وقوله تعالى :(وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ)[ الأنعام : ١٤٦ ] ومفهوم الآيتين واضح ، وفيهما دلالة صريحة على أن العلّة في تحريم ذلك عليهم هو عصيانهم لا وصف ثابت للمذكورات ، وحينئذ فلا يمكن الجزم بأن الجامع بين المقيس والمقيس عليه علّة للحكم لجواز أن تكون خصوصية الأصل المقيس عليه شرطا للحكم المنصوص ، أو تكون خصوصية الفرع مانعة من إلحاق غير المنصوص بالمنصوص ، أو تكون صفة المكلف هي التي أوجبت الحكم ، فهذه كلّها دلائل واضحة على بطلان إلحاق أمر غير منصوص عليه بآخر منصوص عليه في الحكم الشرعي الّذي هو القياس الباطل.
الاستدلال بالقلّة على الحقية
قال الآلوسي ( ص : ٢٣ ) : « ومن مكايدهم أنهم يقولون إن مذهب الإثني عشرية حقّ لأنهم أقلّ من أهل السنّة ، وقال تعالى :(وَقَلِيلٌ ما هُمْ)[ ص : ٢٤ ](وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ)[ سبأ : ١٣ ].
والجواب : أنه لا يخفى على العاقل أن في هذا التقرير تحريفا لكلام الله ، فإن الله تعالى قال في أصحاب اليمين :(ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ)[ الواقعة : ٣٩ ـ ٤٠ ] والثلّة الجم الغفير ، وليس في الآية الكريمة المذكورة بيان حقّية المذاهب وبطلانها ، وعلى تقدير كون القلّة والذلّة موجبة للحقيّة ، يلزم أن يكون النواصب والخوارج وغيرهم أحقّ من الإثني عشرية لأنهم أقلّ منهم ـ إلى أن قال ـ : فبان كيدهم وخسر هنالك المبطلون ».
المؤلف : أوّلا : قوله : « إنهم ـ أي الشيعة ـ يقولون إن مذهب الإثني عشرية حقّ لأنهم أقلّ من أهل السنّة ».
فيقال فيه : إن أراد أن القلّة مطلقا تلازم الحقيّة على معنى أن كلّ قليل يكون الحقّ في جانبه من كلّ كثير ، فذلك ما لا تقول به الشيعة الإثنا عشرية ، وإن أراد الملازمة بينهما في الجملة فذلك ما تقول به الإمامية ، ودليلهم على ذلك قوله
تعالى :(وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ)[ سبأ : ١٣ ] ولا شك في أن كل شاكر مسلم ، والإمامية مسلمون وهم قليلون بالنسبة إلى غيرهم من المسلمين ، فإذا ثبت أنهم مسلمون قطعا وثبت أنهم قليلون جزما ثبت أنهم هم الشاكرون ، فأيّ تحريف يا ترى في هذا التقرير كما يزعم الآلوسي ، فإنه لم يأت بشيء يبطل به الاستدلال بالآية على حقيّة الإمامية سوى قوله : ( إن في هذا التقرير تحريفا لكلام الله ) وعدوله إلى آية أخرى لا ربط لها بما نحن فيه مثله مثل الغريق يتشبث بالطحلب أو بأرجل الضفادع.
ومن هنا يستشرف القارئ على القطع بفساد تلفيقاته وبطلان تمويهاته التي حاول بها تحويل الحقيقة إلى الإفك والزور ليقول فيها ما يشاء ، ثم من أين لك أيها ( الشيخ ) أن الشيعة الإمامية تستدل على حقيّتها بالقلّة ، ومتى استدلّوا بذلك ، وأين استدلوا ، ومن هم المستدلون بها منهم ، ومن هم الناقلون له؟ بل لا حاجة بهم إلى الاستدلال بالآية على حقيّتهم وهي وإن كانت لعمر الله مما يصح الاستدلال بها على حقيّتهم إلاّ أنهم يستدلون عليها بالصحاح المحمدية الجياد المتفق على صحتها بين الفريقين ، فهم غير محتاجين إلى الاستدلال بالقلّة ، سواء أكان الاستدلال بها صحيحا أم غير صحيح ، وقد أغنتهم الأدلّة القاطعة لجذور الأباطيل على أنهم هم الفرقة الناجية المستثناة من بين ثلاث وسبعين فرقة هالكة في النار ، على ما حدّثنا عنها حفاظ أهل السنّة ومشاهير أعلامهم في صحاحهم ومسانيدهم ، وقد تقدم ذكره في أوائل الكتاب فلتراجع ، وهو يدلنا على نجاة فرقة واحدة ، وقد احتدم النزاع في تعيينها وأدلت كلّ فرقة بما لديها من حبال وعصي لإثبات أنها هي ، ولكنها كلّها مفككة العري مضمحلة القوى ، لم يذهبوا بها مذهب العقل السّليم ، وكلّها مصادرات ومغالطات تنقص قيمة الدليل وتذهب مزيته وتحوله إلى المشاغبة.
