من أبي ثعلبة الحبشي ، فأولدها ابناً ، ثم مات أبوثعلبة وتزوّجها من بعده أبومليك الغطفاني ، ثم توفّي ابنها من أبي ثعلبة ، فامتنعت من أبي مليك أن يقربها ، فاشتكاها إلى عمر وذلك في أيامه .
فقال لها عمر : ما يشتكي منك أبومالك يا فضة ؟
فقالت : أنتَ تحكم في ذلك وما يخفى عليك .
قال عمر : ما أجد لكِ رخصة .
قالت : يا أباحفص ذهب بكَ المذاهب إنّ ابني من غيره مات ، فأردتُ أن أستبرىَ نفسي بحيضة ، فإذا أنا حضتُ علمت أنّ ابني مات ولا أخ له ، وإن كنتُ حاملاً كان الولد في بطني أخوه .
فقال عمر : شعرة من آل أبي طالب أفقه من عدي » .
وعن ورقة بن عبدالله الأزدي قال : خرجتُ حاجّاً إلى بيت الله الحرام ، راجياً لثواب الله ربّ العالمين ، فبينما أنا أطوف وإذا أنا بجارية سمراء مليحة الوجه عذبة الكلام ، وهي تنادي بفصاحة منطقها وهي تقول :
ربّ البيت الحرام ، والحفظة الكرام ، وزمزم والمقام ، والمشاعر العِظام ، وربّ محمّد خير الأنام صلى الله عليه وآله وسلم البررة الكرام ، أن تحشرني مع ساداتي الطاهرين وأبنائهم الغرّ المحجلين الميامين ، ألا فاشهدوا يا جماعة الحجّاج والمعتمرين أنّ مواليّ خيرة الأخيار ، وصفوة الأبرار ، الذين علا قدرهم على الأقدار ، وارتفع ذكرهم في سائر الأمصار المرتدين بالفخار .
قال ورقة : فقلتُ : يا جارية انّي لأظنّك من موالي أهل البيت . .
فقالت : أجل .
فقلت لها : ومَن أنتِ من مواليهم ؟
قالت : أنا فضة أمة فاطمة الزهراء عليها السلام بنت محمّد المصطفى صلّى الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها .
فقلت لها : مرحباً بك وأهلاً وسهلاً ، فلقد كنتُ مشتاقاً إلى كلامكِ ومنطقكِ فأريدُ منكِ
الساعة أن تجيبني عن مسألة أسألك ، فإذا أنت فرغتِ من الطواف قفي لي عند سوق الطعام حتى آتيك ، وأنت مثابة مأجورة .
فافترقنا في الطواف ، فلما فرغتُ من الطواف وأردتُ الرجوع إلى منزلي جعلتُ طريقي على سوق الطعام ، وإذا أنا بها جالسة في معزل عن الناس ، فأقبلتُ عليها واعتزلتُ بها وأهديتُ إليها هدية ولم أعتقد أنّها صدقة ، ثم قلت لها : يا فضة أخبريني عن مولاتك فاطمة الزهراء ، وما الذي رأيتِ منها عند وفاتها بعد موت أبي ها محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ؟
قال ورقة : فلمّا سمعتْ كلامي تغرغرت عيناها بالدموع ، ثم انتحبت باكية وقالت : يا ورقة هيّجت عليّ حزناً ساكناً ، وأشجاناً في فؤادي كانت كامنة ، فاسمع الآن ما شاهدتُ منها :
اعلم أنّه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم افتجع له الصغير والكبير ، وكثر عليه البكاء ، وقلّ العزاء ، وعظم رزؤه على الأقرباء والأصحاب ، والأولياء والأحباب ، والغرباء والأنساب ، ولم تلقِ إلاّ كلّ باكٍ وباكيةٍ ونادبٍ ونادبة ، ولم يكن في أهل الأرض والأصحاب والأقرباء والأحباب أشد حزناً وأعظم بكاءً وانتحاباً من مولاتي فاطمة ، وكان حزنها يتجدّد ويزيد وبكاؤها يشتد ، فجلست سبعة أيام لا يهداً لها أنين ولا يسكن منها الحنين ، وكلّ يوم جاء كان بكاؤها أكثر من اليوم الأوّل ، فلمّا كان في اليوم الثامن أبدتْ ما كتمتْ من الحزن ، فلم تطق صبراً إذا خرجت وصرخت فكأنّها من فم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تنطق . . .
