[في إمكان تجزّي الاجتهاد]
ذهب العلّامة(رحمه اللّه)في التهذيب، و الشهيد في الذكرى و الدروس، و والدي في جملة من كتبه، و جمع من العامّة، إلى الأوّل (1)، و صار قوم إلى الثاني (2).
حجّة الأوّلين (3): أنّه إذا اطّلع على دليل مسألة بالاستقصاء فقد
التفريع أو من جهة اختلاف خبرته و وقوفه على طريقة الفقهاء في الدخول في المسائل و الخروج عنها، أو من جهة تفاوت ممارسته في اصول المسائل الفرعيّة و فروعها، أو من جهة الاختلاف في استحكام ما يبتنى عليها الاستنباط من القواعد الحاضرة عنده و المبادئ الحاصلة لديه، أو من جهة التفاوت في دائرة القوّة الفكريّة، أو من جهة غير ذلك من دواعي القوّة و الضعف في الملكة.
و بالجملة ليست العبرة في التجزّي بضعف الملكة بحسب الماهيّة ليكون المجتهد المطلق من له الملكة القويّة، و إن شئت فعبّر عن تجزّي الاجتهاد باعتبار الملكة بتجزّي المسائل بالإضافة إلى الملكة وجودا و عدما، بأن يكون الملكة الموجودة مقصورة على البعض قاصرة عن الباقي سواء كانت في مرتبة القوّة و الضعف أو المرتبة المتوسّطة بينهما.
(1) و في الوافية: «الأكثر على أنّه يقبل التجزئة» و في أصل الاصول: «نسبه جمع من الأصحاب إلى المشهور»، و في نسبة ذلك إلى تهذيب العلّامة إشكال لما عرفت وجهه من انطباق عبارته على دعوى قبول التجزئة في مقام الاعتبار و الحجّية، إلّا أن يقال: بأنّ تجويز التجزئة في هذا المقام يستلزم تجويزها في مقام الإمكان، ضرورة أنّ الاعتبار و الحجّية فرع الإمكان بل فرع الوقوع أيضا.
و يمكن القول بابتناء كلامه على تنزيل العنوان المعروف إلى النزاع في هذا المقام كما صنعه بعض الفضلاء و غيره لسخافة النزاع في غير هذا المقام.
(2) قال بعض الأفاضل: «و كأنّهم من العامّة إذ لم نجد في أصحابنا ممّن تقدّم على المصنّف من صرّح بالمنع منه».
أقول: و قد تقدّم فيما حكاه السيّد صدر الدين عن بعض الفضلاء وجود القول بالمنع هنا في أصحابنا أيضا.
و عن الإيضاح و المنية التوقّف، حيث ذكرا حجج القولين و لم يرجّحا شيئا.
[حجّة القول بقبول الاجتهاد للتجزّي]
(3) و المنقول من حجّة الأوّلين وجهان:
..........
أحدهما: ما تعرّض له جمع من العامّة و أشار إليه الحاجبي في مختصره و فصّله بعض شارحيه في شرحه الموسوم بالبيان و هو: أنّه لو لم يتجزّ الاجتهاد لعلم المجتهد جميع الأحكام لوجوب تمكّنه من استخراج الجميع، و التالي باطل. فإنّ مالكا مع علوّ شأنه في الاجتهاد لم يعلم الجميع، لأنّه سئل عن أربعين مسألة فقال في ستّ و ثلاثين منها: لا أدري.
و فيه: منع الملازمة تارة، و منع بطلان التالي اخرى، إذ لو اريد بالعلم و قولهم: «لعلم المجتهد جميع الأحكام» العلم الفعلي بجميع الأحكام فالملازمة ممنوعة، بناء على أنّ المانع إنّما يمنع تجزّي الملكة لا أنّه يعتبر فعليّة الجميع بل هذا ممّا لا قائل به، بل بعضهم على ما سبق في بعض الكلمات المتقدّمة أحاله، فحصول ملكة العلم بالجميع لا يستلزم العلم بالجميع فعلا.