وقد أغنانا عن الإحتجاج بشيء من ذلك في تعيينها الحديث المشهور الّذي لا ريب فيه وقد اعترف بصحته الجميع ، وقد رواه معاريف حفاظ الحديث من أهل السنّة في صحاح كتبهم ، وحكم الجلّ لو لا الكلّ منهم بصحته واشتهاره ، وقد
اعترف الآلوسي نفسه بثبوت نقله وصحته من قول النبيّ6: ( مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح ) وقد تقدم ذكره ، ولا شك في نجاة الفرقة التابعة لأهل البيت النبويّ6والطائفة التي ما برحت تابعة لهم في أصولها وفروعها وعقائدها وسلوكها ، وآخذة أحكامها وسائر أعمالها منهم:هي الطائفة الإمامية الموالية لمن والوا والمعادية لمن عادوا ، دون غيرها من سائر الطوائف.
آية ثلة من الأولين وثلة من الآخرين
وأما قوله تعالى :(ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ)[ الواقعة : ٣٩ ـ ٤٠ ] فعبارة أخرى عن قوله تعالى :(وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ)وقوله تعالى :(وَقَلِيلٌ ما هُمْ)لا سيما إذا لا حظنا قوله تعالى قبلها :(ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ)[ الواقعة : ١٣ ـ ١٤ ] على أن الثلة كما في مختار الصحاح وغيره جماعة من الناس ، وأصله القطعة من قولهم ثلّ عرشه إذا قطع ملكه بهدم سريره ، وليس كما يزعمه الآلوسي أنها الجم الغفير ، فإن هذا لم يرد في لغة العرب ، وهب جدلا أنها الجم الغفير ومع ذلك فإنها تريد الكثير المقابل للأكثر ، فالآية على هذا تريد الكثير دون الأكثر ، فهي لا تنطبق إلاّ على الشيعة الإمامية ، لأنهم مسلمون وأقلّ من غيرهم من المسلمين ، وغيرهم أكثر منهم ، فهم المعنيون حتى على قول الآلوسي ، بقوله تعالى :(وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ)فهم الثلّة من الآخرين المدلول عليهم في الآية الثانية ، وهم القليل من الآخرين المدلول عليه في الآية الأولى في سورة الواقعة ، فأهل السنّة خارجون عن منطوق هذه الآيات لكثرتهم من جهة ولأكثريتهم من جهة أخرى ، وأما غيرهم من النواصب والخوارج فخارجون عنها بوصف الكفر والخروج عن الإسلام.
وبعبارة أخرى : الشيعة هي المعنية بقوله تعالى في الآيتين :(وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ)وقوله تعالى :(وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ)لأنهم ثلّة وقلّة من الآخرين المدلول عليهما في الآيتين لا أهل السنّة ولا غيرها ، لخروج الأول بوصف الكثرة بالنسبة إلى القلّة ، وبوصف الأكثر بالنسبة إلى الكثير ـ كما يزعم الآلوسي ـ وخروج الثاني بوصف الكفر.
ثانيا : قوله : « وليس في الآية بيان حقيّة المذاهب ».
