الحياة بل يمكن ان يستدل من الحصر المستفاد من مقام تحديد المرجع على عدم جواز الرجوع إلى غير الحي فافهم.
و ينبغي التنبيه على أمرين:
الأول: انه لا فرق في ظاهر كلمات الأكثر و معاقد إجماعاتهم و موارد استدلالاتهم على عدم جواز تقليد الميت بين تقليده ابتداء و البقاء على تقليده
لأن لفظ التقليد سواء جعلناه بمعنى العمل بقول الغير أو الأخذ و الالتزام به ليس من الأمور التي ينعدم بمجرد حدوثه كالمتكلم مثلا بل قابل للاستمرار فلفظة يصدق على وجوده الأولي المعبر عنه بالحدوث و الثانوي المعبر عنه بالبقاء هذا ما كان من فتاواهم و موارد اتفاقهم مشتملا على لفظ التقليد.
و منه يظهر وجه الإطلاق فيما اشتمل منها على لفظ العمل بقول الميت أو الأخذ به، و أما باقي موارد اتفاقاتهم و استدلالاتهم فدلالته على الشمول للبقاء أوضح مثل استدلالهم على المنع بان مناط المقلد هو ظن المجتهد و هو يزول بزواله فان هذا الاستدلال و ان فرض فساده الا انه يكشف عن عموم المنع في موارد الاستدلال للبقاء أيضا و نحوه استدلالهم بانعقاد الإجماع على ان بعد موته لا يعبأ به.
و مثل ما تقدم من الوحيد البهبهاني(قده)من دعوى إجماع الفقهاء على ان المجتهد إذا مات فلا حجة في قوله و حكاية بعض المعاصرين عن شيخه الأحسائي إجماع الإمامية على انه لا قول للميت و كذا ما اشتهر بين الخواصّ و العوام من ان قول الميت كالميت و تأويل كل ذلك بما يرجع إلى ابتداء التقليد من دون دليل عارف يوجب فتح باب التأويل و ردّ الاستدلال بالظاهر في كل كلام.
و مما ذكرنا يظهر انه لا وجه للتمسك للجواز بالاستصحاب مع انك قد
عرفت الكلام على مثله في التقليد الابتدائي مع ان الاستصحاب يوجب جواز الابتداء أيضا و دعوى خروجه بالإجماع، شطط لأن الإجماع ان استفيد من الفتاوى فقد عرفت ظاهر كلماتهم في فتاواهم و موارد إجماعاتهم و استدلالاتهم و ان أخذ من غير ذلك فلا يعبأ بدعوى من يدعي الإجماع مع مخالفته لظواهر ما ذكرنا من الأصحاب، و ربما يتمسك بالسيرة المستمرة من زمان أصحاب الأئمة(عليهم السلام)فانا لم نسمع بمن اعتبر أمر الناس بالعدول بعد موت قائله و لا أحد أعدل كذلك مع توفر دواعي نقله.
و فيه ان فتاوى أصحاب الأئمة(عليهم السلام)على ضروب أحدهما ما يعلم كونه مأخوذا من الرواية المعتبرة المنقولة فيؤخذ كما يؤخذ الرّواية و يصنع كما يصنع كما حكى غير واحد مثل ذلك في فتاوى علي ابن بابويه(ره)و كذلك في فتاوى الشيخ(قده)حيث ذكروا ان من تأخر عنه من العلماء مقلدون له فان المراد بالتقليد في ذلك نظير قوله(عليه السلام)فللعوام ان يقلدوه[1]مع انه في مقام تجويز أخذ الخبر و الحكاية عن العلماء.
و منها ما كان من قبيل الرواية المنقولة بالمعنى مع اطمئنان السامع بعدم وجود المعارض له و عدم صدوره تقية لحسن ظنّه بمن أخذ منه فيحصل الاجتهاد من نفس ذلك الخبر من غير حاجة إلى شيء آخر و كأن من أوجب الاجتهاد عينا لاحظ ذلك و لاحظ سهولة تحصيل الإجماع في الإجماعيات.
و منها ما يفيد القطع للسامع خصوصا إذا كان ممن لا يلتفت إلى الاحتمالات كالعوام و النسوان.
و منها ما يكون بطريق محض التقليد مع عدم القطع بل الظن أيضا بمطابقته للواقع.
[1]راجع ص 58.
