الفيء من جزئه الثاني : « قال عمر لعليّ7والعباس (رض) فقال أبو بكر ، قال : رسول الله6ما نورّث ما تركناه صدقة ، فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا ، ثم توفي أبو بكر ، قلت أنا ولي رسول الله6وولي أبي بكر ، فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا ) وأخرجه البخاري في صحيحه في أوائل ( ص : ١٢ ) من جزئه الثالث في باب حديث بني النضير ومخرج رسول الله6فراجع ثمة حتى يتجلّى لك بوضوح صحة نسبة سائر الخطب المروية في نهج البلاغة إلى الأمير7لا سيّما الخطبة الشقشقية التي ذكر فيها تظلّمه من القوم لأخذهم حقّه ودفعهم عن مقامه الّذي أقامه الله تعالى فيه بعد نبيّه6وقد اعترف غير واحد من أعلام أهل السنّة بصحة نسبتها إليه7فمنهم : ابن أبي الحديد الحنفي المذهب المعتزلي العقيدة في شرحه ، وعبد الله بن مسلم بن قتيبة في الإمامة والسياسة ( ص : ٩ ) من جزئه الأول ، وهو مات قبل أن يتولد أبو السيّد الرضي ، وأبو هلال العسكري في كتاب الأوائل ، فلا سبيل إلى الإنكار.
ثانيا : قوله : « وقد وقع فيه تحريف كثير ».
فيقال فيه : على المسلم الناقد أن يبيّن مورد ما ينتقده وإلاّ فقد قال الكافرون إن كتاب الله سحر ، وقال آخرون أساطير الأولين ، وقال خصوم الشيعة وقع فيه تحريف ، فهل يا ترى ترك المسلمون كتاب ربهم لأن الكافرين يقولون بسحره ، أو يا هل ترى أوجب ذلك وهنا في كتاب الله ، أم أنهم قوم يجهلون وهو واحد منهم ، فإنه يزعم وقوع التحريف في النهج ، فكان لزاما عليه أن يبيّن لنا ذلك بأسانيد تفيد العلم ، وإلاّ فمجرد اشتماله على ثلب أوليائه ممن لا يرضى بثلبه لا يقال إن فيه تحريفا ، لا سيّما إذا كان هناك ما يشهد لصحته من صحيح الأحاديث ، ومن حيث أنه لم يأت على شيء من ذلك علمنا أن ذلك لا أصل له.
ثالثا : قوله : « وأسقط منه العبارات حتى لا يكون به مستمسك لأهل السنّة ».
فيقال فيه : إنه مدخول من وجوه : الأول : أن دعوى أنه أسقط منه العبارات من الدعاوى المجردة التي لا يقودها شيء من البرهان ، وإلاّ كان عليه أن يبيّن لنا تلك العبارات المزعوم إسقاطها منه ، نعم لما كانت تلك العبارات التي يزعم هذا
سقوطها بتقدير صحة هذا الزعم لم تكن من نهجه مطلقا ، علمنا أن إسقاطها كان كسقوط ما يتمسك به لإثبات باطله.
الثاني : إن عدم وجدان جامعه لأكثر من ذلك لا يصح أن يقال فيه أنه أسقط منه العبارات ، ولو كان يوجد غير ما جمعه لعثر عليه ، لا سيّما أن الجامع له قد بذل منتهى ما في وسعه وجهده من قوة في سبيل تأليف شتاته وجمع متفرقاته ، فلم يعثر على غير ما نجده بين دفتي النهج ، فعدم وجدانه لأكثر من ذلك وإن كان لا يدل على عدم وجوده واقعا ، ولكن لا يصح أن يقال فيه إنه أسقط منه العبارات على حدّ تعبيره.
الثالث : من أين علم خصم الشيعة أن في غير ما عثر عليه جامعه دليلا ومستمسكا لتصحيح ما يبتغيه؟ أو ليس من الجائز أن يكون ذلك بعد فرض وجوده دليلا ومستمسكا لخصمه الشيعي وحجّة له عليه لا له ، ويؤيد الأخير ـ بل يعينه ـ ما ورد عنه7في النهج في إبطال مذهبه وفساد خلافة من تقدم عليه ، وأنهم أخذوها من أهل البيت:غصبا ، ويدلك على هذا احتجاجه عليهم عند إبائه من البيعة فراجع ( ص : ١١ و ١٢ ) من الإمامة والسياسة لعبد الله بن مسلم بن قتيبة المطبوع بمطبعة مصر ، وغيره من أهل السير والتواريخ ممن جاء على ذكر البيعة كالطبري ، وابن الأثير في تاريخيهما ، وابن عبد ربه في العقد الفريد وغيرهم من علماء أهل السنّة ، لتعلم أن غير الموجود من كلماته الشريفة في النهج والتي لم يعثر عليها جامعه إنما يصلح دليلا ومستمسكا لخصوم الآلوسي على فساد مذهبه ، لا مستمسكا له على مذهبه في شيء لو صحت مزعمته.
