بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 359

فساد ما زعمه من تعيين رجل لتمام العالم في جميع الأزمنة

سادسا : قوله : « ففي تعيين رجل لتمام العالم في جميع الأزمنة إيجاب لتهييج الفتن ».

فيقال فيه : لقد فات على الآلوسي قول النبيّ6: ( لا يزال الدين قائما حتى قيام السّاعة ويكون عليهم إثنا عشر إماما كلّهم من قريش ) وقوله6: ( يكون بعدي إثنا عشر خليفة كلّهم من قريش ) وقوله6: ( يكون بعدي إثنا عشر أميرا كلّهم من قريش ) وقوله6: ( من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ).

وفي هذه الأحاديث المتواترة دلالة صريحة على أن الأئمة بعد النبيّ6إثنا عشر كلّهم من قريش لا تعيين واحد لتمام العالم في جميع الأزمنة كما يزعم الآلوسي ليبني عليه قوله الفاسد ( إن فيه إيجابا لتهيّيج الفتن ) فالشيعة تقول كما يقول النبيّ6إنه لا يخلو زمان من إمام يجب على أهل كلّ زمان أن يعرفوه ويتبعوه ويؤمنوا به ويعينه كما تقدم ذكره من حديث الثقلين ، الّذي جاء فيه التنصيص على عدم خلوّ البيت النبويّ6من رجل في كلّ زمان هو كالقرآن في وجوب التمسّك به ، وقد آمن به الشيعة وكفر به خصومهم.

قول الآلوسي موجب لبطلان نبوّة كلّ نبيّ

ثم لو فرضنا أن الله تعالى عيّن رجلا واحدا لتمام العالم في جميع الأزمنة ، وهذا الفرض وإن كنا لا نقول به إلاّ على سبيل التساهل مع الآلوسي ، ومع ذلك فإنه لا يوجب شيئا من تهييج الفتن إطلاقا ، لأنه لو كان يوجبه لأوجبه في تعيين رجل واحد لزمان واحد ، وذلك لأن تهييج الفتن لا يحصل إلاّ من ناحية اختلاف الناس في الأهواء والطباع والميول والاتجاهات والأذواق والأفكار ، وحينئذ فلا فرق في ذلك بين أن يكون في زمان واحد أو في كلّ الأزمنة لوحدة المناط ، فكما يوجب تعيينه تهييج الفتن لأجل ذلك في كلّ الأزمان يوجبه في زمان واحد لاشتراك الجميع في العلّة الموجبة فيكون حكمه واحدا ، وهو معلوم البطلان


صفحه 360

لاستلزامه بطلان نبوّة كلّ نبيّ6في كلّ زمان ، فلو كان التعيين تابعا لأهواء النّاس ورغباتهم وميولهم واتجاهاتهم ، وأن كلّ ما يرغبه الناس في كلّ زمان أو في الأزمان كلّها يفعله الله تعالى وما لا يرغبونه لا يفعله ، لزم بطلان نبوّة جميع الأنبياء:في كلّ الأزمان ، فيلزم منه خراب الدنيا وفسادها وهذا ما يبتغيه الخصوم :(وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَ)[ المؤمنون : ٧١ ].

لا سفاهة في اللّطف

سابعا : قوله : « فمع هذا قولهم نصب الإمام لطف في غاية السفاهة ».

فيقال فيه :

قد ألمعنا فيما تقدم منّا أن اللّطف عبارة أخرى عن قوله تعالى :(كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)فأوجب تعالى على نفسه بما اقتضته حكمته أن ينصّب خلفاء بعد أنبيائه ليقوموا مقامهم في نشر شرائعهم وحفظها ، وذلك من أعظم نعم الله تعالى على عباده ، ولا يضرهم كفر من كفر بها وجحد من جحدها ، وإنما أضرّوا أنفسهم بجحودهم وكفرهم بتلك النعمة العظيمة التي أسبغها الله تعالى عليهم منّة منه ورحمة.