وفي الإصابة : روي عن الصادق عليه السلام عن آبائه ، عن علي عليهم السلام ، قال :
« إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخدم فاطمة ابنته جارية اسمها فضة النوبيّة ، وكانت تشاطرها الخدمة ، فعلّمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعاء تدعو به ، فقالت لها فاطمة : أتعجنين أو تخبزين ؟
فقالت : بل أعجن يا سيّدتي واحتطب ، فذهبت واحتطبت وبيدها حزمة ، فأرادت حملها فعجزت ، فدعت بالدعاء الذي علّمها صلى الله عليه وآله وسلم وهو : ( يا واحد ليس كمثله أحد ، تميت كلّ أحد وأنتَ على عرشك واحد لا تأخذه سنة ولا نوم ) ، فجاء أعرابي كأنّه من أزد شنوءة ، فحمل الحزمة الى باب
فاطمة عليها السلام » .
وعن أبي العباس في قوله تعالى :﴿يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شرّه مستطيراً ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً﴾[1]قال : مرض الحسن والحسين فعادهما جدّهما صلى الله عليه وآله وسلم ، وعادهما عامة العرب ، فقالوا : يا أباالحسن لو نذرت نذراً .
فقال علي : « إن برئا ممّا بهما صمتُ لله عزّ وجلّ ثلاثة أيام شكراً » .
وقالت فاطمة كذلك ، وقالت جاريتهما فضة النوبيّة : إن برأ سيّداي صمت لله عزّ وجلّ شكراً .
فلبس الغلامان العافية ، وليس عند آل محمّد قليل ولا كثير ، فانطلق علي إلى شمعون الخيبري فاستقرض منه ثلاثة أصع من شعير ، فجاء بهما فوضعها ، فقامت فاطمة إلى صاع فطحنته واختبزته ، وصلّى علي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بَين يديه ، إذا أتاهم مسكين فوقف على الباب فقال : السلام عليكم أهل بيت محمّد ، مسكين من أولاد المسلمين أطعموني أطعمكم الله عزّ وجلّ على موائد الجنّة ، فسمعه علي فأمرهم باعطائه الطعام ، ومكثوا يومَهم وليلتهم لم يذوقوا إلاّ الماء .
فلمّا كان اليوم الثاني قامت فاطمة إلى الصاع الثاني وخبزته ، وصلّى علي مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ووضع الطعام بين يديه ، إذ أتاهم يتيم فوقف بالباب وقال : السّلام عليكم أهل بيت محمّد ، يتيم بالباب من أولاد المهاجرين ، استشهد والدي أطعموني ، فأعطوه الطعام فمكثوا يومين ولم يذوقوا إلاّ الماء .
فلمّا كان اليوم الثالث قامت فاطمة إلى الصاع الباقي فطحنته واختبزته ، وصلّى علي مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ووضع الطعام بين يديه ، إذ أتاهم أسير فوقف بالباب وقال : السّلام عليكم أهل بيت النبوّة ، تأسروننا وتشدّوننا ولا تطعموننا ، أطعموني فإنّي أسير ، فأعطوه الطعام ، ومكثوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا إلاّ الماء .
[1]ـ الإنسان : 7 ـ 8 .
فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرأى ما بهم من الجوع ، فأنزل الله تعالى :﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا ـ إلى قوله ـ لا نُريد منكم جزاءً ولا شكوراً﴾[1].
وقال أبوالقاسم القسري : انقطعتُ في البادية عن القافلة ، فوجدُ امرأة فقلتُ مَن أنت ؟
فقالت :﴿وقُلْ سَلامٌ فَسَوفَ يَعْلَمُون﴾[2]، فسلمتُ عليها وقلت : ما تصنعين ها هنا ؟
قالت :﴿مَنْ يَهْدِ الله فَما لَهُ مِنْ مُضِلَّ﴾[3].
فقلت : أمن الجنّ أنتِ أم من الإنس ؟
قالت :﴿يا بَني آدم خُذُوا زِينَتَكم﴾[4].
فقلت : من أين أقبلتِ ؟
قالت :﴿يُنادون من مَكانٍ بَعيدٍ﴾[5].
فقلت : أين تقصدين ؟
قالت :﴿وللهِ على الناس حجّ البيتِ﴾[6].
فقلت : متى انقطعتِ ؟
قالت :﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا السمواتِ والأرضَ وما بينهما في ستّة أيّام﴾[7].