و لو اريد به العلم الملكي بالجميع فبطلان التالي ممنوع، إذ الحكاية المنقولة عن مالك إنّما تقضي بانتفاء فعليّة الجميع و هو لا يستلزم انتفاء ملكة الجميع، مع توجّه المنع إلى كون الجواب بلا أدري من جهة انتفاء الفعليّة بالمرّة، لجواز كونه لعدم تذكّره لمؤدّى اجتهاده الفعلي لبعد عهد و نحوه.
و بالجملة «لا أدري» في جواب المسألة لا يستلزم عدم الاستنباط فعلا في جميع المسائل، لجواز طروّ نسيان المستنبط.
و لو سلّم فعدم استنباط الجميع لا يستلزم عدم التمكّن من استنباط الجميع لكون الاستنباط تدريجيّ الحصول فيحصل بمرور الدهور لا دفعة واحدة، و لو سلّم فعدم التمكّن من استنباط الجميع لا يستلزم كونه لعدم ملكة الجميع، لأنّها بالإضافة إلى الاستنباط الفعلي من باب المقتضي، و لاقتضائه شروط و موانع فعدمه قد يستند إلى فقد المقتضي و قد يستند إلى فقد شرط اقتضائه و قد يستند إلى وجود مانع له، و إنّما يكشف من انتفاء الملكة التامّة على الأوّل دون الأخيرين، فالحكاية المذكورة لا تقضي بكون مالك متجزّيا على معنى كون ملكته ناقصة مقصورة على بعض المسائل، لكون انتفاء فعليّة الجميع على فرض تسليمه قد يجامع الملكة التامّة و قد يجامع الملكة الناقصة فيكون أعمّ من جهات عديدة، و لا يعقل دلالة الأعمّ على الأخصّ.
و ثانيهما: ما نقله المصنّف و قرّره شارح المختصر في بيانه من: أنّه إذا اطّلع المستفرغ على أمارات مسألة فهو و غيره- أي المجتهد المطلق- سواء في تلك المسألة، فكما يتمكّن
..........
المجتهد المطلق من استخراج حكم تلك المسألة يتمكّن المستفرغ أيضا.
و أورد عليه: بأنّا لا نسلّم أنّه و المجتهد المطلق سواء في تلك المسألة، فإنّه قد يكون ما لم يعلمه متعلّقا بتلك المسألة فلا يتمكّن من استخراج حكمها بخلاف المجتهد المطلق فإنّه يتمكّن لعلمه بما يتعلّق بتلك المسألة و ما لا يتعلّق.
و ملخّصه: أنّه قد يكون فيما لم يعلمه من أمارات بقيّة المسائل و أدلّتها ما يناقض مقتضي ما علمه من أمارات تلك المسألة من مقيّد أو مخصّص أو ناسخ أو قرينة مجاز أو غير ذلك من أنواع المعارض، و هذا الاحتمال ما دام قائما فهو مانع من استخراج حكم المسألة، و هذا معنى عدم تمكّنه من الاستخراج.
و اجيب عنه تارة: بالنقض بالمجتهد المطلق إذ المعتبر فيه وجود الملكة التامّة لا الإحاطة الفعليّة، فيأتي في حقّه الاحتمال الآتي في حقّ المتجزّي لتساويهما في منشأه، فإنّ وجود الملكة على هذا التقدير لا يوجب الاطّلاع على المعارض.
إلّا أن يدفع بالفرق بأنّ المطلق يقدر على رفعه بالفحص في أمارات سائر المسائل لعموم ملكته و المتجزّي لا يقدر عليه لقصور ملكته.
و سيظهر ضعفه بمنع الملازمة بين قصور ملكة استخراج الحكم و بين العجز عن رفع احتمال وجود المعارض ظنّا أو علما عاديّا.
و اخرى: بفرض مساواته المطلق، فإنّ المفروض استكماله جميع ما يتعلّق بالمسألة من الأمارات و معارضاتها و مبادئها- تصوّريّة و تصديقيّة- على نحو ما يفرض للمطلق بالقياس إلى تلك المسألة، و كونه لا يعلم أمارات بقيّة المسائل لقصوره عن الإحاطة التامّة غير قادح في معرفة متعلّقات تلك المسألة.