لذا ترى أن من كفر بالصّلاة وجحد الزكاة وأنكر الحج والجهاد في سبيل الله ونحوها من الفرائض والواجبات لم يكن كفره موجبا لوهنها ولا رافعا لوجوبها ، فإذا كان إعراض النّاس بسوء اختيارهم عن فعل الطاعات وإقبالهم على ارتكاب المحرّمات وجحد الضروريات وإنكار الواجبات التي فرضها الله تعالى عليهم وألزمهم بها كلّ ذلك لا يقضي بسقوطها وعدم الأمر بها وعدم تشريعها كان إعراضهم بسوء اختيارهم وخبث حصانتهم عن الأئمة من أهل البيت:وخذلانهم لهم وعصيانهم لأوامرهم وقتلهم الأنبياء:وتخويفهم أهل بيت نبيّهم:وسعيهم في قتلهم الأمر الذي ألجأهم إلى الاستتار والاختفاء مخافة القتل والاستئصال أيضا لا يقضي بعدم وجوب نصبهم ولا بجواز مخالفتهم والانحراف عنهم والركون إلى النماردة والفراعنة.


صفحه 361

فلو كان ذلك من السّفاهة كما يزعم الخصم لزمه نسبة السّفاهة إلى الله تعالى لأنه أوجب ذلك عليهم وألزمهم بالطاعة للأنبياء:وامتثال أوامر الأئمة:وكتب عليهم إقامة الصّلاة وإيتاء الزكاة لأهلها وفرض عليهم الجهاد في سبيل الله إلى غير ما هنالك من الواجبات التي ألزمهم بفعلها والمحرمات التي نهاهم عن ارتكابها ، وهو تعالى يعلم بعصيان عاصيها وترك تاركيها وجحد جاحديها ، فإذا كان جحدها وعصيانها موجبين لسفاهة الأمر بها والنهي عنها كان خذلان النّاس للأئمة:وقتلهم الخلفاء:وإعراضهم عنهم أيضا موجبة لسفاهة نصبهم وتعيينهم ، وإذا كان قتلهم الأنبياء:وتحقيرهم لهم:وتكذيبهم وعصيانهم وعدم إطاعتهم موجبة لسفاهة إرسالهم وبعثهم وتعيينهم كان عصيانهم للأئمة من آل النبيّ6وقتلهم لهم وخذلانهم وعصيانهم موجبة لسفاهة تعيينهم ونصبهم ، لأن الجميع من واد واحد وحكمه واحد ولا أحسب أن أحدا على الإطلاق من أي ملّة ودين ومن أي عنصر يكون فضلا عن كونه يدين بدين الإسلام يتجرأ أن يزعم أن عصيان النّاس وجحدهم لأوامر الله تعالى وقتلهم الأنبياء:والأئمة وخذلانهم لهم يقتضي ألاّ يأمرهم الله تعالى بشيء ولا ينهاهم عن شيء ولا يرسل لهم أنبياء ولا ينصب بعدهم أئمة وخلفاء لأن القول بذلك خروج عن الأديان كلّها.

نعم يجوز ذلك كلّه عند خصم الشيعة ، لذا تراه يقول بكلّ اطمئنان : ( إن غلبة المخالفين )[١]للأئمة:وخذلانهم لهم وعصيانهم لأمرهم تقتضي ألاّ يجب على الله تعالى نصبهم ولا تعيينهم ، لأن ذلك من السّفاهة على حدّ زعمه ، ويقابل هذا كما قدّمنا القول فيه إن غلبة المخالفين للأنبياء:وخذلانهم لهم وعصيانهم لأوامرهم بل وقتلهم لهم تقتضي أيضا ألاّ يجب على الله نصبهم ولا تعيينهم ولا إرسالهم ، لأن ذلك أيضا من السّفاهة وإلاّ لكان الواجب عليه تعالى تأيّيدهم دائما وإظهارهم على مخالفيهم أبدا ـ كما لا يزعم الخصم ـ المتجرئ على الله تعالى بنسبة السّفاهة إليه وهذا هو الكفر بعينه.

[١]إن حديث : ( لا تزال طائفة من أمتي قائمة بالحقّ لا يضرّها من خالفها وخذلها ) أوضح دليل على صحة ما نقول وبطلان ما يقول ، وقد تقدم ذكره عن صحيح البخاري وغيره من الصحاح فلتراجع.


صفحه 362

عدم اشتراط اللّطف بالتصرف دائما

ثامنا : قوله : « إذ المعترض يقول بشرط التصرف والنصرة لطف ».

