاملة ، على المصادر الطبيعية بقصد استثمارها ، لأن الإقطاع لا يمكن أن يقوم بدوره هذا ، وينجز تقسيم القوى العاملة على المصادر الطبيعة ، وفقاً لمخطط عام . . ما لم يتمتع كل فرد بحق استثمار ما أقطع من تلك المصادر : يكون بموجبه أولى من غيره باحيائه والعمل فيه . فمرد هذا الحق إلى ضمان ضبط التقسيم ، وإنجاح الاقطاع بوصفه أسلوباً لاستثمار المصادر الطبيعية ، وتقسيمها بين القوى العاملة على أساس الكفاءة .
وهكذا نجد أن الفرد من حين اقطاع الإمام له أرضاً أو شيئاً من المعدن ، وحتى يمارس العمل ، أي في فترة الاستعداد ، وتهيئة الشروط اللازمة ، التي تتخلل بين الاقطاع والبدء في العمل . . ليس له أي حق سوى العمل في تلك المساحة المحددة من الأرض ، أو ذلك الجزء المعين من المنجم ، الذي يسمح له بالاحياء والاستثمار ، ويمنع الآخرين من مزاحمته في ذلك ، لئلا يضطرب الأسلوب الذي اتبعه الإمام في استثمار المصادر الطبيعية ، وتقسيم الطاقات عليها وفقاً لكفاءتها .
وهذه الفترة التي تتخلل بين الاقطاع والبدء في العمل ، يجب أن لا تطول ، لأن الاقطاع لم يكن معناه تمليك الفرد أرضاً أو معدناً ، وإنما هو تقسيم للعمل الكلي على المصادر الطبيعية ، على أساس الكفاءة . فليس من حق الفرد المقطع أن يؤجل موعد العمل دون مبرر ، لأن مسامحته في البدء بالعمل تعيق عن إنجاح الاقطاع ، بوصفه استثماراً للمصادر على أساس تقسيم العلم ، كما كانت مزاحمة الغير له في العمل - بعد أن وظف من قبل الدولة ، باستثمار ذلك الجزء الخاص الذي تم إقطاعه له . معيقة أيضاً عن أداء الاقطاع لدوره الإسلامي .
ولهذا نجد الشيخ الطوسي في المبسوط ، يقول عن الفرد المقطع : ( ( إن أخرّ
الاحياء قال له السلطان : اما أن تحييها أو تخلي بينها وبين غيرك حتى يحييها ، فان ذكر عذراً في التأخير واستأجل في ذلك أجله السلطان ، وإن لم يكن له عذر في ذلك ، وخيره السلطان بين اللأمرين ، فلم يفعل ، أخرجها من يده ) )[1].
وجاء في مفتاح الكرامة : ( ( أنه لو اعتذر بالاعسار ، فطلب الامهال إلى اليسار ، لم يجب إلى طلبه ، لأنه لعدم الأمد ، يستلزم التطويل ، فيفضي إلى التعطيل ) )[2].
وقال الإمام الشافعي : ومن أقطع أرضاً أو تحجرها فلم يعمرها رأيت للسلطان أن يقل له إن أحييتها وإلا خلّينا بينها وبين من يحييها فان تأجله رأيت أن يفعل[3].
وجاء في الرواية عن الحرث بن بلال بن الحرث أن رسول الله ( ص ) أقطع بلال بن الحرث العقيق فلما ولي عمر بن الخطاب قال ما أقطعك لتحتجنه بأقطعة الناس[4].
هذا هو كل دور الإقطاعه واثره في الفترة المتخللة بينه وبين العمل ، وهي الفترة التي يؤثر فيها القطاع من الناحية التشريعية اثره ، وهذا الأثر لا يتجاوز - كما عرفنا - حق العمل ، الذي يجعل من الاقطاع أسلوباً تستعمله الدولة في بعض الظروف ، لاستثمار المصادر الطبيعية وتقسيم الطاقات العاملة على تلك المصادر ، تبعاً لمدى كفاءتها .
وأما بعد ممارسة الفرد للعمل في الأرض أو المعدن ، فان الاقطاع لا بقي له اثر من الناحية التشريعية بل يحل العمل محله ، فيصبح للفرد من الحق في الأرض أو المعدن ، ما تقرره طبيعة العمل[5]، وفقاً للتفصيلات التي مرت بنا .
وهذه الحقيقة عن الاقطاع ، التي تبرزه بوصفه أسلوباً إسلامياً لتقسيم العمل ، نجد ما يبرهن عليها إضافة إلى ما سبق ، من نصوص وأحكام . . في التحديد الذي وضعته الشريعة للإقطاع ، فقد حدد الإقطاع المسموح به في الشريعة : بالمصادر الطبيعة التي
[1]المبسوط ج 3 ص 273 .
[2]مفتاح الكرامة ج 7 ص 47 .
[3]الأم ج 4 ، ص 46 .
[4]المغني ج 6 ، ص 169 ، والأموال ص 287 ، الحديث 679 ، مع اختلاف .
[5]لاحظ الروضة في شرح اللمعة ج 7 ، ص 159 .
