و اما الاحتياط على النحو الثاني فالظاهر عدم انعقاد إجماع على بطلانه خصوصا إذا علم ان المفتي أيضا يفتي ان الاحتياط يقتضي أن يأتي بعد الفعل المفتي بوجوبه بالفعل الآخر بنية القربة فإلحاقه بالأول في الاكتفاء به عن التقليد لا يخلو عن قوة لكن الأحوط في الجميع عدم الاكتفاء بالاحتياط خروجا عن الخلاف.
و منها انه لو لم يبن علي إحراز الواقع بالاحتياط مع ترك التقليد لكنه اتفق مطابقة عمله للواقع صح العمل، و يترتب عليه الأثر اما في المعاملات فظاهر، و اما في العبادات فمع فرض تأتي نية التقرب منه حين الشروع من غير تفرقة بين القاصر و المقصر في ذلك و لا في سقوط العقاب نعم الفرق بينهما على مخالفة العمل للواقع فان المقصر يستحق العقاب مطلقا مع وجوب الإعادة و القضاء عليه عند انكشاف المخالفة و القاصر لا يستحق العقاب و ان وجب عليه الفعل ثانيا مع انكشاف الخلاف.
ثم الحكم هنا بالصحّة أولى من الاحتياط لأن المحتاط لا يتمكن من نية الوجه بل غاية ما يحصل منه نية القربة و الا فقد لا يحصل منه قصد التقرب منه بالعمل الخاصّ، بل يقصد حصول التقرب من فعل هذا و فعل الآخر كما في الاحتياط بتعدد العمل أو تكراره بخلاف ما نحن فيه، فان من تعلم الصلاة من أبويه و يفعلها بنية الوجوب، ثم صادف الواقع فقد أحرز الواجب مع قصد الوجه نعم قد يدعى ان هذا لا يتأتى من المقصر إذ مع تفطنه بوجوب التقليد و احتمال كون فتوى من يجب الأخذ منه مخالفا لما يعلم من أبويه كيف يتأتى منه نية القربة؟ لكن الإنصاف إمكان فرضه فان كثيرا من المقصرين يعتقدون ان ما يفعلونه من التقصير أيضا مقرب بل قد ينهون عن شيء في العبادة كالغصب في مكان الصلاة أو في ماء الطهارة لكنهم يأتون به اعتقادا منهم انه مقرب، و ان فعله خير من تركه
و ان فيه ثوابا لكن دون الثواب الفرد المباح و كذا من لا يحسن قراءة الفاتحة و السورة فإنه يصلى في سعة الوقت و ان نبه على عدم جوازه.
و الحاصل انا نجد منهم نية القربة مع تنبههم لعدم كون هذا الفعل مقربا و لعله من تسويل النّفس لكن الظاهر كفايته إذا طابق المأتي به الواقع.
ثم المخالف في العبادات هو المشهور و في المعاملات بعض المعاصرين حيث زعم خلافا للمشهور بل الإجماع ان المعاملة الواقعة لا عن تقليد و لا عن اجتهاد لا يترتب عليه أثرها الوضعي إذا كان ترتب الأثر من المسائل الخلافية بين المجتهدين مع اعترافه بأن المعاملة التي يترتب عليه الأثر من دون خلاف لا يعتبر في صحتها أحد الأمرين و فرق بين القسمين بأن المعاملة الإجماعية تكون صحتها واقعية غير تابعة لاجتهاد مجتهد بخلاف المعاملة المختلف صحتها فإن الصحة الواقعية غير معتبرة بالنسبة إلى الجاهل لعدم تكليفه في الواقع، فهي ملغاة بالنسبة إلى المكلف عند عدم السبيل إليها لو فرض ثبوتها واقعا، و امّا الصحة الظاهرية فتحققها تابعة لفعلية الاجتهاد أو التقليد فحيث لا تقليد و لا اجتهاد، فلا صحة و عدم الصحة تكفي في الفساد، فلا يقال أن الفساد أيضا كالصحة في أن الواقعي منه ملغى في الظاهري تابع لفعلية الاجتهاد أو التقليد و المفروض الانتفاء لأن مجرد عدم ثبوت الأثر للمعاملة كاف في الفساد، و ليس الفساد بحكم نفس الجاهل حتى يقال ان الصحة كما يحتاج إلى الاجتهاد و التقليد، فكذلك الفساد بل المراد أن هذه المعاملة الخالية من التقليد إذا عرضت على المجتهد فحيث لا يجدها مؤثرة الوقوع به لما فرض من تبعية تأثيرها لفعلية الاجتهاد أو التقليد يحكم بكونها غير مؤثرة، و هو معنى الفساد، لكن هذا القول غير خفي فساده لمنع ما ذكره من إلغاء الواقع بالنسبة إلى الجاهل لأن الجاهل تفصيلا العالم إجمالا بوجود واجبات و محرمات يجب عليه امتثال تلك الأحكام فعلا و تركا