فيقال فيه : إن اعتبار هذا الشرط في تحقق اللّطف مبنيّ على تجاهل الآلوسي بمعنى اللّطف الّذي تقول به الشيعة ، فإنهم لا يقولون بشرطية النّصرة دائما والغلبة أبدا في تحققه حتّى يلزمون به ، وإنّما معناه عندهم على ما حكاه الخصم نفسه في ص : (٦٣) من كتابه : ( هو ما يقرّب العبد إلى الطاعة ويبعّده عن المعصية ) ولا يخفى حتّى على الأغبياء ، معنى هذه الجملة وهو أن الأمر بما يقرّب العبد إلى الطاعة ليس علّة تامة للاقتراب إلى الطاعة والنهي عما يبعده عن المعصية ليس علّة موجبه لدفعه عن المعصية وابتعاده عنها على وجه لا ينفك ذلك عنه لاستلزامه سلب الاختيار عنه ، وهو خلاف اللّطف عندهم فإنهم لا يريدون من اللّطف غير أن الله تعالى لمّا أوجب على نفسه الرحمة وأوجب عليها هداية النّاس أمرهم بما فيه خيرهم وصلاحهم في الدنيا والآخرة ، ونهاهم عمّا فيه فسادهم وهلاكهم كذلك أيضا ، وقد علموا ذلك كله بواسطة أنبيائه:وخلفائهم:فمن أطاع وامتثل كان من المقرّبين الداخلين في جنّات النعيم ، ومن خالفه وعصاه كان من المعذّبين والنازلين في الجحيم.

هذا هو قول الشيعة في اللّطف وهذا ما تعتقده وترى وجوبه ، ولمّا كان في وجود الإمام صلاح العباد والبلاد وهداية النّاس إلى الرشاد ونهيهم عن الفساد في الأرض كان ولا شك في أن نصبه من الرحمة وتعيينه من الهدى بعد الأنبياء:لئلاّ يضيع أمر دين الله ، وحينئذ فيجب على النّاس إطاعة أمرهم والانتهاء عن نهيهم ، وليس أمرهم ونهيهم من العلل الموجبة لعدم التخلّف وإلاّ لاستلزم الجبر المعلوم بالضرورة من العقل والدين بطلانه ، بل لو كان ذلك موجبة تامة لكان في أمر الله ونهيه أشدّ وهو باطل قطعا ، لذلك تقوم الحجّة بهم لله على النّاس ، فمن أطاعهم كان ناجيا ومن عصاهم وخذلهم وقتلهم على دعوتهم إلى الله كان هالكا وخالدا في العذاب الأليم.


صفحه 363

أما كونهم منتصرين على العباد دائما وظاهرين عليهم أبدا وقاهرين لهم على فعل الطاعة وترك المعصية التي أناطها الله تعالى بالاختيار فلا شيء منه بمأخوذ في مفهوم اللّطف إطلاقا ، بل القهر والجبر على ذلك خلاف اللّطف وخلاف الرحمة والمنّة عليهم وهو قبيح منزّه عنه ويستحيل وقوعه منه ولا يجوز نسبته إليه مطلقا ، كما أن اشتراط التصرف دائما والانتصار والظهور أبدا في مفهومه موجب لأكبر المفاسد وأعظمها المغالاة فيهم واتخاذهم آلهة من دون الله ، لأنهم إذا كانوا ظاهرين أبدا ومنتصرين دائما بما أعطاهم الله من المعجزات أيقنوا أنهم أرباب وآلهة ، وليس هذا من اللّطف في شيء.

ولقد فات الآلوسي أن يستمع إلى قول الشاعر العربي :

ولو أنّهم فيما لهم من معاجز

على خصمهم طول المدى لهم النّصر

لغالى بهم كلّ الأنام وأيقنوا

بأنّهم الأرباب والتبس الأمر

لذلك طورا ظافرين تراهم

وآخر فيهم ينشب النّاب والظفر

فساد لزوم التأييد والانتصار في معنى اللطف

تاسعا : بقوله : « إذا لم يكن التأييد في البين والإنتصار أبدا لم يكن لطفا ».

فيقال فيه : إن أراد أن إرسال الأنبياء:ونصب الخلفاء بعدهم يهدون العباد إلى ـ الحقّ وينهونهم عن الضّلال ليس بلطف من الله عليهم ولا رحمة لهم لزمه إن يقول أن الله تعالى بذلك كلّه كان لاعبا عابثا ، لأن ذلك إن لم يكن لطفا ورحمة فيما بقي إلاّ أن يكون عبثا ونقمة ، وإن أراد أنه ليس بلطف ولا رحمة للأنبياء:والأئمة لأنهم مقهورون ومغلوبون من قبل أعدائهم ومخالفيهم وغير منتصرين على خصمائهم وغير مؤيدين دائما لزم الآلوسي أن يقول إنّ الله تعالى أراد بذلك أن ينتقم من أنبيائه وخلفائهم:وما أراد لهم الرحمة وما كان لطيفا بهم ، وأنه لو كان يريد لهم الرحمة أو اللّطف لجعلهم منصورين أبدا وغالبين دائما كما يزعم الخصم الّذي يلقي كلامه وهو لا يدري أو يدري بما ينطوي عليه من الطعن في الله والكفر به.