من شأن العمل فيها أن يمنح العامل حقاً أو لوناً من الاختصاص بها ، وهي الموات في العرف الفقهي . فلا يجوز اقطاع المرافق الطبيعة التي لا يتولد فيها عن العمل أي حق أو اختصاص كما نص على ذلك الشيخ الطوسي في ( المبسوط ) ، ممثلاً لهذا النوع من المرافق : بالمواضع الواسعة في الطرقات[1]. فان المنع عن اقطاع هذا النوع من المرافق وتحديد فان المنع عن اقطاع هذا النوع من المرافق وتحديد الاقطاع بالموات خاصة ، يدل بكل وضوح على الحقيقة التي تبيناها ويثبت : أن وظيفة الاقطاع من الناحية التشريعية ، ليست إلا اعطاء حق العمل في مصدر طبيعي معين لغرض خاص بوصفه أسلوباً من أساليب تقسيم العمل على المصادر الطبيعية التي هي بحاجة إلى احياء وعمل . واما حق الفرد في نفس المصدر الطبيعي ، فيقوم على أساس العمل لا الاقطاع .
فإذا كان المصدر الطبيعي من المرافق التي ليست بحاجة إلى احياء وعمل ، ولا يؤدي فيها العمل إلى حق خاص للعامل فلا يجوز الاقطاع[2]، لأن الاقطاع بالنسبة إلى هذه المرافق ، مظهراً من مظاهر احتكار الطبيعة واستغلالها ، وهذا لا يتفق مع المفهوم الإسلامي للإقطاع ، ووظيفته الأصيلة ولهذا منعت منه الشريعة ، وحددت الاقطاع الجائز بذلك النوع من المصادر الطبيعية ، التي هي بحاجة إلى علم .
الاقطاع في الأرض الخراجية :
بقي شيء آخر ، قد يطلق عليه اسم : ( الاقطاع ) في العرف الفقهي ، وليس هو إقطاعاً في الحقيقة ، وإنما هو تسديد لأجرة على خدمة .
وموضع هذا الاقطاع هو الأرض الخارجية ، التي تعتبر ملكاً للأمة ، إذ قد يتفق للحاكم أن يمنح فرداً شيئاً من الأرض الخراجية ، ويسمح له بالسيطرة على خراجها .
[1]لاحظ المبسوط ج 3 ، ص 276 .
[2]لاحظ جواهر الكلام ج 38 ، ص 102 .
وهذا التصرف من الحاكم ، وإن عبر في مدلوله التاريخي أحياناً ، وبدون حق ، عن عملية تمليك سافرة لرقبة الأرض ، ولكنه في مدلوله الفقهي وحدوده المشروعة ، لا يعني شيئاً من ذلك وإنما يعتبر أسلوباً في تسديد الأجور والمكافات ، التي تلتزم الدولة بدفعها إلى الأفراد نظير ما يقدمون من أعمال وخدمات عامة .
ولكي نعرف ذلك ، يجب أن نستذكر أن الخراج - وهو المال الذي تتقاضاه الدولة من المزارعين - يعتبر ملكاً للأمة ، تبعاً لملكية الأرض نفسها[1]. ولهذا يجب على الدولة أن تصرف أموال الخراج في المصالح العامة للأمة ، كما نص على ذلك الفقهاء ، ممثلين لتلك المصالح بمؤنة الولاة والقضاة ، وبناء المساجد والقناطر ، وغير ذلك لأن الولاة والقضاة يقدمون خدمة للأمة ، فيجب أن تقوم الأمة بمؤنتهم ، كما أن المساجد والقناطر من المرافق العامة ، التي ترتبط بحياة الناس جميعاً ، فيجوز إنشاؤها من أموال الأمة وحقوقها في الخراج .
وواضح أن قيام الدولة بمؤنة الوالي والقاضي أو مكافأة أي فرد قدم خدمة عامة لمجموع الأمة ، قد يكون باعطاء الدولة له من بين المال مباشرة ، وقد يكون أيضاً بالسماح له بالحصول مباشرة على ريع بعض أملاك الأمة . والدولة تتبع عادة الأسلوب الثاني ، إذا كانت لا تتمتع بإدارة مركزية قوية .
ففي المجتمع الإسلامي قد تسدد أجور ونفقات الافراد ، الذين يقدمون خدمات عامة للأمة ، بصورة نقدية ، كما قد يتفق - تبعاً لظروف الإدارة في الدولة الإسلامية - أن تسدد تلك الأجور والنفقات ، عن طريق منح الدولة لفرد الحق في السيطرة على خراج أرض محدودة من أراضي الأمة ، وأخذه من المزارعين مباشرة ، باعتباره أجرة لفرد على الخدمة التي يقدمها للأمة ، فيطلق على هذا اسم : ( الاقطاع ) . ولكنه ليس إقطاعاً في الحقيقة ، وإنما هو تكليف للفرد بأن يتقاضى أجره من خراج مساحة معينة من الأرض ، يحصل عليه عن طريق الاتصال بالمزارع .
فالفرد المقطع يملك الخراج ، بوصفه أجرة على خدمة عامة قدمها للأمة ،
[1]لاحظ المبسوط ج 2 ، ص 34 .