فقلت : أتشتهين طعاماً ؟
فقالت :﴿وما جَعَلْناهُم جَسَداً لا يَأكُلُونَ الطَّعام﴾[8].
فأطعمتها ، ثم قلت : هرولي وتعجّلي .
[1]ـ الإنسان 1 ـ 9 .
[2]ـ الزخرف : 89 .
[3]ـ الزمر : 37 .
[4]ـ الأعراف : 31 .
[5]ـ فصلت : 44 .
[6]ـ آل عمران : 97 .
[7]ـ ق : 38 .
[8]ـ الأنبياء : 8 .
فقالت :﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نفساً إلاّ وُسْعَها﴾[1].
فقلت : أردفِكِ .
فقالت :﴿لَو كَانَ فيهما آلِهَةٌ إلاّ الله لَفَسَدَتا﴾[2].
فنزلت فأركبتها فقالت :﴿سُبْحَانَ الَّذيِ سَخَّر لنا هذا﴾[3].
فلمّا أدركنا القافلة قلت لها : ألكِ أحد فيها ؟
قالت :﴿يا دَاوُدُ إنّا جَعَلناكَ خَليفَةً في الأرض﴾[4]،﴿وما مُحمّد إلاّ رَسولٌ﴾[5]،﴿يا يحيى خُذِ الكتابَ﴾[6]،﴿يا مُوسى إنّه أنا الله﴾[7].
فصحتُ بهذا الاسماء ، فإذا بأربعة شباب متوجّهين نحوها ، فقلت : مَن هؤلاء منك ؟
قالت :﴿المالُ والبنُون زينةُ الحياة الدُّنيا﴾[8].
فلمّا أتوها قالت :﴿يَا أَبتِ استأجِره إنّ خَير مَن استأجرتَ القويّ الأمين﴾[9].
فكافؤوني بأشياء ، فقالت :﴿والله يُضاعفُ لمن يَشاء﴾[10]، فزادوا لي .
فسألتهم عنها ، فقالوا : هذه اُمّنا فضّة جارية الزهراء ، ما تكلّمت منذ عشرين سنة إلاّ بالقرآن[11] .
[1]ـ البقرة : 286 .
[2]ـ الأنبياء : 22 .
[3]ـ الزخرف : 13 .
[4]ـ ص : 26 .
[5]ـ آل عمران : 144 .
[6]ـ مريم : 12 .
[7]ـ النحل : 9 .
[8]ـ الكهف : 46 .
[9]ـ القصص : 26 .
[10]ـ البقرة : 261 .
[11]ـ انظر : الدر المنثور في طبقات ربّات الخدور : 439 ، تراجم أعلام النساء 2 : 363 ، فاطمة اُم أبيها : 94 ، الإصابة 4 : 376 .
353 الفتلاويّة
من آل فتلة ، العشيرة المعروفة في جنوب العراق بالشجاعة والاقدام .
مجاهدة ، شاعرة باللهجة العاميّة العراقيّة ، شاركت في أحداث ثورة العشرين بشعرها ، مشجعةً الثوار على خوض المعارك .
فعندما وصل جيش الانكليز إلى الرارنجيّة ، وانطلق رصاص الثوار ، هَتفت الفتلاويّة مخاطبةً الزعيم عبدالواحد سِكر ومهيجةً له ، قائلةً :
ثار التفگ وسمـع إندابـه *** ودخـاتنه مثـل الضبـابـة
نخوا ويـن فگاك الطلابـة *** يـواحد او يـا راعي المهابة
يمـاضي ولا ينشد اصوابه *** يصنديد يا وكفة أصحابه[1]
354 الفتلاويّة الكوفيّة
مجاهدة ، شاعرة باللهجة العاميّة العراقيّة ، شاركت في ثورة العشرين .
فعندما أغرق الثوار الباخرة ( فايرا فلاي ) خرجت هذه المرأة تُحيي الثوار قائلةً :
فزعت زلمنـة ازغـار وكبـار *** حيـادة ولا تتحمّــل العــار
واجينـة طـبك جـار وبخـار *** وبـالـرستميّـة وجـة النـار
اواجينه ابطرك شومي اومكوار *** والفـزع جـانه اشلـون جرّار
والجيش ظـل بـالليل محتـار *** ومن كـل جبيلة صـار ينغـار
ومحد يخاف الطوب لـو ثـار *** فتنه او رمينه المدفع احجار[2]
[1]ـ معلومات ومشاهدات في الثورة العراقيّة الكبرى ( شاعرات في ثورة العشرين ) : 354 .