و القول بعدم إمكان العلم بعدم المعارض من مخصّص و نحوه بدون الإحاطة بجميع مدارك الأحكام فبطل التساوي.
يدفعه: أنّ إنكار حصول الظنّ بعدم المعارض في حقّه و لو بتصريح غيره من أهل البصيرة بهذا الشأن مكابرة، بل قد يحصل له العلم العادي من العادة بالعدم، فإنّ المسائل الّتي وقع الخلاف فيها أوردها كثير من الفقهاء في كتبهم الاستدلاليّة و استدلّوا عليها إثباتا و نفيا ممّا يحكم العادة بأن ليس لها مدارك غير ما ذكروه، و لا أقلّ من حصول ظنّ متاخم بالعلم و هذا كاف في معرفة حكم المسألة ظنّا، مع أنّا نقول: يكفينا عدم إحاطته بجميع
..........
الآيات المتعلّقة بالأحكام، إذ المعلوم أنّه لا تعلّق للآيات المتعلّقة بالفرائض بالمسألة الصلاتيّة إذا فرضنا المتجزّي مستفرغا في المسألة الصلاتيّة قاصرا نظره عن الفرائض.
و مع الغضّ عن ذلك نقول أيضا: ربّما يحيط علم المتجزّي بجميع الأحاديث المتعلّقة بأبواب الفقه كلّها من حيث إنّه ليس فيها ما يعارض دليله مع عدم قدرته على استنباط ما يتعلّق بها من المسائل منها، أ ما تجد من نفسك تقدر أن تعلم أنّ قوله(عليه السلام): «تدرأ الحدود بالشبهات» ليس معارضا لقوله(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا صلاة إلّا بطهور» مع عدم قدرتك على استنباط ما يمكن استنباطه منه من الأحكام.
و اعترض عليه العلّامة البهبهاني في رسالته في الاجتهاد و الأخبار بوجوه مرجع بعضها إلى ما تقدّم و نذكرها ملخّصا:
أحدها: أنّ ما فرضتموه إنّما هو حصول جميع ما هو أمارة في تلك المسألة في ظنّه نفيا و إثباتا و ذلك كيف ينفعه في أن يحصل له ضابط الاجتهاد في الواقع، مع أنّ الكلّ متّفقون على أنّه ما لم يحصل له الظنّ بعدم المانع من مقتضي ما يعلمه من الدليل لا يصحّ له الاجتهاد.
و ثانيها: أنّ المجتهد المطلق بعد إحاطته بجميع مدارك الأحكام و علمه فالظاهر أنّه يحصل له العلم بعدم مدخليّة الغير، و دعوى مساواة العلم للظنّ كما ترى.
و ثالثها: أنّ حصول العلم للمتجزّي ممّا ذكرت فساده ظاهر كما لا يخفى، كيف و اطّلاع المتأخّرين على بعض ما لم يطّلع عليه المتقدّم منهم أكثر من أن يحصى.
و رابعها: أنّه على تقدير ما لو قلنا بحصول الظنّ للمطلق فدعوى التساوي أيضا مكابرة، لاطّلاعه على ما اطّلع عليه المتجزّي و على جميع مدارك الأحكام، و عدم تأثير الاطّلاع، عليها و عدم حصول التفاوت بسببه أصلا مباهتة بيّنة، إلّا أن يكون غرضهم التساوي في نفس الظنّ لا في مقداره و مرتبته، على أنّه على تقدير تسليم التساوي في مقداره فتساويهما في الحجّية محلّ تأمّل.
و لا يخفى ما في هذه الوجوه من الضعف و التعسّف.
أمّا في الوجه الأوّل: فلأنّه إن اريد بذلك أنّ ظنّ عدم المانع لا يتأتّى لمن حصل عنده جميع ما هو أمارة في المسألة في ظنّه فهو قريب من مدافعة الضرورة، لأنّ ظنّ عدم المانع مع الظنّ بحصول جميع ما هو أمارة في تلك المسألة ضروريّ الحصول و إنكاره يلحق
..........
بالمكابرة و دفع الضرورة.
