بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 30

فهل يا ترى يجدر بها وهي أم المؤمنين التي أمرها الله بأن تقرّ في بيتها :(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى)[ الأحزاب : ٣٣ ] أن تخرج من بيتها تدعو إلى التفريق بين أبنائها ، وتتذرع إلى بث بذور الفتنة بينهم بكلّ ما لديها من قوّة ، حتّى انخدع بها العدد الكبير من أبنائها ممن فتنتهم بخروجها ، فبعثت بهم إلى مركز جيشها المتألب ، وعند ذلك هجمت بهم وهي في طليعتهم على سياج دين الله الأقوم ، وسرادقه الأعظم ، وكهفه الحصين ، وصراطه المستقيم لتستطيح منه عمده الرفيعة ، وتستبيح من حرمته كلّ منيع ، وحينئذ فلا تسمع من أبنائها إلاّ أصواتا خافتة ، وأنفاسا هافتة ، وهي لا تبرح بين ذلك كلّه تدعو إلى تمزيقهم وتخريقهم ، فكأنها وهي زوجة ذلك المجاهد الأكبر والمنقذ الأعظم6الّذي صدع بدينه الحنيف ، وشرعه المنيف لكي يقيل به هذا العالم من كبوته ، وينتشله من هوّنه ، وينقذه من ضلالته ، ويعيده إلى الهدى والنور ، تريد أن ترجع بأبنائها القهقرى إلى عهد الجاهلية الأولى عهد الكفر والإلحاد والجحود والعناد ، ذلك العهد المظلم بغياهب الجهل الّذي لم تنجل غبرته بنور الإسلام إلاّ بعد أن تكبد صاحبه6في سبيل تأييده وتوطيد أركانه من النكبات ما يقصر الكلام عن تعريفه ، والقلم عن تعديده ، ولقد فات الآلوسي أن يتمثل بقول الشاعر العربي :

يوم جاءت تقود بالجمل العسكر

لا تتقي ركوب خطاها

فألحت كلاب حوأب نبحا

فاستدلّت به على حوباها[١]

يا ترى أيّ أمة لنبيّ

جاز في شرعه قتال نساها

أيّ أمّ للمؤمنين أساءت

ببنيها ففرقتهم سواها

شتتهم في كلّ شعب وواد

بئس أم عتت على أبناها

نسيت آية التّبرج أم لم

تدر أنّ الرحمن عنه نهاها

[١]يشير بذلك إلى ما أخرجه الحاكم في الصحيح من مستدركه على شرط الشيخين في ( ص : ١٢٠ ) من جزئه الثالث ، في باب فضائل عليّ7وابن عبد ربه في العقد الفريد ( ص : ١٠٥ ) من جزئه الثالث في واقعة الجمل ، عن النبيّ6أنه قال مخاطبا زوجاته : ( أيتكن صاحبة كلاب الحوأب ، ثم نظر إلى عائشة ، وقال : احذري أن تكوني أنت ).


صفحه 31

ذكرتنا بفعلها زوج موسى

إذ سعت بعد فقده مسعاها

قاتلت يوشعا كما قاتلته

لم تخالف حمراؤها صفراها

(وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً)[ الإسراء : ٧٢ ].

ثم نقول لهذا الآلوسي : إن الشيعة وإن تناولت بعض الصحابة بالقدح إلاّ أنهم محبّون لهم عارفون لهم فضلهم ، إذ ليس بين ذلك وبين قدحهم تناف ؛ لأن القدح لم يكن مقصودا فوقع ما وقع إن شاء بعضهم أو أبى ، فكلّ من القادح والمقدوح معذور وكان أمر الله قدرا مقدورا ، كما زعم ذلك في المقاتلين عليّا7.