فيقال فيه : ليس في الدين مذاهب[١]وإنما :(الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ)وإنما
[١]ونحن نسأل الآلوسي وغيره عن هذه المذاهب والتي هي أربعة عندهم فقط : أكان أهلها من أصحاب رسول الله6أو لا؟ وهل كانوا جميعا من التابعين الّذين لقوا أصحابه6فسمعوا منهم ورووا عنهم أو لا؟ أو أنهم تكلموا فيما بعد وتعلموا العلم من الآخرين ، فتقرر إجماع المتأخرين من جمهور أهل السنّة من عهد الملك الظاهر بيبرس البندقداري في مصر سنة ( ٦٥٥ ه ) إلى يومنا هذا على وجوب تقليدهم والأخذ بقول واحد منهم وحرمة ما عداها ، وأن من خالف ذلك إلى غيره لا يولّى إمامة الجماعة ولا منصب القضاء ، ولا يباع ولا يشارى ، ولا يصلّى على جنازته كما سجّل ذلك كلّه المقريزي في خططه ( ص : ١٦١ ) من جزئه الرابع عند ذكره للملك المذكور.
أما الأول والثاني : فلا بد وأن يقول في جوابهما : ( لا ) ، وأما الثالث ، فيقال له : هل في كتاب الله آية أم في السّنة النبوية6رواية تدل على وجوب الأخذ بقول واحد منهم؟ وهل كانوا جميعا في زمان واحد؟ فلا بد أن يقول في جوابهما : ( لا ) لأنهم كانوا في أزمان متفرقة ، فقد ولد أبو حنيفة النعمان سنة ثمانين ومات سنة خمسين ومائة ، وولد مالك سنة خمس وتسعين ومات سنة تسع وسبعين ومائة ، وولد محمد بن إدريس الشافعي سنة خمسين ومائة ومات سنة مائتين وأربع ، وولد أحمد بن حنبل سنة أربع وستين ومائة ومات سنة إحدى وأربعين ومائتين ، على ما سجّل ذلك كلّه ابن خلكان في وفيات الأعيان في ( ص : ١٧ و ٢٦ و ٣٢ و ٤٢٩ و ٤٤٧ و ٤٤٨ ) من جزئه الأول ( وص : ١٦٣ و ١٦٦ ) من جزئه الثاني ، وهكذا ذكره المقريزي في خططه من جزئه الرابع.
ثم يقال للآلوسي : هل كان هؤلاء كلّهم على مذهب واحد وفتوى واحدة؟ فلا بد أن يقول : إنهم كانوا على آراء مختلفة وعقائد متضادة كما صرح به المقريزي في خططه ( ص : ١٨٦ ) من جزئه الرابع ، وغيره من مؤرخي أهل السنّة ممن جاء على ترجمتهم ـ وقد تقدم ذكر بعضها ـ وحينئذ يقال له : كيف جاز في الدين الاتفاق على وجوب الاقتداء بهم والقرآن لم يأمر به والرسول6لم يرخص فيه مع ما هم عليه من الاختلاف الفاحش في الفتاوى ، الأمر الّذي خرجوا به عن طريق النبيّ6من الاتفاق وعدم الاختلاف ، وتباعدوا بذلك عن قواعد الإسلام من وحدة العقيدة واتحاد المبدأ وعدم التضاد في أحكامه من حلاله وحرامه في المجالات كلّها ، كما يقول القرآن :(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً)[ المائدة : ٣ ] فإذا كان الدين كاملا في حياة النبيّ6فلما ذا اختلف هؤلاء في حلاله وحرامه وتناقضوا في أهوائهم وتباينوا في آرائهم؟ فإن قال : إن هذا الاختلاف من الرواة الّذين رووا عنهم ، فيقال له : فقد شهدت على رواة الحديث عندك بالكذب أو الضلال وتبديل الإسلام ، فكيف يجوز الوثوق بهم والاعتماد عليهم فيما ينقلونه عنهم ، وإن قال : هذا الاختلاف من الأئمة الأربعة أنفسهم لحاجة دعتهم إلى ذلك ، أو لطلب ما ضاع والتبس عليهم من شرع النبيّ6.