صفحه 364

فظهر من ذلك كلّه أن اعتبار شرط الانتصار دائما والغلبة أبدا في تحقق اللّطف شيء اخترعه المنافقون الّذين يقولون في الله تعالى إنه أراد الانتقام من أنبيائه وخلفائهم ، وما أراد لهم الرحمة ولم يكن لطيفا بعباده بل كان ظلوما غشوما تعالى عما يقول المنافقون لأنهم مغلوبون مقتولون ومقهورون ومخذولون من أعدائهم ومخالفيهم ـ كما يزعم الخصوم ـ :(أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ)[ الأعراف : ١٦٩ ].

ثم إن ما ابتلى به الله تعالى نبيّه أيوب7وغيره من الأنبياء:ـ كان على زعم هذا الخصم العنيد ـ أنه تعالى أراد الانتقام منه لأنه لا عوض على زعمه ، وكذا الحال في يوسف ويعقوب7وغيرهما من الأنبياء:الماضين ، فإن منهم من قتلوه قتلا ، ومن نشروه بالمناشير ، ومن ذبحوه ذبحا ، ومن طبخوه طبخا ، ومن رسّوا عليه الأرض رسّا ، وكان بنو إسرائيل يقتلون في كلّ ليل إذا يغشى أو نهار إذا تجلّى عدا كبيرا من أنبياء الله تعالى ، وقد استعملت معهم أممهم كلّ ألوان التحقير والعذاب والإهانة والاضطهاد إزاء دعوتهم إلى الله تعالى وهدايتهم إلى سبيل الهدى وطريق الرشاد ، وكان أعظمهم أذى في ذات الله هو نبيّنا خاتم الأنبياء6حتى قال6: ( ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيت ) وهذا معلوم لدى كلّ أحد ، فعلى قول الخصوم إنه تعالى لم يرسل الأنبياء:إلاّ لينتقم منهم وما جعل خلفاءهم بعدهم خائفين مقهورين مغلوبين مستترين إلاّ ليلعب ويعبث وينتقم منهم أيضا ـ تعالى الله عمّا يصفون ـ.

ولو عرف الخصم بما في ذلك من اللّطف العظيم والثواب الأوفى والرحمة الواسعة والدرجات الرفيعة والمقام المحمود عند الله ، وما أعدّه لهم من عظيم الزّلفى لعاد أخيرا إلى كلامه ومحاه بالماء الّذي يتقطر من جبهته خجلا.

تخويف النّاس للأئمة معلوم بالضرورة

قال الآلوسي ص : (٨٢) : « وأيضا ما ذكروه من تخويف النّاس للأئمة غير مسلّم وهذه كتب التأريخ في البين ، وأيضا التخويف الموجب للاستتار إنّما هو إذا


صفحه 365

كان بالقتل وهذا لا يتصور في حقّ الأئمة لأنهم يموتون باختيارهم كما أثبت ذلك الكليني في الكافي ، وأيضا لا يفعل الأئمة أمرا إلاّ بإذنه تعالى ، فلو كان الاختفاء بأمره وقد مضت مدّة والخفاء هو الخفاء فلا لطف بلا امتراء ، وأيضا إن كان واجبا لزم ترك الواجب في حقّ الّذين لم يكونوا كذلك كزكريا ويحيى والحسين:وإن لم يكن واجبا بأن كان مندوبا لزم على من اختفى ترك الواجب الّذي هو التبليغ لأجل مندوب وهو فحش ، وإن كان أمر الله مختلفا بأن كان في حقّ التاركين بالندب مثلا وفي حقّ المستترين بالفرض لزم ترك الأصلح الواجب بزعم الشيعة وهذا باطل أيضا.