رابعا : قوله : ( مع أن ذلك أمر ظاهر ).
فيقال فيه : إنك قد عرفت ظهور ذلك في خلاف ما يريد ، وأن ما جاء به معكوس عليه ، ودليل لخصمه الشيعي ، ولا شاهد له فيه على صحة مذهبه بل هو شاهد على بطلانه.
ثم أن أهل المعرفة بصياغة الكلام البليغ من ذوي الثقافة والعلم كلّهم لم يعلموا ما فيه من التحريف وإسقاط العبارات ، إلاّ هذا الآلوسي الّذي لم يعتمد في علمه إلاّ على العصبية الأثيمة المتمثلة في كلامه بأجلى مظاهرها.
حكاية الحجاج بن يوسف الثقفي
قال الآلوسي ص : (٢٩) : « ومن مكايدهم أنهم يذكرون في كتب التأريخ حكايات موضوعة ، ومن تلك حكاية السّعدية مرضعة النبيّ6وأنها قدمت على الحجاج الثقفي في العراق ، وجرى بينها وبينه حديث فيه تفضيلها لعليّ على الأنبياء:وقالت في بعض ما خاطبت به الحجاج : وأي فضل لأبي بكر وعمر (رض) حتى أفضّل عليّا7عليهما ، وإنما أفضله على آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى:فاشتدّ حينذاك غضب الثقفي ، فطلب منها أن تثبت ما ادّعت وإلاّ قطّعها إربا إربا ، ثم إنه سرد احتجاجها ، وقال : انتهت الحكاية المكذوبة والقصة الأعجوبة التي لا يخفى ما فيها من البطلان على الصبيان ».
وسنشير إلى ذلك عند تفنيدنا لمزاعم هذا الآلوسي الّذي حاول بها إبطال احتجاجها على الثقفي ، إلى أن قال الآلوسي ( ص : ٣٥ ) : « كما لا يخفى على من تصفح كتب التأريخ والسير فإنها لم تدرك زمن الخلفاء (رض) بل اختلف في أنها أدركت زمن البعثة وآمنت بالنبيّ6ثم إنّا إذا راجعنا إلى ما نسبوه إلى حليمة من الشبهات وهاتيك الدلائل الواهيات وجدناها كسراب ، وذلك من وجوه ، أما أولا : فلأن تفضيل الأمير7على الأنبياء:لا سيّما على أولي العزم خلاف ما عليه العقلاء من سائر أهل الأنام ، فضلا عن ملّة الإسلام ، فإن الوليّ لا يصل إلى مرتبة النبيّ6في كلّ شريعة من الشرائع ، ونصوص الكتاب على تفضيل الأنبياء:على جميع خلق الله.
وأما ثانيا : فلأن تلك الإحتجاجات مبنية على ملاحظة مناقب الأمير7مع زلاّت الأنبياء:ولو لوحظت مع كمالاتهم ومناقبهم لخفيت على الناظر ، ومع ذلك يلزم عليهم أن الأمير7وأبا ذر ، وعمار بن ياسر ، وسلمان وغيرهم من الصحابة أفضل من النبيّ6إذا نظرنا إلى ما ورد في حقهم من الآيات المشعرة بمدحهم مع ما ورد من معاباته7( وعلى آله ) في عدة مواضع ولا يقول ذلك عاقل.
وأما ثالثا : فلأن آدم7أبو البشر وأصل النوع للإنسان ، فكلّ ما يحصل لأولاده من الفضائل والأعمال الصالحة فهي عائدة إليه ، نعم خرج أولو العزم لخصوصيات أكرمهم الله تعالى بها.