فقد شهدت على نفسك بأن الدين لم يكن محفوظا ولم يترك النبيّ6لهم قيّما عليه وحافظا له من الضياع وقائما به ، فكيف يجوز الاقتداء بمن يشهد على ربّه ونبيّه6وشريعته بمثل هذه الأباطيل ،
ثم يقال له : ما هي تلك الحاجة في أنفسهم التي دعتهم إلى هذا الاختلاف في دينهم والتضارب في آرائهم ، مع أن المفروض بهم أن يكونوا واحدا قولا وفتوى وعقيدة ، لأن هذا هو الدين الّذي أنزله الله تعالى على نبيّه6وأمره أن يدعو الناس إليه ، اللهم إلاّ أن تكون تلك الحاجة التي في أنفسهم هي حبّ الظهور في مخالفة الشريعة والانحراف عن الوصيّ وآل النبيّ6الّذين أمرهم الله تعالى على لسان نبيّه6بالتمسك بهم والرجوع إليهم والاقتداء بهم في كلّ أمر ونهي ، كما دلّت عليه نصوص الفريقين المتواترة ، وإن قال : إن الدين كان تاما محفوظا ، فيقال له : فأيّ شيء يا ترى ضاع منهم هو غير الدين وشريعة سيّد المرسلين6حتى فتشوا عنه ووجدوا في الحصول عليه واختلفوا لأجله هذا الاختلاف؟ فإن قال : قد اختلفوا من غير حاجة بهم إلى الاختلاف ، فقد شهد عليهم أنهم أرادوا به تشويه سمعة النبيّ6وتقبيح ذكره وتزهيد الناس في اتباع شريعته الحقّة ، وأن يدخلوا في دينه6ما لم يكن داخلا فيه ويخرجوا ما كان داخلا فيه ، فكيف يجوز الاقتداء في الدين بمن كان متصفا بهذه الصفات ، فإن قال : إنهم أعرف بالشريعة من الله ورسوله6وأن لهم أن يزيدوا فيه وينقصوا منه ويدخلوا فيه ويخرجوا منه ما شاءوا ، وأنهم أتوا بما لم يأت به النبيّ6من الهداية فقد خالف بذلك عقول العقلاء ، وناقض به مذاهب جميع الأنبياء:ويلزمه أن يقول : إنهم أعلم من الله بنفسه وهذا هو الكفر بعينه.
ثم يقال له : إذا كان هؤلاء الأئمة في أزمان متفرقة وعلى مذاهب مختلفة فلا يصح أن يكونوا جميعا على الحقّ والصواب ، لأن الحق والضلال لا يجتمعان في واحد ، كما يقول القرآن :(فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ)ولما ذا لا يكونون جميعا على الباطل مع أن ترجيح واحد منها على غيره هو ترجيح بلا مرجح وهو باطل يوجب بطلان ما عداه من المذاهب الثلاثة ، ويكون الحقّ مع من كان قبلهم من الصحابة والتابعين الّذين صحبوا رسول الله6والتزموا بشريعته واتبعوا التي هي طريقة واحدة ، ولم يتعبّدوا بواحد من هذه المذاهب الأربعة المتأخرة عن عصرهم وهم خير القرون كما يزعمون.
فاتباع أهل بيت النبيّ6العظام:وأصحابه الكرام إن لم يكن هو المتعيّن وأحق بالاتباع فلا أقلّ من الحكم بالمساواة بينهم وبين الأربعة ، وهذا ما يوجب بطلان تعيين الرجوع إلى خصوص الأربعة وتحريم غيرها من المذاهب ، ثم يقال له : لما ذا لا تكون المذاهب لو صح وجودها في الإسلام أكثر عددا أو أقل من أربعة؟ ومن هذا الّذي حدّد هذا التحديد وجعل أئمة المذاهب أربعة لا يزيدون واحدا ولا ينقصون؟ وليس لهذا التحديد في القرآن أثر ولا في شريعة سيّد الأنام6خبر كما ليس في أدلة المسلمين ما يدل على اختصاص الاجتهاد واستنباط الأحكام ومعرفة الحلال والحرام بالدليل بخصوص أرباب هذه المذاهب.