و إن اريد به أنّ ضابط الاجتهاد هو العلم بعدم المانع و لا يتأتّى ذلك إلّا مع حصول جميع ما هو أمارة في المسألة بحسب الواقع، فمرجعه إلى اعتبار العلم بجميع ما هو أمارة في المسألة المستلزم للعلم بعدم المانع.
و يظهر بطلانه بملاحظة بطلان الوجه الثاني، و هو أنّ الإحاطة بجميع مدارك الأحكام الموجبة للعلم بعدم مدخليّة الغير إن اخذت في المطلق على وجه الاعتبار- على معنى أنّه لا يصير مطلقا إلّا بعد الإحاطة الفعليّة بجميع مدارك الأحكام-.
ففيه: منع واضح، حيث لم نقف على قائل به من أصحابنا و لا من مخالفينا، كيف و يلزم من اعتباره في الاجتهاد محذور ما لو اعتبر العلم بالأحكام في جميع المسائل، أو العسر و الحرج المختلّين بنظم المعاد و المعاش، أو تعطيل أمر الاستنباط.
و إن أخذت على وجه الفرض و لو من باب أحد أفراده- على معنى أنّ المطلق لو فرض في الإحاطة الفعليّة بهذه المثابة لكان عالما بعدم مدخليّة الغير-.
ففيه: أنّه لا ينفي ماهيّة المساواة بينه و بين المتجزّي بجميع أفراده، فيفرض الكلام فيما بين المتجزّي و صاحب الملكة الكاملة الّذي لم يحط علمه فعلا بجميع المدارك، فإنّ الكلام إنّما هو في مطلق مساواة المتجزّي للمطلق لا في المساواة المطلقة بينهما حتّى في نحو الإحاطة الفعليّة بجميع الأحكام أو مداركها على فرض حصولها للمطلق، مع أنّ فرض الإحاطة التامّة في المتجزّي أيضا بالنسبة إلى نفس المدارك من غير نظر إلى مقتضياتها جائز كما سبق الإشارة إليه.
و أمّا في الوجه الثالث: فلأنّ منع حصول العلم بملاحظة العادة حسبما فرضه المجيب مكابرة لا ينبغي الإصغاء إليه، خصوصا بعد ملاحظة كون المتعرّض للمسألة و المتصدّي لنقل الخلاف فيها و تحرير أقوالها و تقرير أدلّتها الموجودة ممّن عادته جارية على ضبط الأقوال الشاذة حتّى ما كان من العامّة و أدلّتها كالعلّامة في كثير من كتبه، و ذلك لا ينافي كون المتقدّم لا يطّلع كثيرا ما على ما يطّلع عليه المتأخّر من الأمارات و الأدلّة، و لا يلزم بذلك قدح في اجتهاد الغير المطّلع و لا في تمكّنه من معرفة حكم المسألة و لو ظنّا بواسطة الظنّ بأماراتها و ظنّ عدم المانع، و إلّا ينفتح بذلك باب الكلام على اجتهاد قدماء أصحابنا و أحزابهم حسبما ادّعاه المعترض من عدم اطّلاع المتقدّم على ما اطّلع عليه المتأخّر، و هذا
ساوى المجتهد المطلق في تلك المسألة، و عدم علمه بأدلّة غيرها لا مدخل له فيها. و حينئذ فكما جاز لذلك الاجتهاد فيها فكذا هذا.
و احتجّ الآخرون: بأنّ كلّ ما يقدّر جهله يجوز تعلّقه بالحكم المفروض.
فلا يحصل له ظنّ عدم المانع من مقتضي ما يعلمه من الدليل (1).
و أجاب الأوّلون: بأنّ المفروض حصول جميع ما هو دليل في تلك المسألة بحسب ظنّه، و حيث يحصل التجويز المذكور يخرج عن الفرض.
ممّا لا يتفوّه به جاهل فضلا عن العالم الكامل.