ولو فرضنا كان القدح فيهم قصدا فهو بشبهة قويّة عند القادح أوجبت عليه القدح ، وهو بزعمه أنه من الدين وليس من الضلال ، ومتى كان كذلك فهو لا ينافي المحبة لهم ـ على حد تعبير جدّ الآلوسي ـ وإذا كان الأمر كذلك عند هؤلاء المخبولين فلما ذا كلّ هذا الغيّ والبغيّ من الآلوسي على الشيعة؟ ولما ذا يا ترى نشر هذا الكتاب وملأه بالسّباب والنيل من كرامتهم ونسبة الكفر والضلال إليهم؟ ولما ذا يا ترى جدد طبعه ( محبّ الدين الخطيب ) على مرأى ومسمع من علماء مصر ومثقفيها؟ والشيعة لم يأتوا بما جاءت به الفئات المقاتلة عليّا7فإنهم لم يقاتلوا أحدا من الخلفاء (رض) ولم يريقوا دما لأحد من أوليائهم ، ولم يمسّوهم بسوء كما ارتكب ذلك كلّه الفئة المقاتلة عليّا7وهل تجد لذلك وجها غير كونهم موالين عليّا7ومعادلين لمعاوية وغيره من الفئات المقاتلة عليّا7من أولياء الآلوسي ، ومن القبيح جدا أن تجرّ باؤه وباء الشيعة لا تجر.

قول جد الآلوسي وما فيه

الثالث عشر : إن قول جد الآلوسي : ( فقف عند مقدرك فما أنت وإن بلغت الثّريا إلاّ دون ثرى نعال أولئك ) يعطيك صورة واضحة من صور الضلال لاستلزام قوله أن رسول الله6لم يقف عند مقدره حينما حكم على معاوية وأصحابه بالبغي وأنهم من الدعاة إلى النّار ، فعلى قول جدّ الآلوسي أن رسول الله6


صفحه 32

وإن بلغ ما بلغ من العلوّ والرفعة فهو دون ثرى نعال معاوية وأصحابه الدعاة إلى النار ، وهل هناك كفر أعظم من هذا الكفر ، فالآلوسي وجدّه إما أن يقولا بعدم التوقف في الحكم على القاسطين بالبغي وأنهم دعاة إلى النار ، أو يقولا بوجوب التوقف كما يقتضيه صيغة الأمر من كلمة ( قف ) في كلامه وإلاّ كان دون ثرى نعال أولئك البغاة الدعاة إلى النار؟

فإن قال بالأول بطل قوله : إن الحاكم عليهم بالبغي والضلال دون ثرى نعال أولئك ، وإن قال بالثاني فقد صار إلى أمر عظيم ، وهو الحكم على رسول الله6بأنه دون ثرى نعال أولئك ؛ لأنه6هو الّذي حكم ببغيهم وضلالهم ، وأنهم من الدعاة إلى النّار ، وهو الكفر بعينه ، وكان الأولى بالآلوسي ألاّ يتعرض للشيعة بشيء لئلاّ يتضح للملإ المثقف الحر ـ إن وجدناهم ـ عواره وفساد استدلاله ، وأنه يبرهن بكلامه على إطفاء شعلة ذهنه وسبات عقله :(وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ)[ الرعد : ٣٣ ].

فالشيعة تقول كما يقول رسول الله6إن الفئة الباغية وسائر الطوائف العاثية في الأرض الفساد التي خرجت على عليّ7زمان خلافته7وتحزّبت وشايعت وبايعت على قتاله كلّهم بغاة ودعاة إلى النّار ، وكلّهم داخلون في قوله تعالى :(وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ)[ القصص : ٤١ ].

فإذا كان حكم الشيعة على الفئات المقاتلة عليّا7بالبغي ، والضلال ودخول النار يعدّ ذنبا يؤاخذون عليه فالمسئول عنه رسول الله6سيّد الأنبياء6فالأولى بالآلوسي أن يؤاخذ النبيّ6في حكمه عليهم بذلك قبل أن يؤاخذ الشيعة في حكمهم ؛ لأن للشيعة برسول الله6الأسوة الحسنة.