وكيف يصح لمن له عقل أو شيء من الدين أن يزعم أن علوم الاجتهاد قد انمحت ودرست معالمها عند جميع المسلمين لا سيّما عصر الصحابة والتابعين الّذين لم يتدينوا بشيء من هذه المذاهب إلى السنّة المذكورة إلاّ عند هؤلاء الأربعة؟ أو يزعم أن عقول المسلمين كلّهم إيفت وأفهامهم عقمت إلاّ عقول الأربعة وأفهامهم؟ أو أن المسلمين قبل وجود أصحاب هذه المذاهب وبعد انقراضهم ليس فيهم من يعرف حكم الله بدليله ويقوم لله بحجته غير الأربعة؟ فهل يصح لعاقل أن يزعم أنهم كانوا ورثة ـ
الأنبياء:أو ختم الله بهم الأوصياء وعلّمهم علم ما كان وما يكون ، وآتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين ، فاختصت علوم الشريعة بكتابها وسنّتها بهم ، حتى صارت ملكا من أملاكهم إلاّ ما يهبه هؤلاء لغيرهم ، ولو فرضنا جدلا أن علوم الاجتهاد قد انمحت عند جميع المسلمين وخاصة أهل القرون الثلاثة ، وفرضنا أنه لا يوجد فيهم من يعرف حكم الله بدليله ما عدا الأربعة ، فكيف يا ترى كان عملهم من ذي قبل؟ بل وكيف كان عمل الأربعة قبل بلوغهم رتبة الاجتهاد؟ فما بقي إلا أنهم كانوا جاهلين بأدلة الدين في تلك القرون الكثيرة وأعمالهم كلّها كانت باطلة ، لأنهم لم يتعبدوا قطعا بشيء من هذه المذاهب ، وهذا لا يذهب إليه إلاّ مجنون.
فإن زعم الآلوسي قيام الإجماع من المتأخرين على هذا التحديد بالأربعة ، فيقال له : أولا : إن قيام الإجماع في العصور الأولى وما بعدها إلى السنة المذكورة على جواز الرجوع إلى غير الأربعة حتى من الأربعة هو الحجّة على من تأخر عن ذلك العصر لقربهم من عصر النبيّ6وبعد هؤلاء عنه فلا حجّة في إجماع المتأخرين مطلقا فكيف إذا صادمه إجماع أصحاب النبيّ6والتابعين وتابعيهم ، وهم أعرف بالأحكام من هؤلاء لوجودهم قرب الباب الحقيقي والينبوع الأصليّ وهو النبيّ6.
ثانيا : إن إجماع المتأخرين لا حجّة فيه ، لأنه لا ينطبق عليه الإجماع المعتبر شرعا وذلك فإن معناه اتفاق مجتهدي الأمة وهؤلاء المتأخرون لا مجتهد فيهم ، بل كلّهم مقلّدون للأربعة ، فإن كانوا مجتهدين فقد أبطلوا مذهبهم ، وإن كانوا غير مجتهدين فلا قيمة لإجماع العوام الجهال.
ثالثا : لو فوضنا جدلا التعارض بين الإجماعين إجماع الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى زمن الأئمة الأربعة وما بعده على جواز الاجتهاد مطلقا ، وإجماع المتأخرين جميعا على منعه بعدهم ، وقطعنا النظر عن ترجيح إجماع الصحابة بما فيهم أصحاب المذاهب لإجماعهم على حجّية إجماعهم واختلافهم في غيره ، كلّ ذلك على سبيل التساهل معهم كان نصيب الإجماعين السقوط شأن المتعارضين مع انتفاء المرجح لأحدهما المعيّن ، وحينئذ يجب الرجوع إلى غيره من أدلة المسلمين ، وقد نظرنا فيها فوجدناها حاكمة بجواز الاجتهاد مطلقا وبطلان التقليد والأخذ بقول الآخرين مع التمكن من تحصيله بالاجتهاد ، ولو لم تكن حاكمة بجوازه مطلقا لحرّم الاجتهاد على الأئمة الأربعة لا خصوص غيرهم ، وقديما قال رسول الله6: ( حلال محمّد6حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة ) وإن قالوا إن المانع من الاجتهاد هو إجماع أصحاب المذاهب نفسها على تحريمه ، فيقال لهم : إن ذلك باطل من وجوه.
الأول : إن الإجماع : هو اتفاق أمة محمّد6أو مجتهدي الأمة جميعا على أمر أو أمور في وقت واحد كما صرح به الآمدي في كتاب الأحكام ، وعضد الملّة في شرحه لمختصر ابن الحاجب وغيرهما من علماء الأصول عند أهل السنّة ، وطبيعي أن الأئمة الأربعة كانوا في أزمان مختلفة وأماكن متعددة ، وخاصة إذا لاحظنا أنه لم يرد عنهم في خبر أنهم أجمعوا على تحريمه.