و إن أراد بما ذكره اطّلاع المتأخّر من الفروع المتجدّدة على ما لم يطّلع عليه المتقدّم فهو ممّا لا مدخل له بمحلّ البحث، نظرا إلى أنّه ليس من جهة ضعف ملكة المتقدّم و قوّة ملكة المتأخّر، و لا من جهة كمال قوّة المتأخّر و قصور قوّة المتقدّم، بل لأنّ المتأخّر إذا دخل في المسألة و وجد المتقدّم محيطا بجميع جهاتها الظاهرة و مستوفيا لسائر أطرافها المنضبطة رافعا للكلفة عن المتأخّر بالقياس إليهما فلا جرم هو يبالغ في استخراج ما شذّ عن المتقدّم تعصّبا، أو اختبارا لمقام فكره وسعة نظره، أو حبّا منه ليشتهر بين الناس بإحداث فكر جديد كما يشاهد كلّ ذلك بين أبناء النوع من أهل الصناعة.
و أمّا في الوجه الرابع: فلأنّ ظاهر كلام القوم و احتجاجاتهم و نقوضهم و إبراماتهم فرض التساوي بينهما في أصل الظنّ لا في مقداره و مرتبته و لا في اعتباره، بل هذا صريحهم في المقام الثاني مع أنّ إطلاق منع التساوي في المقدار أيضا كما ترى.
[حجّة القول بالمنع من التجزّي]
(1) و يظهر جوابه ممّا تقدّم مستوفى في تحرير ثاني دليل المجوّزين، و مخلّصه أمران:
أحدهما: أنّ المفروض حصول جميع ما هو دليل وجودا و عدما بحسب ظنّه و حيث يحصل التجويز المذكور خرج عن الفرض، مع أنّه إن اريد بالتجويز مجرّد احتمال وجود المانع فهو لا ينافي تأتّي حصول الظنّ بعدمه، كيف و أنّ الظنّ ما اخذ في ماهيّته احتمال الخلاف، و إن اريد به رجحان وجوده فهو خلاف فرض المساواة.
و ثانيهما: أنّه بعد تحرير الأئمّة للأمارات و تخصيص كلّ بعض منها بما يليق به من المسائل عرف الفقيه أنّ ما عداها لم يكن له تعلّق بتلك المسألة و إنكاره مكابرة بيّنة.
[أدلّة القول المختار]
و التحقيق عندي في هذا المقام: أنّ فرض الاقتدار على استنباط بعض المسائل دون بعض، على وجه يساوي استنباط المجتهد المطلق لها، غير ممتنع (1) و لكن التمسّك في جواز الاعتماد على هذا الاستنباط بالمساواة فيه للمجتهد المطلق (2)
(1) لوضوح أنّ هذا الاقتدار هيئة في النفس تنشأ من ممارسة مسائل الفنّ و استحضار مبادئها- تصوّريّة و تصديقيّة- و غيرها ممّا يتعلّق بها من الأدلّة، و التمكّن من معرفة وجوه دلالات الأدلّة و دفع معارضة معارضاتها و إعمال مبادئها حين النظر، و معلوم أنّه ليس كلّ مسألة بحيث يحتاج فيها إلى إجراء جميع الأدلّة و إعمال كلّ المبادئ من مسائل جميع العلوم عربيّة و اصوليّة و رجاليّة و غيرها فيها.
فمن الجائز أن يكون الممارسة مقصورة على بعض أبواب الفقه بل على صنف خاصّ من مسائل هذا الباب، فإذا ابتلى العالم الممارس في هذا المقدار بمسألة أو عدّة مسائل منه و عرف مع ذلك جميع ما يتعلّق به من الأدلّة و مسائل كلّ علم ممّا ذكر و غيره على قدر ما يحتاج إليها فيه، و تمكّن من إعمال ما عرفه من مسائل كلّ علم في موضع حاجته و صنع ما لزمه للنظر و راعى جميع ما له دخل في حصول المعرفة حسبما يصنعه المطلق يحصل له الظنّ حسبما طلبه على نحو ما يتّفق حصوله للمطلق.
و بالجملة هذا كلّه واضح و إنكاره دفع للضرورة فلا يلتفت إليه.
[في حجّيّة ظنّ المتجزّي]
(2) هذا تعرّض لحكم المتجزّي بالقياس إلى مقام اعتبار اجتهاده و حجّية ظنّه، و ينبغي قبل الخوض في الترجيح و الاستدلال التنبيه على امور من باب المبادئ.