وأما رابعا : فلأن الأزواج لا دخل لهن في المفاضلة ، لأن الأمور العارضة لا دخل لها في الفضل الذاتي والكمال الحقيقي ، وإنما المناط بالأمور الذاتية والصفات الحقيقية ، فتفضيل زوجة عليّ7على زوجة نوح7غير مستلزم لتفضيل عليّ7ألا ترى أن زوجة فرعون كانت أفضل من زوجة نوح ولوط7وكذا زوجة الأمير7أفضل من أزواج النبيّ6ولا قائل بالتفضيل.
وأما خامسا : فلأن حديث : « لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا » موضوع لا أصل له في كتب الحديث الصحيحة عند الفريقين ، وعلى فرض تسليم صحته فهو غير مفيد للتفضيل ، لأن معناه لو رفعت الأحجبة عن وجه الواجب جلّ شأنه لازداد على اليقين الحاصل لي بوجوده وصفاته الكاملة وكمال قدرته ، وإبراهيم7كان في ذلك أعلى كعبا من الأمير7.
وأما سادسا : فلأن الأمير7كان يعلم أنه صبي ، وعداوة الكفار له ليست بالذات ، فلا طمع لهم في قتله ، ومع ذلك فقد أخبره النبيّ6أن الكفار لن يضروه إن هو نام على فراشه ، فزيادة إيمانه بذلك القول كان سببا لاطمئنانه ، بخلاف موسى7فإنه ما كان له شيء من ذلك بل كان الغالب على ظنه حسب العادة أن فرعون يقتله.
وأما سابعا : فلأن سليمان7كما صرح المرتضى في كتابه ( تنزيه الأنبياء والأئمة:) إنما طلب ذلك الملك ليكون له معجزة على نبوته ، وشرط المعجزة ألاّ يكون للغير قدرة عليها ، ولا مزية للأمير7في تطليقه الدنيا عليه7على أن طلب الملك لا ينافي التطليق ، ألا ترى أن الأمير طلب الخلافة بعد ذلك لأن مثله وأمثاله من الرجال إنما يطلبون المال والملك للجهاد في الدين ، مع أن ترك الدنيا على الإطلاق ليس محمودا في الدين
المحمّدي6ولو كان على إطلاقه موجبا للتفضيل لزم أن يكون الرهبان وأمثالهم أفضل من سليمان ويوسف7.
وأما ثامنا : فلأن تعزير الأمير7للمغالين في محبته لا يوجب تفضيله على عيسى7لأن المغالين في حبّ الأمير7قد أظهروا الكفر والفسق بمرأى منه ومسمع فتمكن من الانتقام منهم ، وغلاة عيسى7الّذين كانوا قائلين بالتثليث ظهروا بعد أن رفع إلى السّماء وفي القرآن :(قالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ)[ المائدة : ٧٢ ] فردّ عليهم ما زعموه ووبخهم غاية التوبيخ.
وأما تاسعا : فإن ما ذكر في ولادة عيسى7غلط محض وكذب صريح ، لأن الأصح أن مولده بيت لحم ، وقيل فلسطين ، وقيل مصر ، وقيل دمشق ولم يقل أحد من المؤرخين إن مريم:قد جاءها المخاض في المسجد الأقصى ، ولئن سلّم ذلك فمن أين علم أنها أخرجت بالوحي ، وأما القول بأنه قد أوحي إلى فاطمة بنت أسد بأن تضع في الكعبة فقول يضحك الثكلى وتضع منه الحبلى ، والصحيح في ذلك أن عادة الجاهلية أن تفتح باب الكعبة في اليوم الخامس عشر من رجب ويدخلون جميعهم للزيارة ، وكانت العادة أن النساء يدخلن قبل الرجال بيوم أو يومين ، وقد كانت فاطمة قريبة الوضع فاتفق أن ولدت هناك ، على أن ولادة الأمير7في الكعبة لو أوجبت تفضيله على عيسى7لأوجبت تفضيله على النبيّ6ولا قائل به ، لأوجبت تفضيل حكيم بن خزام بن خويلد ابن أخ أم المؤمنين خديجة:على سائر الأنبياء:وقد ولد في الكعبة وبطلان ذلك غير خفي ».
المؤلف : وأنت تجد أيها القارئ خلال هذه المزاعم المطلقة التي لا يقودها إلاّ القول الكذب من البغض لعليّ7والجحد لفضائله وجوها من الفساد :
القصص التأريخية لا يحكم بكذبها مطلقا
الوجه الأول : قوله : « إنهم يذكرون في كتب التأريخ حكايات موضوعة وخرافات عجيبة ».