و لا يخفى ان دعوى السيرة في الثلاثة الأولى لا تنفع و في الرابع ممنوعة جدا و أما دعوى حكم العادة بأنه لو لم يجز البقاء لوصل المنع مع توفر الدواعي، فيردها ان ما وصل من المنع عن تقليد الميت من الإجماعات و الفتاوى الكاشفة عن وجود مستند شرعي كاف في المنع عن البقاء.
و ربما يستدل على البقاء بما يفهم من أمثال قوله(عليه السلام)و اما الحوادث الواقعة فيها فارجعوا إلى رواة أحاديثنا فإنهم حجتي عليكم و انا حجة اللّه عليكم[1]حيث ان ظاهر الرجوع في الوقائع كفايته لجميع افراد تلك الواقعة حتى المتجددة منها بعد موت المرجع.
و فيه بعد الإغضاء عن دعوى اختصاص الخبر بأخذ الروايات ليستدل بها على الوقائع على ما هو شأن صاحب التوقيع و هو إسحاق بن يعقوب عن دعوى ظهوره في المرافعات لأنها التي ترجع فيها بعينها إلى العلماء دون الحوادث الواقعة التي هي فرد من المسائل الكلية فيكون الرجوع في عنوانها دون شخصها و يشهد لما ذكرنا ان وجوب رجوع العامي المفتي و رجوع العالم إلى رواياتهم(عليهم السلام)ليس مما يشكل على مثل إسحاق بن يعقوب الّذي يروى عنه مثل الكليني (رض) فإنه ذكر أني[2]سئلت العمري ان يوصل إلى كتابا فيه مسائل قد أشكلت على على ان الحجة في كلام الإمام(عليه السلام)انما وقع محمولا على شخص الراوي للحديث الّذي هو عبارة عن إنسان و بقاء حجيته بعد موته لا يكون الا بالاستصحاب الّذي قد عرفت حاله نعم لو حمل الحجة على قول الراوي لم يحتج بقائها بعد الموت إلى الاستصحاب لكن لو بنى على تقدير القول كان تقدير الرواية أنسب.
[1]راجع ص 56.
[2]وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث: 9
ثم ان القائلين بالجواز بين مانع عن العدول عنه إلى الحي مستندا إلى وجوب البقاء بناء على حرمة العدول عن التقليد كما سيجيء و بين مجوز له و لعل وجهه دعوى الإجماع على عدم وجوب البقاء لكنه ظاهر المنافاة لتمسك هذا القائل في إثبات الجواز بالاستصحاب لأن المستصحب وجوب البقاء في حال الحياة. و هو مفروض الانتفاء حال الموت، و بقاء أصل الجواز في ضمن الوجوب العيني بعد ارتفاعه، غير معقول اللهم الا ان يقول ان الموجود في السابق شيئان.
أحدهما وجوب العمل عينا بفتوى من قلده ما لم يختر غيره.
الثاني: انه لا يصح له اختيار الغير بمعنى عدم ترتب أثر عليه و كونه لغوا غيره مفيد لجواز العمل على طبق المعدول إليه و الأمر الأول ثابت سواء قلنا بجواز العدول أم لا فيستصحب.
و الثاني: مبنى على جواز العدول عن الميت إلى الحي و المفروض جوازه
و توضيحه انا نفرض زيدا و عمراً مجتهدين و جاز لبكر تقليد كل واحد منهما فإذا قلد أحدهما تعين عليه العمل على طبقة ما دام باقيا على تقليد المختار و هذا وجوب عيني و ان قلنا بجواز العدول كما ان تعين الصلاة التام ما دام حاضرا لا ينافي جواز السفر ثم ان مقتضى الاستصحاب جواز العدول عنه و اختيار غيره لأن ذلك كان له قيل اختيار ما اختاره لكن دل الدليل على عدم جواز العدول عن الحي إلى الحي و على جواز الرجوع عن الميت فاستصحاب الوجوب العيني الثابت ما دام باقيا لا ينافيه جواز العدول.
نعم لو فرض ان المستصحب وجوب البقاء على تقليد هذا الّذي مات لم يعقل الجمع بين هذا الاستصحاب و بالإجماع على جواز العدول و عدم وجوب البقاء نظير ذلك ما إذا ثبت إفادة عقد لانتقال العوضين إلى المتعاقدين و ثبت
وجوب البقاء على هذا و عدم جواز فسخه ثم ثبت الإجماع جواز الفسخ و شك في بقاء تأثير الانتقال منه فنستصحبه نعم لو كان الدليل على الصحة هو ما دل على اللزوم لم يمكن معنى لارتفاع الملزوم و بقاء ما استكشف عنه.