الأمر الأوّل: في أنّه في وجوب عمل المتجزّي بظنّه تعيينا أو رجوعه إلى التقليد كذلك، أو أخذه بالاحتياط كذلك، أو جواز الأوّلين أو الأخيرين أو الأوّل و الأخير أو الجميع تخييرا، أو تعيّن العمل بالظنّ إن كان مسبوقا بالاجتهاد المطلق، و تعيّن التقليد إن كان مسبوقا بالتقليد، و تعيّن الاحتياط أو التخيير بينه و بين العمل بالظنّ أو التقليد أو بينه و بينهما إن لم يكن مسبوقا بشيء من الأمرين، وجوه جارية في حقّه ابتداء و في بدو النظر.
لكن ما عدا الأوّلين هاهنا ساقط عمّا بين العلماء لعدم قائل من العامّة و الخاصّة، و عدم وجود قول محقّق بشيء من المذكورات عدا ما رجّحه ببعض الفضلاء من التفصيل بين سبق التقليد أو الإطلاق فيأخذ بمقتضى الاستصحاب فيهما، و عدم سبق شيء منهما فيبنى
..........
التخيير، و أمّا غيره من أصحابنا المتقدّمين عليه فلم ينقل منهم إلّا تعيّن العمل بالظنّ أو تعيّن الرجوع إلى التقليد فإنّهم اختلفوا على قولين:
أحدهما: جواز أن يعمل بظنّه، صار إليه العلّامة في التهذيب و المبادئ و القواعد و التحرير- على ما حكي عنها- و عزى أيضا إلى الذكرى و السرائر و المقاصد العليّة و شرح الألفيّة لوالد البهائي و الزبدة و كشف اللثام و الوافية و المحصول و شرح الشرح، و شرح المعالم لابن التلمساني.
و في المفاتيح: و بالجملة الظاهر أنّه مذهب المعظم.
و في أصل الاصول- بعد قوله: و هل هو حجّة له أو لا؟- قال: و المشهور الأوّل. لكن في كلام الفاضل المتقدّم ذكره القائل بالتفصيل المذكور ما يقضي بإنكاره الشهرة المدّعاة هنا، حيث إنّه قال: «و لم يثبت القول بحجّية نظر المتجزّي بهذا المعنى إلّا من بعض المتأخّرين، و لم يتعرّض الشيخ و السيّد لهذا المبحث في العدّة و الذريعة، و لا المحقّق في اصوله فما ظنّك بغيرهم من المتقدّمين عليهم.
و الظاهر أنّ مرادهم بالجواز هنا- على ما يستفاد من أدلّتهم- الجواز في ضمن الوجوب تعيينا لا مطلقا».
و ثانيهما: ما صار إليه المصنّف من منع الجواز و إنكار حجّية ظنّه. و يستفاد من المحقّق البهبهاني أيضا في رسالته في الاجتهاد و الأخبار، و حكاه في المفاتيح عن والده أعلى اللّه مقاماته، و نسب أيضا إلى السيّد العلّامة بحر العلوم(قدّس سرّه)و يظهر الميل إليه من بعض الأفاضل، و لم نقف ممّن تقدّم على المصنّف على من صار إليه و لا على حكاية المصير إليه عن غيره ممّن تقدّم عليه.
نعم عن بعض الأفاضل أنّه نقل عن ظاهر الشيخ في بعض مصنّفاته القول بالمنع عليهم.
إلى أن قال:
«و بالجملة فكلمة المتعرّضين من أصحابنا لهذه المسألة ليست جارية على مورد واحد، فدعوى قيام الشهرة على حجّية نظر المتجزّئ بالمعنى الأخير غير مسموعة».
الأمر الثاني: أنّه يمكن أن يكون بناء المسألة على أنّ جواز التقليد هل هو معلّق على عدم التمكّن من الاجتهاد أو عدم حصوله فعلا، فالمدّعي لجوازه مع حصول الأمرين يطالب بالدليل و مع انتفائه يتعيّن العمل بالاجتهاد.
أو هو معلّق على انتفاء الدليل على الاجتهاد، فالمدّعي لجواز العمل به يطالب بدليله و مع انتفائه يتعيّن الرجوع إلى التقليد.