الثاني : لا يجوز الأخذ بفتواهم شرعا مطلقا ولا السؤال منهم أبدا ؛ وذلك لأن الله تعالى أمر بالسؤال من أهل الذكر ، بقوله تعالى :(فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)كما في آية (٤٣) من سورة النحل ، وهؤلاء لم يكونوا من أهل الذكر قطعا فلا تشملهم الآية ، أما عدم كونهم من أهل الذكر فلعدم ـ
عصمتهم إجماعا وقولا واحدا ، والآية تريد من أهل الذكر خصوص من كان معصوما ، لأنها أمرت بالسّؤال من أهل الذكر على الإطلاق ، ومن أمر الله بسؤاله على سبيل الجزم والإطلاق يجب أن يكون معصوما ، وذلك لأن وجوب السؤال يستلزم وجوب الجواب ، ووجوب الجواب يستلزم وجوب العمل ، ووجوب العمل مطلقا بقول المسئول موجب لعصمته من الخطأ ، وإلاّ وجبت الإطاعة لمن يجوز عليه الخطأ عن عمد أو سهو ، وقد ثبت بالضرورة من دين المسلمين أنه لا شيء من الخطأ بحكم الله جائز العمل به فضلا عن وجوبه ، ومن حيث أنه تعالى أمر بالعمل على سبيل الجزم مطلقا بقول المسئول علمنا أنه يريد عصمته مطلقا ، فالآية لا تنطبق على الأئمة الأربعة وليسوا من صغراها خاصة إذا لاحظنا تضاربهم في الفتوى واختلافهم فيها ، ولو سلّمنا جدلا إنهم من صغراها ولكن لا تشملهم وهم موتى وتلك قضية السؤال والجواب الموجبة للحياة الممتنعة من الأموات ، وحينئذ فلا يصح الرجوع إليهم على الإطلاق.
الثالث : لو فرضنا أنهم أجمعوا على منعه ومع ذلك فإن إجماعهم ليس بحجّة في شيء لأنه ليس من الإجماع الحجّة المصطلح عليه بين علماء المسلمين أجمعين من أنه ( اتفاق مجتهدي الأمة ) ومجتهدوا الأمة قطعا لم ينحصروا في أصحاب المذاهب الأربعة ولم ينحصر هؤلاء بهم وإلاّ بطل اجتهاد الصحابة والتابعين أجمعين ، وببطلانه يبطل كلّ إجماع أقاموه لا سيّما ما ادعوه في السّقيفة وبطلانه مما لا يقولون به بإجماعهم.
الرابع : لو فرضنا حجيّة إجماعهم فهو ساقط بإجماع على جوازه في العصور الأولى وما بعدها مطلقا.
الخامس : إن إجماعهم على منعه مخالف لحكم العقل القاطع بفساده لاستلزامه تحجير عقول المسلمين في فهم الأحكام بالأدلة من غير دليل يقرّه العقل ويشهد به الدين ، وموجب لبطلان أدلة الاجتهاد بالأحكام الثابتة باليقين عند المسلمين أجمعين ، وفي بطلانها بطلان اجتهاد الأئمة الأربعة لا خصوص من جاء بعدهم ، وهو لا يذهب إليه أحد من المسلمين.
السادس : إن فتواهم بحرمة الاجتهاد موقوفة على جواز اجتهادهم شرعا ، والجائز شرعا لا يكون حراما ولا يجوز نسخه بعد انقطاع الوحي لأن : حلال محمّد6حلال إلى يوم القيامةالحديث المتقدم ذكره ، والجائز في أصل الشرع لا يكون جائزا لبعض وحراما على آخرين بالضرورة من الدين ، وإذا كان الاجتهاد حراما كان اجتهادهم في تحريمه حراما لأنّ حرام محمّد6حرام إلى يوم القيامة كما تقدم في الحديث وهذا ما لا سبيل لهم إلى دفعه ، وتوهم اختصاص أدلة تحصيل الاجتهاد بهم من أوضح الباطل وأقبحه لعموم أدلة تحصيل الأحكام بالاجتهاد للمكلفين أجمعين في العصور الأولى وما بعدها عند ما لم يكن واحد من الأئمة الأربعة ولا أحد من آبائهم إلى يومنا هذا فيكون تخصيصها بهم ، لا سيما إذا لاحظنا عدم وجود أصحاب المذاهب زمن صدورها تخصيصا بلا مخصص وبطلانه واضح.