خصوصا مثل أكل مال الغير الّذي يعلم تفصيلا بحرمته فإذا وقع معاملة و لم يقصر في معرفة حكمها تقليدا أو اجتهادا حل له أكل كل ما ينتقل إليه بتلك المعاملة و أن في الواقع مال الغير، و اما إذا وقع معاملة من دون اجتهاد أو تقليد، فاتفق مخالفته للواقع عوقب على أكل مال الغير عصيانا للمحرمات الواقعية أما إذا اتفق موافقته للواقع فلا وجه لعقابه لما عرفت من عدم وجوب التقليد إلا مقدمة، فيسقط وجوبها عند تحقق ذي المقدمة بدونها ثم إذا رجع الفاعل إلى المجتهد أفتاه بصحة تلك المعاملة و كونه سببا واقعيا حل له ترتب الأثر عليها بعد ذلك، و ان لم يكن كذلك في الواقع نعم على تقدير مخالفة الفتوى للواقع يعاقب على أعماله السابقة الواقعة عن تقصير و قد زعم المعاصر المتقدم أن فتوى المجتهد بصحة تلك المعاملة نظير الإجازة في الفضولي فقال أن كونه مثلها يحتاج إلى دليل و منشأ هذا التوهم ما زعمه من نفي الصحة عنها حين الوقوع لخلوها عن الاقتران بالتقليد أو الاجتهاد و أن كان في الواقع صحيحا، و قد عرفت فساده و أن الاجتهاد و التقليد طريقان مجعولان شرعا لإحراز الواقع فكلما ثبت صحة وقوع عمل طبق الواقع بأحد الطرفين يترتب عليه آثاره من حين الوقوع كما لو ثبت صحته بالطريق الغير الجعلي و هو العلم بالواقع
و أما الكلام في المقلد بالكسر
فاعلم أنه لا إشكال في أنه يجوز التقليد للعامي الصرف و كذا العالم الغير البالغ رتبة الاجتهاد و هو موضع وفاق منا و هل يجوز لمن له ملكة الاجتهاد، التقليد فيما لم يجتهد فيه فعلا أم يتعين عليه الاجتهاد؟
قولان المعروف عندنا العدم بل لم ينقل الجواز عن أحد منا و أنما حكى عن مخالفينا على اختلاف منهم في الإطلاق و التفصيلات المختلفة نعم اختار الجواز بعض سادة مشايخنا في مناهله و عمدة أدلة القائلين بالمنع الأصل بتقريرات و عموم الأدلة الدالة على وجوب الرجوع إلى الكتاب و السنة في الأحكام خرج
منها القاصر عن ذلك و عمدة أدلة الجواز استصحاب جواز التقليد و عموم أدلة السؤال عن أهل الذّكر و لا يرد عليها اقتضاؤهما الوجوب المنفي في حقه إذ جواز الاجتهاد لا ينافي وجوب التقليد ما لم يجتهد لدخوله في عنوان الجاهل، و ربما أيّد لذلك بل استدله عليه باستمرار السيرة من زمن الأئمة(عليهم السلام)إلى ما بعده على الرجوع إلى فتاوى الغير مع التمكن من الاجتهاد لرفع الحرج على المجتهد لو التزم بوجوب تحصيل جميع مسائل أعماله بمجرد وجود الملكة فيه.
و يرد على الاستصحاب ان صحة التقليد انما كان لموضوع القاصر عن الاستنباط و لا أقل من الشك في ذلك و قد بينا ان في مثل هذه المواضع لا يجري الاستصحاب عندنا نعم ظاهر المشهور إجرائه في أمثال المقام، و الجواب عنه حينئذ ان عمومات وجوب الرجوع إلى الكتاب و السنة الحاكمة على الاستصحاب.
فان قيل ان العمومات تحكم على الاستصحاب إذا كان خروج العامي عنها من جهة حكم العقل بقبح تكليف العاجز إذ حينئذ يبقى غيره أما لو خرج بالشرع، و لا نعلم ان حكم المخصص عليه باق إلى أن يصير عالما بالفعل، أو إلى أن يصير عالما بالقوة فمقتضى استصحاب حكم المخصص بقائه و ليس هذا من قبيل استصحاب حكم المخصص في زمن الشك في بقائه كما قرر في محله.