نقول : الاختفاء من القتل نفسه محال لأن موتهم باختيارهم وإن كان من خوف إيذاء البدن يلزم أن الأئمة فرّوا من عبادة المجاهدة وتحمّل المشاقّ في سبيله وهذا بعيد عنهم ، ومع هذا لا معنى لاختفاء صاحب الزمان7بخصوصه فإنه ليعلم باليقين أنه يعيش إلى نزول عيسى7ولا يقدر أحد على قتله ، وإنه سيملك الأرض بحذافيرها فأي شيء يتخوف منه ويختفي ، ولم يظهر الدعوى ويتحمل المشقّة كما فعله سيّد الشهداء7فالاختفاء مناف لمنصب الإمامة الّذي مبناه على الشجاعة والجرأة ، فهلاّ خرج وصبر واستقام إلى أن ظفر ، واستتار سيّد الأبرار من خوف الكفار فكلام واقع في غير موقعه لأن استتاره لم يكن لإخفاء دعوة النبوّة بل كان من جنس التورية في الحرب وهذا أيضا كان ثلاثة أيام فقياس ما نحن فيه عليه غاية حماقة ووقاحة ... انتهى ».

المؤلف : أولا : قوله : « وأيضا ما ذكروه من تخويف الناس للأئمة غير مسلّم ».

فيقال فيه : لقد علم المسلم والكافر والبر والفاجر والعالم والجاهل أن بني أمية وأمراء بني العباس وولاتهم الظالمين المفسدين في الأرض قد أخذوا على الأئمة من آل رسول الله6أطراف الأرض وآفاق السّماء ، ولم يراعوا فيهم إلاّ ولا ذمة ولا احتراما لحقوقهم ولا رعاية لحرمتهم ، بل استعملوا معهم كلّ أنواع التحقير والتذليل والقتل والإهانة حتى أتوا على آخر نفس من أنفاس حياتهم


صفحه 366

الزكية ، وأنزلوا بهم من الأمر الشنيع والخطب الفظيع ما يملأ قلوب الإنسانية قيحا ، ويفجّر عيونها دما.

وبكلمة واحدة يعرف كلّ أحد أنه ما مات منهم أحد حتف أنفه وما منهم إلاّ مسموم أو مقتول ، فدونك السير والتواريخ لمن جاء على ذكرهم من خصوم الشيعة لتعلم ثمة كذب هذا الخصم المنتصر لأعداء أهل البيت:بقلبه ولسانه وقلمه ، وأن ما زعمه من عدم تخويف النّاس لهم:افتراء لا أصل له.

وكيف يا ترى لا يلتجئون إلى الاختفاء خوفا من أعدائهم الأمويّين والعباسيّين من أسلاف الآلوسي الّذين كانوا يتقربون إلى أوثانهم بسفك دمائهم حتّى لو أن رسول الله6أوصاهم بقتلهم ونهبهم وتحقيرهم وتذليلهم لما تجاوز ذلك عمّا فعلوا بهم وارتكبوا منهم ، فكيف يزعم هذا العدو دفاعا عن أئمته بغاة صفين والدعاة إلى النار أنهم لم يخوفوا أهل البيت:بشيء ولم ينالوهم بسوء ، وما ذا يا ترى يريد الآلوسي بعد هذا كلّه أن يصنعوا معهم حتى يشفي غليله ويلين أعاليه ، فإن القوم لم يتركوا شيئا إلاّ فعلوه مع أهل البيت:من القتل والسلب والأسر والهتك والاستبداد كما تحدّثنا بذلك سلسلة الحوادث التأريخية التي اتصل أولى حلقاتها بأولهم وآخرها بآخرهم.

الموت غير القتل

ثانيا : قوله : « أيضا التخويف الموجب للاستتار إنما هو القتل ، والقتل لا يتصور في حقّ الأئمة لأنهم يموتون باختيارهم » ، فمدخول لوجهين :

الأول : إن إبطال حياة الحيّ الناشئ عن القتل بالسيف ونحوه غير الموت حتف الأنف ، ولا يلزم من وجود إحداهما وجود الآخر بدليل قوله تعالى :(أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ)[ آل عمران : ١٤٤ ] وقوله تعالى :(ما ماتُوا وَما قُتِلُوا)[ آل عمران : ١٥٦ ] وقوله تعالى :(وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ)[ آل عمران : ١٥٨ ].

وليس من الجائز أن يكون التأكيد والتكرير في اللّفظين : ( الموت والقتل ) يرجعان إلى معنى واحد عند أهل العربية ، فلا يصح حمل القرآن عليه لاستلزامه