[2]ـ معلومات ومشاهدات في الثورة العراقيّة الكبرى ( شاعرات في ثورة العشرين ) : 355 ـ 356 .
355 فطيمة الظالميّة
فطيمة آل علي ، من عشيرة الظوالم .
مجاهدة ، شاعرة باللهجة العاميّة العراقيّة ، حضرت بعض وقائع ثورة العشرين .
ينقل لنا علي الخاقاني في مقالة ( شاعرات في ثورة العشرين ) موقفاً بطولياً لهذه المرأة ، يدلّ على عمق ايمانها واستعدادها للتضحية ، قال :
عندما خرج أخوها وابنها إلى ساحة المعركة في ( جسر السوير ) ، ومضت مدّة عليهما ، ثم رجع أخوها ، فسألته عن ولدها ، أجابها : « چن لا هزيتي او لوليتي » .
فأجابته مفتخرةً بذلك « هزّيت اولويت الهذا » ، تُشير إلى أنّها ولدته وعانت في تربيته للحصول على أداء واجبه الديني لهذا اليوم الذي قارع فيه الانكليز[1].
356 فطيمة الظالميّة
فطيمة بنت گاطع الظالميّة ، من عشائر الظوالم .
مجاهدة ، شاعرة باللهجة العاميّة العراقيّة ، حضرت بعض وقائع ثورة العشرين المباركة .
فعندما قتل ولدها الثاني بالعارضيات الثانية ، واسمه ( جبر ) ، وقفت عليه ترثيه بقولها :
شلتـك ابطنــي تسعـه اصحــاح *** او حفظتك امن أچله او شمس ضحضاح
المـابـين گـومـك گمـر وضّـاح *** أشـرگ علـى أرض المعـركـة اولاح
اتطـارد السـوجـر أهـل الأرمـاح *** ابيــوم الحـرايـب تــخطف ارواح
بـالعـارضيـات اوهــل ابطــاح *** شيّــال راسـي ابيــوم الصيــاح
تـعب التعبتـه اويــاك مــا راح *** يــا ريــع چبـد امّــك يسبّــاح
وأردفت تقول مستمرة بهياجها ورثائها وافتخارها بفلذة كبدها :
[1]ـ معلومات ومشاهدات في الثورة العراقيّة الكبرى ( شاعرات في ثورة العشرين ) : 376 .
عفية اولدي شيّال همـي *** يا بعد ابوي او بعـد عمّي
يـا نفل يـمهتلف ينشمي *** غذّيتك ابـروحي او دمّي
حيّه او بيك افرزت سمّي *** ردّتـك اگلوب اعداك تدمي
واعيونهم تدعيها تهمـي *** للمعركـة خطّيت جـدمي
شفتك على التربان مرمي *** وابچتلك گـوّيت عـزمي
ثم استمرت تواصل رثاءها له بلهجة تجمع العاطفة والروح الثوريّة ، فتقول :
عفيـه اولدي شيّـال راسي
يلما تهـد عـزمه الرواسي
وبحومته طابور أغاسي[1]
357 قمر بنت عبد
وقيل قمري ، وهي اُم وهب بنت عبد ، زوجة عبدالله بن عمير ، الشهيد بأرض الطف يوم عاشوراء مع سيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسين عليه السلام .
حضرت مع زوجها معركة الطف وشجّعته على نصرة الحسين عليه السلام ، وقالت له حينما أخبرها بعزمه على نصره الحسين عليه السلام : أصبتَ أصاب الله بك وأرشد اُمورك إفعل وأخرجني معك .
قال الطبري في تاريخه : نزل الكوفة عبدالله بن عمير من بني عُليم ، واتخذ بئر الجعد داراً ، وكانت معه امرأة له من النمر بن قاسط يقال لها : اُم وهب بنت عبد ، فرأى القوم بالنخيلة يعرضون ليسرحوا إلى الحسين ، قال : فسأل عنهم ، فقيل له : يسرحون إلى الحسين بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فقال : والله كنتُ على جهاد أهل الشرك حريصاً ، وإنّي لأرجو ألا يكون جهاد هؤلاء الذين يغرّون ابن بنت نبيّهم أيسر ثواباً عند الله من ثوابه إياي في جهاد المشركين .
[1]ـ معلومات ومشاهدات في الثورة العراقيّة الكبرى ( شاعرات في ثورة العشرين ) : 359 .