قلت هذا حسن لو كان الشك في الحكم من جهة الزمان أو من جهة شمول العام للعنوان المسبوق بعنوان المخصص فنقول في المقامين الأصل بقاء حكم المخصص أما لو كان الشك في شمول العام لعنوان مقابل لعنوان المخرج الا انه قد يكون مسبوقا به فان المرجع هنا أصالة العموم، فان العالم المتمكن من الاجتهاد الفعلي هنا عنوان مقابل العامي قد يكون مسبوقا به و قد لا يكون
كما فيمن بلغ الحلم عالما متمكنا من الاجتهاد فان مرجع الشك هنا إلى وحدة المخرج، و تعدده لا إلى بقاء الحكم في الزمان اللاحق للمخرج و عدمه فافهم و اغتنم، و أما عدم وجوب السؤال و وجوب قبول إنذار المنذرين فإن المأمور بسؤال أهل الذّكر غير أهل الذّكر و المراد به على تقدير كونه أهل العلم هم المتمكنون من تحصيل العلم بمجرد المراجعة إلى الكتاب و السنة لا العلماء بالفعل، و حينئذ فالمأمور بالسؤال من لم يتمكن من تحصيل العلم بمراجعة الأدلة فيختص بالعاجز عن الاجتهاد و قوله تعالىإِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ*[1]لا تدل على إرادة أهل العلم الفعلي مضافا إلى تفسير أهل الذّكر بالأئمة(عليهم السلام)[2]فدلت على وجوب رجوع كل أحد إلى الأئمة(عليهم السلام)و أقوالهم خرج منه العاجز عن ذلك و هو العامي فالآية من أدلة المنع لا الجواز و أما آية النفر فان قلنا[3]بدلالتها على وجوب قبول خبر الواحد، فهي أيضا من أدلة المنع لا الجواز كما لا يخفى، و ان قلنا بعمومها للخبر و الفتوى فنقول ليس في الآية تعرض لتفصيل من يجب إنذاره بالإفتاء و من يجب إنذاره بالأخبار و إطلاقها مسوق لبيان حكم آخر و هو وجوب الإنذار عليهم و وجوب الحذر على المنذرين و أما وظيفة المنذرين في الحذر و ان حذر بعضهم بالأخبار و بعضهم بالفتاوى فليست الآية مسوقة له، و ان قلنا باختصاصها بالفتوى، فنقول ان الظاهر من جعل الإنذار بالفتوى غاية للتفقه أو النفر عجز المنذرين عن التفقه و لو بالرجوع إلى أخبار المنذرين فيختص بالعاجز عن الاجتهاد اللهم الا أن يقول حصول الغاية بالإفتاء مبنى على عجز أغلب القوم عن الاجتهاد و لكن لا يجوز أن يختص
[1]الأنبياء 7.
[2]لاحظ أصول الكافي ج 1 ص 120 إلى 212.
[3]التوبة 122.
القوم بالعاجزين لأجل هذه الغلبة لأن العام الأصولي لا يحمل على بعض أفراده بمجرد الغلبة مع ما تقدم منا في مسألة حجية خبر الواحد من عدم دلالة الآية على حجية الإنذار الّذي لا يفيد العلم للمنذرين سواء كان بطريق الأخبار أم بطريق الإفتاء و ذلك للأخبار المعتبرة المستفيضة التي وقع الاستشهاد فيها بالآية على وجوب تحصيل المعرفة بإمام الزمان(عليه السلام)لمن بعد عن بلد الإمام فراجع ما ذكرنا هناك[1]أو باب ما يجب على الناس عند مضي الإمام من أصول الكافي[2].
و أما قوله(عجل اللّه فرجه)و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم[3]، فالجواب انا نقول ان المجتهد من الرّواة فهو مأمور بالرجوع لا بالرجوع إلى غير هذا إذا قلنا ان المرجع إلى فتاواهم و ان أريد الرجوع إلى روايتهم كان دليلا على المنع لا الجواز و يجب على كل أحد حينئذ العمل بالروايات خرج العاجز عن ذلك.
و أما ما ذكره من الاستدلال بالسيرة، و ان العلماء لا يزالون يتركون الاجتهاد فيما يحتاجون إلى المسائل و لذا يختارون الأسفار المباحة الراجحة مع العلم بعدم اجتهادهم فعلا فيما يحتاجون إليه.
فالجواب عن ذلك منع ذلك إلا مع سلوك طريق الاحتياط و أما لزوم الحرج عليهم بالتزامهم بالاجتهاد أو الاحتياط، فهو ممنوع لأن الواجب الاجتهاد في المسائل المحتاج إليها غالبا تدريجا الأهم فالأهم نظير ما يجب على المقلد التقليد فيه.
[1]لاحظ الرسائل مبحث حجية خبر الواحد.
[2]ج 1 ص 378 إلى 380.