فيقال : إنما يحكم بوضع الحكايات التأريخية المدونة في كتب التأريخ والسير من أي ملّة ودين إذا خالفت قرآنا محكما ، أو سنّة قطعيّة ، أو إجماعا ثابتا ، أو دليلا عقليا قاطعا وإلاّ مجرد كونها مخالفة لهوى النفس لا يصلح دليلا للحكم على بطلانها ولا تدليلا على فسادها ، فضلا عن كونها شنيعة ـ كما يزعم وأخوه ـ والحكاية المذكورة سالمة من ذلك كلّه كما يأتي ، ومن المعلوم أن الّذي دفع الآلوسي إلى إنكار ما تضمنته هذه الحكاية التأريخية ، وحرّكت عضلاته المرتعشة ، وأثارت غضبه فجعلته يهذي هذيان المحمومين ، اشتمال هذه الحكاية على تفضيل عليّ7إمام الأمة بعد أخيه النبيّ6على أوليائه ، لذا ترى روح العداء لعليّ أمير المؤمنين7ماثلة في يراعه ومنطقه.
الوجه الثاني : قوله : « انتهت الحكاية المكذوبة والقصة الأعجوبة ».
فيقال فيه : أولا : إن الظاهر من قول هذا الرجل ، وهو : ( أنهم يذكرون في كتب التأريخ حكايات موضوعة ومن ذلك حكاية حليمة السّعدية ) أن هذه الحكاية بما هي حكاية تاريخية مكذوبة وموضوعة ، والّذي يظهر من كلامه أخيرا أن ما فيها مكذوب ، فهي إنما صارت مكذوبة عنده وأعجوبة لديه لما فيها من تفضيل عليّ7على الخلفاء الثلاثة (رض) لا من حيث تفضيلها له على الأنبياء:فإن تفضيلها له على الأنبياء:أهون عند ( الشيخ ) من تفضيلها له7على خلفائه (رض) لذا تراه تصدّى لتفنيد ما فيها بوجوه تكاد إذا نفخت لها تذوب.
ثانيا : أن الظاهر المشهور بين أمناء التأريخ ثبوت هذه الحكاية عن ابنة حليمة السّعدية ـ وأظنها حرّة ـ وإنما نسب الحكاية إلى أمها ليوهن به جانب القصة ، ويحكم بوضعها بدعوى عدم وجودها في عصر الثقفي على ما حكاه من تاريخ حياتها ، وهبها لم تكن موجودة وأن الحكاية موضوعة كما يدّعي ، فلما ذا يا ترى شمّر عن ساعديه ، وبذل كلّ ما في وسعه وجهده لإبطال ما فيها؟ وجاءنا بأمور تجهض الحبلى منها ، وأقبح من ذلك وأطم أن يحسب أولئك الّذين قرضوا
كتابه أن أبحاثه ذات قيمة ، مؤسسة على أساس رصين من الحكمة ، وهي في الحقّ ليست إلاّ شعر شعرور أو شويعر أو متشاعر[١]لا تليق إلاّ بمثل ذلك الكتاب الخارج عن الإعتبار في أعين الناس.
وعقيدتي أن الآلوسي وغيره لو عارضوا عاميّا من الشيعة بما جاء به في كتابه من الأضاليل المنكرة والمزاعم الفاسدة ، لاستطاع ذلك العاميّ على ردّها وتفنيدها بكلّ سهولة ، فكان من اللاّزم عليه قبل تحريره أن يلقي آراءه وسخافات أحلامه على عوام الشيعة ، فإن وجدهم قادرين على ردّها وتزييفها كان ذلك كاف في ردعه وتنبيهه على ألاّ يضيّع شطرا كبيرا من عمره ، وقسطا وافرا من أمواله في سبيل تحريره ونشره ، إذ ما الفائدة في مزاعم وآراء يستطيع العوام على تفنيدها ، وإلاّ فليكتب ما يشاء بأمانة وأدب كي لا يكون موضعا للسخرية والاستهزاء بين طبقات ذوي الثقافة والفضل ولا أضحوكة الدهر بينهم ، فالآلوسي لم يحافظ على هذا الأصل الأصيل في كتابه ولم يعتدل في مشيه ، وكان كمن يمشي والقيد في رجليه فجاء بخرافات التقطها من وراء بعض الدجالين الّذين يرون الركض وراء كلّ بلية كياسة ، ثم هو لم يبرهن على بطلان ما في الحكاية كما يبرهن العقلاء على بطلان الأشياء بل كلّ ما هنالك استغرابات واستبعادات ودعاو مجردة عن الدليل ، وحكايات خالية إلاّ من الإفك والسباب ، خال الاستناد عليها يكون دليلا على ردّها ، وإذا ما كشفنا لك عنها تعلم أنها كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف.