ثم نقول للآلوسي : إن قول النبيّ6في عليّ7: ( إنه إمام البررة قاتل الفجرة ) يفيد أن الفئة المقاتلة عليّا7كلّهم فجرة وليس فيهم


صفحه 33

بررة ، وأن الفئة التي قاتلت معه كلّهم بررة ، ويقول القرآن :(إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ)[ الإنفطار : ١٣ ـ ١٤ ] فكيف يصح للآلوسي أن يساوي ـ عنادا لله ولرسوله6ـ بين الفريقين ، فريق الأبرار الّذين كانوا مع عليّ7وفريق الفجّار الّذين قاتلوه ، ويقول باطلا آثما : ( فكلّ من الفريقين معذور وكان أمر الله قدرا مقدورا ) والله تعالى يقول في كتابه العزيز :(لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ)[ الحشر : ٢٠ ] وهو نص صريح في نفي المساواة بين الفريقين ، ولا شيء من ذلك بداخل في قوله تعالى :(وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً)[ الأحزاب : ٣٨ ] لأن قتال الفئة الباغية وغيرها عليّا7لم يكن من أمر الله في شيء ولا هو منه على شيء ، بل الأمر معكوس على هذا المستدلّ لأن الله تعالى أمرهم بطاعة عليّ7لا بقتاله7وجعل طاعته كطاعة نبيّه6فهذا رسول الله6يقول : ( من أطاع عليّا فقد أطاعني ، ومن عصى عليّا فقد عصاني )[١]ويقول6: ( من أبغض عليّا فقد أبغضني ، ومن أبغضني فقد أبغض الله ، ومن أبغض الله فقد كفر )[٢]ويقول6: ( من آذى عليّا فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله )[٣]وقال تعالى :(وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)[ التوبة : ٦١ ].

فلو كان قتالهم له:من أمر الله ـ كما يزعم ـ لبطل هذا كلّه ، ولما صح قول النبيّ6فيهم أنهم بغاة ودعاة إلى النّار ، إذ لا شيء من أمر الله يدعو إلى النار.

ويزداد لديك فساد هذه المزعمة وضوحا إذا لاحظت ما قبل الآية الكريمة ، وهو قوله تعالى :(ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ

[١]أخرجه الحاكم في مستدركه ( ص : ١٢٧ ) من جزئه الثالث في باب فضائل عليّ ، وصححه على شرط البخاري ومسلم.[٢]أخرجه السّيوطي في جامعه الصغير ( ص : ١٣٦ ) من جزئه الثاني وصححه من الطبعة الأولى ، وأخرجه الهيتمي في صواعقه ( ص : ١٢١ ) من الطبعة الأخيرة ، وهو الحديث السّابع عشر من الأحاديث التي أوردها في فضائل عليّ7في الفصل الثاني من الباب التاسع وحسّنه.[٣]أخرجه الحاكم في مستدركه ( ص : ١٢٢ ) من جزئه الثالث ، والذهبي في تلخيصه ، وقد اعترفا بصحته على شرط الشيخين.