[3]وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث: 9
و أما المسائل التي يتفق أحيانا فأما أن يحتاط فيه و ان قام دليل على عدم وجوب الاحتياط قلد فيه إذا لم يتيسر له الاجتهاد لاشتغاله بالاجتهاد في الأهم منه، أو بشغل آخر أهم منه و كذلك إذا لم يتمكن من الاجتهاد في المسألة لعدم الأسباب أو لوجود مانع.
ثم ان المجتهد فعلا لا يجوز له التقليد إجماعا و لا فرق ظاهرا بين من استنباط الحكم الواقعي بالعلم أو الظن و بين من توقف في المسألة لتعارض الأدلة أو عدمها فان وظيفته الرجوع إلى الأصول لا التقليد لعدم جريان أدلة التقليد لأن ظاهرها الجاهل الغير المتمكن من الرجوع إلى الأدلة لا من يراجع و لم يجد دليلا و اعتقد عدمه بخطإ من يدعي الدليل و مثله القول في الرجوع إلى الشاهد و أهل الخبرة فإنه لا يرجع إليهما مع العلم بخطائهما في توهم ما لا يصلح الاستناد إليه، لكن هذا يتم لو اطلع على خطاء ذلك المجتهد دون من احتمل استناده إلى مستند صحيح لم يطلع هذا المتوقف عليه فالأحسن الرجوع إلى الإجماع و سيرة المجتهدين.
و أما الكلام في المقلد بالفتح
، فنقول انه يعتبر فيه أي: في تحقيق عنوانه بعد تحقيق عنوان المجتهد فيه ضرورة تأخر عنوانه عن عنوان المجتهد أمور:
البلوغ، و العقل، و الإيمان و لا إشكال في اعتبار هذه الثلاثة و الظاهر أن الاجتهاد في حال الصغر، أو عدم الإيمان، و كذا الإفتاء حالهما لا يضر إذا كان في زمان العمل بالغا مؤمنا و لا إشكال أيضا في كون العدالة شرطا و انما الإشكال في ان المشروط بها هي قبول أخباره بفتواه أو جواز العمل بفتواه و تظهر الثمرة فيما لو علم صدقه بإخباره بفتواه، و أخبر بها حال عدالته، و علم فتواه من غير جهة أخباره و ظاهر تمسك بعضهم في اعتبارها بوجوب التثبت بخبر الفاسق و بعدم كونه أمينا و بعدم قبول شهادته المستلزم لقبوله بطريق أولى، هو الأول لكن
ظاهر معاقد إجماعاتهم في عدم جواز استفتاء المجتهد الغير الورع هي المنع عن العمل بقوله و ان علم بفتواه من خبره، أو الخارج و يؤيده عطف الورع على الاجتهاد في قولهم لا بد في صحة استفتاء العالم من اجتهاده و ورعه.
و يدل عليه مضافا إلى ظاهر الإجماعات المنقولة ما تقدم في التوقيع من قوله(عجل اللّه فرجه)فإنهم حجتي عليكم[1]فإن الحجية المطلقة في الفتوى و الرواية لا تكون الا مع العدالة فالمراد بالرواة عدولهم فينحصر الحجية في العدول لأن أمره(عليه السلام)بالرجوع إلى العدول في مقام السؤال عن المرجع يدل على الحصر كما لا يخفى الا أن يقال لا نسلم وجود الدليل على تقييد الرّواة بالعدول في الرواية إذ يحتمل أن يكتفي بالظن بالصدق مع كونه إماميّا، فيكون الحجة قول الإمامي المظنون الصدق في الرواية و الفتوى فلا يدل على اعتبار العدالة فضلا عن كونها معتبرة في العمل.
و ربما يستدل على اعتبار العدالة في العمل بقوله(عليه السلام)و أما من كان من الفقهاء حافظا لنفسه صائنا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه[2]لكن بملاحظة صدر الخبر و ذيله يعلم ان المراد اعتبار العدالة من جهة الأمن من الكذب في الرواية و الإفتاء بغير ما أنزل اللّه تعمدا.
و من جملة الشرائط حياة المجتهد فلا يجوز تقليد الميت على المعروف بين أصحابنا بل في كلام جماعة دعوى الاتفاق أو الإجماع عليه، ففي القواعد الملية في شرح الجعفرية حكاية الإجماع عن المحقق الثاني و غيره على ذلك بعد أن استظهر بنفسه الاتفاق على ذلك أيضا و عن مسالك دعوى تصريح الأصحاب باشتراط الحياة في العمل بقول المجتهد و عن الرسالة التي صنفها في هذه
[1]راجع ص 56.
[2]وسائل الشيعة الباب 10 من أبواب صفات القاضي الحديث: 20.