و ينبغي التنبيه على أمور:
الأول: لو قلد المجتهد الحي في مسألة وجوب الرجوع فمات
فرجع إلى من يفتيه بوجوب البقاء لم تشمل فتواه تلك المسألة للزوم التناقض و اما لو رجع في المسائل عن مجتهده الّذي مات بفتوى الحي ثم مات ذلك المفتي فيرجع إلى ثالث أفتاه بوجوب البقاء على كل ما قلد فيه فهل يبقى على الأول أو على الثاني؟ وجهان أقواهما الثاني لأن تقليد الثاني و رجوعه عن الأول بالنسبة إلى المسائل، التي رجع فيها في حال الحياة الثاني وقع صحيحا و ان لم يخبر له البقاء على مسألة الرجوع بالنسبة إلى ما بعد موته فلا ينافي ما ذكرناه من عدم شمول حكم الحي بالبقاء لمسألة وجوب الرجوع التي قلد فيها من مات و ربما قيل بالأول و لعله لأن التقليد الثاني في المسائل المعدول عنها انما هو تقليد في وجوب الرجوع فإذا كان الإفتاء بالبقاء لا يشمل فلا يشمل ما يترتب عليه و المسألة محل إشكال.
الثاني لو قلنا في صورة رجوع المجتهد عن فتواه
بأنه يجب عليه و على مقلديه رفع اليد عن آثار المعاملات التي وقعت على طبق الحكم المرجوع عنه كرفع اليد عن الزوجية و الملك اللذين أخذهما بالعقد السابق، فهل يجب عليه ذلك أيضا فيما رجع وجوبا أو جوازا عن الميت إلى الحي المخالف له في صحة تلك المعاملة الواقعة وجهان فلو قلنا بوجوب رفع اليد عن آثار ما وقع عليه بالتقليد السابق قوى في الفرع السابق وجوب رفع اليد عن التقليد الثاني المترتب على فتوى الثاني بوجوب الرجوع فافهم.
الثالث: لو قلد في جواز الرجوع عن مجتهد إلى أخر ثم مات
فرجع
إلى من أوجب البقاء فهل يجوز الرجوع عن الميت بناء على تقليده في مسألة الرجوع أم لا؟ صرح بعض بالأول و يحتمل قويا الثاني لأن معنى الفتوى بوجوب البقاء حرمة العدول فلا يشمل جواز العدول كما ذكرناه في مسألة الرجوع.
الرابع لو قلد من يرى ان التقليد هو العمل لا مجرد الأخذ
لأجله فأخذ و لم يعمل و عمل في مسألة الأخذ كان عدل عن بعض ما أخذه و لم يعمل بحكم مجتهده بأنه ليس تقليدا ثم مات مجتهده فيرجع إلى من يرى وجوب البقاء على التقليد بمعنى الأخذ للعمل و ان لم يعمل فهل يجب بقائه على ما أخذ و لم يعمل لأنه تقليد عند هذا الحي فيجب البقاء عليه أم لا؟ لأنه قلد تقليدا صحيحا اتفاقيا في ان هذا ليس بتقليد يجب البقاء عليه وجهان و كذا الوجهان لو انعكس الأمر بأن قلد من يرى ان التقليد هو الأخذ لأجل العمل و عمل ذلك بمعنى انه اتفق له العدول عن بعض مأخوذاته فاستفتي المجتهد في ذلك فأفتاه بحرمة العدول فرجع إلى من عدل عنه فمات فرجع إلى من يوجب البقاء على التقليد مع كون التقليد عنده هو العمل لا مجرد الأخذ.
الخامس لو قلد مجتهدا في صغره و قلنا بصحة تقليده لصحة عباداته
ثم مات المجتهد قبل بلوغه فبلغ فهل يجب البقاء على القول بوجوب البقاء؟ وجهان بل قولان من عموم وجوب البقاء على التقليد الصحيح و من ان حرمة العدول لم يثبت في تقليد الصغير فاستصحاب التخيير في حقه باق.
السادس لو قلنا بوجوب البقاء و حرمة العدول عن تقليد الميت
فهل يعم ذلك ما إذا كان الحي المرجوع إليه أفضل من الميت أم لا؟ قيل بالأول و هو حسن لو قلد في جواز تقليد غير الأعلم مجتهد أعلم في حال حياة مجتهده أو بعد مماته أو قلد في عدم جواز العدول و لو من غير الأعلم اما لو قلد في وجوب تقليد الأعلم و لو بالعدول عن غيره إليه لكن في حال الحياة لم يكن أعلم ممن
قلده ثم حدث بعد موته و هو أعلم منه و لم يكن وجه لوجوب البقاء على تقليد الميت المفضول.