السابع : كيف يتسنى لمن له عقل أن يغلق باب الاجتهاد في تحصيل الأحكام الشرعية في وجوه المسلمين بعد أن كان مفتوحا على مصراعيه في القرون الثلاثة وما بعدها ، ومن هذا الّذي يرضى لنفسه من حيث يشعر أو لا يشعر أن يقول إن ما جاء به رسول الله6من العلوم والأحكام قد احتكره أئمة
اختلق المذاهب في الإسلام وابتدعها في الدين فأماتوا بها السّنن جماعة من أهل الدجل ، أما الإمامية فقد عرفت أنهم مصداق الآيات المتقدم ذكرها ـ في سورة الواقعة وسورة سبأ وسورة ص ـ وأنها لا تصدق على الآخرين ولا تريدهم مطلقا.
ثالثا : في الآية دلالة واضحة على صحة مذهب الإمامية وهي المصداق الوحيد لقوله تعالى :(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ)[ آل عمران : ١٩ ] ولو بمعونة ما ورد في صحيح الحديث في نجاتها وهلاك ما عداها من الفرق مطلقا ، ولا ريب في أن من كان من الناجين يجب أن يكون من الشاكرين وهم قليلون ، فيكونوا أفرادا للآيات وتكون دليلا على أنهم على الحق المبين وما عداهم من الفرق في خسران مبين.
تلك المذاهب لأنفسهم ، ومنعوا الآخرين من الوصول إلى شيء منها عن طريق غيرهم وأنهم حرّموا التصرف فيه على الآخرين ، ولا يصح أن يقال فيهم أنهم أو صدوا بابه وصدّوا عن سبيله واعتقلوا العقول عن إدراكه وجعلوا على أبصار الناس غشاوة عن النظر إليه ، وعلى قلوبهم أكنة من أن يفقهوه ، وفي آذانهم وقرا من أن يستمعوه ، وختموا على أفواههم عن النطق به ، ووضعوا في أيديهم الحديد ، وفي أعناقهم الأغلال عن الوصول إليه ، كلاّ ثم كلاّ كلّ ذلك لم يكن ولن يكون أبدا ، ثم إنا نسأل الآلوسي عن مذهبه الّذي تبناه واختاره من بين هذه المذاهب الأربعة وآثر الرجوع إلى الأجساد البالية والعظام النخرة ، وأخلد إلى العجز ، وركن إلى الكسل ، ورضي بالحرمان ، وقنع بالجهل والتحجير على عقله ، فإن قال : إني حنفي المذهب ، فيقال له :
أولا : لم اخترت هذا المذهب دون غيره من المذاهب؟ ومن أين علمت أن الحق والصواب في هذا المذهب؟ وأي دليل من الكتاب والسنّة دلّك على أن النجاة في سلوك هذا المذهب؟ فإنك لمسئول عن هذا كلّه أمام الله تعالى يوم القيامة ، فإن قال : إنما سلكت هذا المذهب لأن أبي كان عليه ، فيقال له : كيف يجوز تقليد الآباء في الدين؟ ومن أين ظهر له أن الحق فيما سلكه الآباء؟ وهو عاجز عن إثبات شيء من ذلك بالدليل ، فقوله هذا مصادم للحجّة ومعدول به عن الدليل والبرهان ، وقد حرّم الله تعالى تقليد الآباء في الدين فذم المقلّدين لهم ووبخهم بقوله :(أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ)وقال تعالى : بل قالوا(إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)كما في كل من الآيات : ٢١ ـ ٢٥ ، من سورة الزخرف إلى غيرها من آيات الذكر الحكيم التي تدل بصراحة على حرمة تقليد الآباء في أخذ الدين بلا دليل وهذا ما لا يمكنه رده.