صفحه 34

خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً)[ الأحزاب : ٣٨ ] فإن معنى الآية : إما أنه ليس على النبيّ6من ضيق فيما أحلّ له من التزويج بامرأة ابن المتبنى لأن حكمه غير حكم الولد الصلبي في تحريم زوجته على أبيه ، أو أنه تعالى فرض وأوجب على نبيّه6أن يتزوج بزينب بعد طلاق زيد بن حارثة لها كما يدلّ عليه ما قبل الآية ليبطل به حكم الجاهلية في الأدعياء وأنه لا يجري المتبنى ـ بالفتح ـ في تحريم إمرأته إذا طلّقها على الأب ، ويعني قوله تعالى : بـ(سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ)[ الأحزاب : ٣٨ ] إما سنّته تعالى في الأنبياء الماضين وشريعته فيهم في رفع الحرج عنهم وعن أممهم بما أباح لهم من ملاذّهم ، أو أنه تعالى أباح لهم كثرة الأزواج كما صنعه داود وسليمان7فكان لداود7مائة زوجة ، ولسليمان ثلاثمائة زوجة وسبعمائة سرية ، أو أنه تعالى يريد بسنّته أن النكاح من سنّة الأنبياء:كما جاء التنصيص عليه من رسول الله6بقوله : ( النكاح من سنّتي ، فمن رغب عنه فقد رغب عن سنّتي ) ويعني تعالى بقوله :(وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً)إما أن ما كان ينزّله تعالى على أنبيائه7من الأمر الّذي يريده قضاء مقضيا ، أو يعني أن أمره تعالى يجري على مقدار لا تفاوت فيه من ناحية الحكمة ، أو يعني أن القدر المقدور هو ما كان على مقدار ما تقدم بلا زيادة ولا نقصان.

الآية لا تدلّ على ما يبتغيه الآلوسي

وإنما تلوناه عليك بطوله لتعلم أن الآية الكريمة لا تريد ما يبتغيه الآلوسي ولا تدلّ عليه بإحدى الدلالات المنطقية ، وشيء آخر يلزم الآلوسي أن يقول به ، وهو أن قوله تعالى :(مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها)لا معنى له وليس له في الوجود صورة ، وذلك لأن كلاّ من القاتل والمقتول معذور بعد أن كانا مشمولين لقوله تعالى :(وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً)ولا مخرج لهما عن منطوقها ، يدلك على ذلك تعليله هذا بقوله : ( فوقع ما وقع إن شاء وإن أبى أبو الحسنين ، فكلّ من الفريقين معذور ، وكان أمر الله قدرا مقدورا ) فهو يفيد خروج القتل والقتال عن مشيئة كلّ من القاتل والمقتول بمقتضى تعليله العليل الموجب بطلان الدين في وعده ووعيده ، بل يوجب بطلان التكليف وبطلان بعثة


صفحه 35

النبيّ6لعدم الفائدة حينئذ فيها ، إذا كان كلّ ما يرتكبه الإنسان بنفسه أو بالآخرين خارجا عن مشيئته ، وأنه يقع إن شاء أو أبى وكان أمر الله ـ في ذلك ـ قدرا مقدورا ، والقول بذلك كفر صريح نعوذ بالله منه.

فالآلوسي بهذا المنطق المفلوج والبرهان المعكوس يحاول عبثا أن يعطي بغاة صفين وغيرهم من الخارجين على عليّ7صفة المحبة له ، والقيام بفضله خشية أن يدخل الفريقان المقاتلان له7والمستحلاّن دمه في قول النبيّ6فيما تقدم ذكره : ( يا عليّ لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق ) وقوله6: ( يا عليّ حربك حربي وسلمك سلمي ) وفي القرآن :(إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً)[ النساء : ١٤٥ ] ويقول الكتاب :(إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ)[ المائدة : ٣٣ ].

فكلّ هذه الأحاديث الصحيحة المسجلة في صحاح أهل السنّة ، وكلّ هذه الآيات الكريمة في القرآن دعت الشيعة الإمامية إلى الانحراف عن المقاتلين عليّا7والإعتقاد فيهم غير ما يعتقده فيهم أعداء عليّ وبنيه:إذ لا يجوز للشيعة وهم مسلمون مؤمنون أن يخالفوا الله ورسوله6ويكونوا حربا لله وحربا لرسوله6ويريدوا غير ما يريدان ـ كما فعل ذلك الآلوسي ـ ، ويؤكد عقيدتهم في الفئة الباغية من أهل صفين قول النبيّ6: ( من سبّ عليّا فقد سبّني ، ومن سبّني فقد سبّ الله ، ومن سبّ الله فقد كفر )[١]وقد ثبت بالتواتر القطعي أن رئيس الفئة الباغية معاوية وأصحابه قد سبّوا عليّا7على المنابر والمنائر في الجوامع والمجامع من سنة سبع وثلاثين من الهجرة إلى سنة تسع