السابع لو قلنا بجواز العدول و كان الرجوع إلى مجتهد آخر و أخذ واجباته المضيقة عنه متعذرا أو متعسرا
فهل يجوز البقاء حينئذ أو حكمه حكم من تعذر عليه التقليد؟ وجهان و الاحتياط لا يخفى.
الثامن ان حكم صيرورة المجتهد فاسقا أو كافرا أو مجنونا أو عاميا حكم موته في وجوب العدول عنه
كما صرح به المحقق الثاني قده في حاشية الشرائع حيث قال: و لو عرض للفقيه و العياذ باللّه فسق و جنون أو طعن في السن كثيرا بحيث اختل فهمه امتنع تقليده لوجود المانع و لو كان قد قلده مقلد قبل ذلك يبطل حكم تقليده لأن العمل بقوله في مستقبل الزمان يقتضي الاستناد إليه حينئذ و قد خرج عن الأهلية لذلك فكان تقليده باطلا بالنسبة إلى مستقبل الزمان انتهى.
و يمكن الاستدلال له بإطلاق معاقد الإجماعات في اعتبار العلم و العدالة عند العمل من غير فرق بين الابتداء و الاستدامة و المحكي عن غير واحد من المعاصرين البقاء في ذلك كله.
و يدل عليه مضافا إلى ذلك و إلى ظهور الإجماع المركب بل البسيط ما روى عن عبد اللّه الكوفي خادم الشيخ أبي قاسم بن روح انه سئل عن كتب ابن أبي العذاقر بعد ما خرجت اللغة في حقه فقال الشيخ أقول فيها ما قاله العسكري(عليه السلام)حيث سئل عن كتب بنى فضال فقيل له ما نصنع بكتبه و بيوتنا منها ملأ فقال(عليه السلام)خذوا ما رووا و ذروا ما رأوا[1]فإن أمر الشيخ (رض) بترك رأي ابن أبي العذاقر يشمل الفتوى المأخوذة منه المعمولة عليها حال استقامته و حجية قول الشيخ المشار إليه يعلم بالتتبع في أحواله و فيما ورد في حقه.
[1]معجم رجال الحديث ج 17 ص 54 55.
التاسع: لو لم يتمكن من تقليد مجتهد حي فهل يجوز له تقليد الميت أو يجب عليه الاحتياط أو يجب عليه الأخذ بالظنون المعتمد بها
لو تمكن منها مثل العمل على فتوى المشهور و ما ادعى فيه الإجماع و ما أشبه ذلك؟ وجوه من إطلاق بعض أدلة التقليد كمعاقد الإجماعات المجوزة له فيقتصر في تقييدها بالحي على صورة التمكن التي هي معقد الأدلة المتقدمة.
و من ان الرجوع إلى الظن الّذي لم يقم عليه دليل بالخصوص انما يصار إليه بعد بطلان الاحتياط و هو في حق غيره ثابت خصوصا إذا كانت المسألة من المسائل التي فرض الحاجة إليها مع عدم التمكن من المسائل التي فرض التي فرض الحاجة إليها مع عدم التمكن من الرجوع إلى الحي فيها مما لا يلزم من الاحتياط فيها حرج، و من ان وجوب الاحتياط و تقديمه على العمل بالظنون الخاصة هو الظن المطلق كما تقدم في مسألة حجية الظن و فتاوى المسألة بعد محل إشكال و الاحتياط غير خفي بل هو قوي مع قلة موارده و كون المورد مورد وجوب الاحتياط.
العاشر: لو قلنا بوجوب الرجوع إلى المجتهد الفاقد للشرائط بعد تعذر المجتهد الجامع لها
و دار الأمر بين فاقدي بعض الشرائط كغير البالغ مع المخالف و الفاسق أو الميت ففي تقديم بعضهم على بعض إشكال، و ينبغي الجزم بتقديم غير المخالف عليه لإطلاق ما دل على المنع من الرجوع إليهم مثل قوله(عليه السلام)لا تأخذن معالم دينك من غير شيعتنا[1].
و ما تقدم من قول العسكري(عليه السلام)في بني فضال فقال و ذروا ما رأوا[2]إلى غير ذلك.
[1]وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث 42.
[2]راجع ص 68.