الوجه الثالث : قوله : « أما أولا فلأن تفضيل الأمير على الأنبياء لا سيما على أولي العزم خلاف ما عليه العقلاء ».
فيقال فيه : وأنت لا ترى في هذه المزعمة ما يدل على بطلان تفضيله7عليهم7سوى دعواه كون ذلك خلاف ما عليه العقلاء ومع ذلك ، فنقول له :
[١]الشعرور بضم الشين : الشاعر الضعيف جدا ، ودونه الشويعر ، ودون الشويعر متشاعر ، هكذا سجّله الفيروزآبادي في قاموسه المحيط في ( ص : ٥٩ ) من جزئه الثاني في مادة ( شعر ).
إن أراد من العقلاء نفسه ومن كان مثله من المخبولين فإنا لا نشك في أنهم من الجهلاء الّذين يتقحمون فيما لا يعرفون ويفسدون ولا يشعرون ، وإن أراد من العقلاء غيرهم من المسلمين فالمسلمون لا يشكّون في أن عليّا7أفضل من سائر الأنبياء والمرسلين:إلاّ محمّدا6وليس عند العقل ما يمنع ذلك مطلقا ، ثم أن الحكم بتفضيل شيء على آخر يدور مدار المعرفة والإحاطة بفضل كلّ من الأفضل والمفضول ، وليس للإنسان أن يحكم على ما في باطن الغيب ما لم يطّلع عليه ، ولا يصح أن يبدي رأيه فيه ما لم يحط به علما ، وتفضيل بعض الأنبياء:على بعض كتفضيل بعض الأولياء على بعض الأنبياء:لا يعلمه إلاّ الله والرسول6فليس لغير الله وغير رسوله6من قبله تعالى أن يطّلع عليه أو يحيط به حتى يحكم فيه بنفي أو إثبات ، ولمّا كان أمر التفضيل راجعا إلى الله تعالى كان تعيين الأفضل من قبله ، وإن كان ثمة من هو أفضل من جميع الأنبياء:إلاّ رسول الله محمّد بن عبد الله خاتم الأنبياء6فهو عليّ بن أبي طالب8بنصّ كتاب الله ، قال تعالى في آية المباهلة :(وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ)[ آل عمران : ٦١ ] ولا خلاف بين الأمة في أن المراد من :(أَنْفُسَنا)في الآية الكريمة نفس عليّ7[١]ولا جائز أن يريد أن هذه النفس هي عين تلك النفس بما هي على نحو الحقيقة لأنها قطعا هي غيرها ، وإنما يريد أن هذه النفس مثل تلك النفس ، وذلك ما يقضي بالمشاركة والمساواة للنبيّ6في كلّ شيء نزولا على حكم عموم المنزلة والمشاركة في صريح الآية ، إلاّ أننا تركنا العمل بذلك
[١]راجع ( ص : ٢٧٨ ) من صحيح مسلم من جزئه الثاني في باب فضائل عليّ7وحكاه ابن حجر في صواعقه ( ص : ٧٢ ) في الفصل الأول من الباب التاسع في فضائل عليّ7في الحديث الثالث ، وأخرجه جماعة آخرون من حفاظ أهل السنّة ومفسريهم ، منهم : البيضاوي في تفسيره ( ص : ٢٢ ) من جزئه الثاني ، وابن جرير الطبري في تفسيره ( ص : ١٩٢ ) من جزئه الثالث ، والخازن في تفسيره ( ص : ٣٠٢ ) من جزئه الأول ، والنيشابوري في تفسيره بهامش الجزء الثالث من تفسير ابن جرير ( ص : ٢٠٦ ) والفخر الرازي في تفسيره الكبير عند تفسيره للآية ، وابن حجر العسقلاني في إصابته ( ص : ٢٧١ ) من جزئه الرابع في ترجمته لعليّ7والبغوي محيي السنّة عند أهل السنّة في ص : (٣٠٢) من تفسيره بهامش الجزء الأول من تفسير الخازن ، وجلال الدين السيوطي في الدر المنثور عند تفسيره للآية ، وقد أجمع كلّهم على أن المراد من : ( أنفسنا ) هو نفس عليّ7لا غير فلتراجع فإنه متواتر.