[١]أخرجه السيوطي في جامعه الصغير ( ص : ١٤٧ ) من جزئه الثاني وصححه ، والحاكم في مستدركه ، والذهبي في تلخيصه وصححاه على شرط البخاري ومسلم في ( ص : ١٢١ ) من جزئه الثالث ، والمتقي الهندي في منتخب كنز العمل بهامش الجزء الخامس عن مسند أحمد في باب فضائل عليّ7وغير هؤلاء من حفاظ أهل السنة.


صفحه 36

وتسعين[١]حتى جعلوا ذلك من أورادهم اللاّزمة في مختلف الأوقات ، أللهم إلاّ أن يقول ـ الآلوسي كما قال غيره من أعداء الوصي وآل النبيّ6ـ إنهم مجتهدون فأدّى اجتهاد بعضهم إلى التقاعد عن نصرته وخذلانه ، وبعضهم إلى قتله وقتاله[٢]وإهراق دمه ، ومع ذلك فهم محبون له عارفون له فضله فلهم أجر واحد على اجتهادهم وإن لم يكونوا محقين وكانوا مبطلين.

كأن القوم يرون أن الاجتهاد من الدروع الحصينة التي تخول صاحبه صلاحية قتال عليّ7ووجوب قتله وإن كان ذلك الاجتهاد مقتنصا من الأهواء والضلالات والكفر والنفاق ، وكان مخالفا لقول رسول الله6فيما تقدم نصّه : ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ) بل وإن كان اجتهادهم في سبّ الله وسبّ رسوله6وفي حربهما ، إذن فليرتكب المجتهدون ما شاءوا أن يرتكبوا من

[١]تجده في ( ص : ٢١٤ ) من سنن الترمذي ( وص : ٢٧٨ ) من صحيح مسلم من جزئه الثاني في باب فضائل عليّ7و ( ص : ١٢٦ ) من الفصول المهمة لابن الصباغ المكّي المالكي ، وهذا مما لا خلاف فيه بين الأمة بل هو معلوم حتى عند اليهود والنّصارى وسائر الملل الأخرى إلى زمن عمر بن عبد العزيز.[٢]الغرابة في كون معاوية من المجتهدين ومالك بن نويرة ليس مجتهدا : يقول ابن حجر الهيثمي في خاتمه الصواعق : ( إعتقاد أهل السنّة أن معاوية كان من المجتهدين فله أجر واحد على اجتهاده ) والغريب أيها القارئ أن يكون معاوية من المجتهدين فله أجر واحد على اجتهاده في سبّ عليّ7وقتاله ، ومالك بن نويرة من المرتدين وليس من المجتهدين فله أجر واحد على اجتهاده في امتناعه من دفع زكاته وزكاة قومه إلى أبي بكر (رض) لذا فإن الشيعة تقول إن مالكا لم يصنع مع أبي بكر (رض) ما صنعه معاوية مع عليّ7من السّباب والقتال واستحلال قتله ، فهل يا ترى وجها لهذا الفارق بين الرجلين سوى أن مالكا خالف أبا بكر (رض) فقط ومعاوية لم يكتف بمخالفته عليّا7دون أن قاتله واستحلّ سبابه وقتله ، لذا كان مجتهدا فله أجر اجتهاده ، أما مالك فكافر مرتد وليس مجتهدا وله أجر اجتهاده ، ولو كان الأمر معكوسا لانعكس الأمر عندهم فلو كان المخالف لأبي بكر (رض) والممتنع عن دفع زكاته له معاوية وأصحابه لكان معاوية عندهم كافرا مرتدا خارجا عن الإسلام ، ولما صح الاعتقاد عندهم أنه من المجتهدين فله أجر واحد على اجتهاده.

فتفريق أهل السنّة ـ على حدّ قول ابن حجر بين الرجلين ـ بين مالك بن نويرة الصحابي الكبير المحكوم عليه بالارتداد في محكمة خصوم الشيعة دون النبيّ6مع ثبوت إسلامه بشهادة كلّ من العدلين عندهم عبد الله بن عمر ، وأبي قتادة عند أبي بكر (رض) كما في الإصابة لابن حجر العسقلاني ، لأن مالكا كان مواليا لعليّ7ومخالفا لأبي بكر (رض) ولا يرى له في عنقه بيعة وبين معاوية بن أبي سفيان المحكوم عليه في محكمة النبيّ6بالبغي وأنه من الدعاة إلى النّار فيما تواتر عنه6ولوصيّه عليّ7ومستحلّ لحربهما وسبّهما يغني اللّبيب عن التحقيق إذا لم يكن له في العصبية من نصيب.


صفحه 37

أنواع الضلالات والموبقات وفعل المحرمات ما دام الاجتهاد قد خولهم صلاحية ذلك كلّه ، كما يزعم أولياء الفئة الباغية من أهل صفين تصحيحا وتصويبا لما ارتكبوه من قتل النفوس واستحلال المحرّمات ، وهتك الحرمات ، وما استحلّوه من عترة النبيّ6ما حرّم الله ، وقديما قال رسول الله6: ( ستة لعنتهم لعنهم الله وكلّ نبيّ مجاب : الزائد في كتاب الله ، والمكذّب بقدر الله تعالى ، والمتسلّط بالجبروت فيعز بذلك من أذلّ الله ويذلّ من أعزّ الله ، والمستحلّ لحرم الله ، والمستحلّ من عترتي ما حرّم الله ، والتارك لسنّتي )[١].

وهل يكون الطعن في رسول الله6وفي دينه غير هذا ، ويقابل هذا الاجتهاد اجتهاد إبليس ، واجتهاد المشركين ، واجتهاد قتلة عثمان ، وذلك مع الغضّ عن كون اجتهاد الفرقتين مانعا من حبّهم عليّا7ومانعا من أنهم عارفون له فضله ـ كما يزعم الآلوسي ـ لوضوح بطلان تحقق محبتهم له7مع انتفاء إطاعتهم له7كما تقدمت الإشارة إليه في صريح قوله تعالى :(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ)[ آل عمران : ٣١ ] فإن إبليس قد اجتهد في مخالفة أمر الله كاجتهاد معاوية في مخالفة أمر النبيّ6الّذي استحق من أجله أن يكون من الدعاة إلى النار ، فلإبليس على زعمه أجر واحد على اجتهاده وإن لم يكن محقّا وكان مبطلا ، ولا يمنع ذلك كونه محبّا لله ، ولا ينافي كونه عارفا له قدره حقّ قدره.

وكذا الحال في مشركي قريش فإنهم اجتهدوا في قتال النبيّ6ووجوب قتله لشبهة قويّة عند مقاتليه أوجبت عليهم أن يقاتلوه ، وذلك بزعمهم لا ينافي دينه ، ولا يمنع من كونهم محبين له عارفين له فضله ، فإن جاز مثل هذا الاجتهاد والمخالف لضرورة الدين ، والمقابل لجميع نصوصه القطعية ، والمصادم للأدلّة العقلية الفطرية عند أولياء الفرق الباغية جاز ذلك الاجتهاد لأولئك الأبالسة والشياطين من كفرة قريش وغيرهم من الكافرين ، وهذا لا يقول به ذو دين وذلك مثله لا يقول به من له دين.

[١]أخرجه السيوطي في جامعه الصغير ( ص : ٣٢ ) من جزئه الثاني عن الترمذي والحاكم عن عائشة ، والحاكم عن ابن عمر وصححه.