بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 213

..........

و اطّلع على عرف القرآن و الحديث مستغن عنه- على ما حكاه الوحيد في رسالة الاجتهاد و الأخبار- فهو متهافت لا يلتفت إلى مقالته أو غافل عن حقيقة مقصود المقام.

و توضيحه: أنّ المقصود من اشتراط معرفة هذه العلوم الثلاث أن يحصل لمريد الاجتهاد حالة نفسانيّة بها يتمكّن من فهم معاني موادّ ألفاظ العرب و تراكيبها مفردة و مركّبة، مادّية و هيئيّة و يميّز بين حقائقها و مجازاتها و وجوه دلالاتها ممّا يتعلّق بهذه العلوم و يتعرّض لبيانها أربابها، على وجه يكفي في استفادة المطالب المقصودة من الكتاب و السنّة بحسب العرف و العادة، سواء كانت أصليّة كما لو كان من فصحاء أهل لسان العرب، أو طارويّة كما لو كان أجنبيّا أو غير فصيح فحصّلها بتعلّم العلوم المذكورة، فالعربي القحّ إن اريد به ما لا يخرج عن هذا الضابط فاعتباره اعتراف بالاشتراط.

و من أطلق هذا الشرط من العامّة و الخاصّة لا أظنّ أنّه يريد به ما زاد على الضابط المذكور، ضرورة أنّه لا فارق بين العربي المفروض و بين الأجنبيّ المتعلّم للعلوم المذكورة إلّا في أنّ الثاني يعرف الاصطلاحات المحدثة المتداولة عند أرباب هذه العلوم و الأوّل لا يعرفها و هذا لا يصلح فارقا في الحكم، إذ معرفة الاصطلاحات لا مدخليّة لها في فهم معاني الألفاظ و استفادة المطالب المقصودة من الكتاب و السنّة ليضرّ انتفاؤها في حصول الغرض الأصلي.

و إن اريد به ما لا يبلغ الحدّ المذكور فدعوى استغنائه عن العلوم المذكورة واضح المنع.

و إن اريد به ما يدخل في الضابط مع اقترانه بدعوى كفاية ما له من الحالة النفسانيّة في الاستنباط و عدم افتقاره إلى شيء آخر، فهو- مع أنّه ممّا لا يتحمّله العبارة المتقدّمة- كلام راجع إلى نفي الحاجة إلى الشروط الاخر الآتية الّتي منها معرفة علمي الاصول و الرجال، و سنورد ما يتعلّق به من إصلاح أو إفساد.

و من الفضلاء من قال: «إنّ هذا الشرط إنّما يعتبر غالبا بالنسبة إلى أمثال زماننا حيث اندرس فيه اللغة العربيّة و انحصر سبيل معرفتها في المراجعة إلى الكتب المدوّنة.

و أمّا بالنسبة إلى العرب الموجودين في زمن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و الأئمّة(عليهم السلام)فلا حاجة لهم إلى معرفة هذه العلوم المحرّرة» إلى آخره.

و هذا كما ترى بناء منه على كون معرفة العلوم المذكورة مرادا بها ما يحصل بمراجعة كتبها المدوّنة و المدارسة عند أربابها، و لذا استدرك عقيب العبارة المذكورة بقوله: «و لو اريد


صفحه 214

..........

بهذه العلوم غاياتها اشترك وجه الحاجة بين الجميع» و قد عرفت ضعف توهّم الاختصاص.

ثمّ إنّ تخصيصه العرب الموجودين في زمن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و الأئمّة(عليهم السلام)بعدم الحاجة إلى معرفة هذه العلوم المحرّرة غير واضح الوجه، فإنّ فصحاء العرب العارفين بمزايا اللغة العربيّة المائزين بين حقائقها و مجازاتها و بين القديمة و المحدثة من معانيها لا حاجة لهم إلى مراجعة الكتب المدوّنة في هذه العلوم و إن كانوا من أهل الأزمنة المتأخّرة إلى زماننا هذا.

إلّا أن يقال: إنّ العرف كثيرا ما يتبدّل، و المعاني الموجودة في زمن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و الأئمّة(عليهم السلام)كثيرا ما تتغيّر بالنقل و نحوه، و العبرة في خطابات الشرع إنّما هي بتلك المعاني لا غير، و الموجودين في العرف من العرب لا معرفة لهم بتلك المعاني غالبا إلّا من جهة مراجعة الكتب المدوّنة في هذا الشأن كغيرهم من غير العرب، فيرجع الكلام حينئذ في اعتبار هذا الشرط بالنسبة إلى اللغة بالمعنى المقابل للنحو و الصرف إلى اشتراط معرفة المعاني الّتي يتحمّلها ألفاظ الكتاب و السنّة و لو بضميمة الاصول و غيرها من المطالب الاصوليّة المقرّرة للتوصّل إلى تعيين مرادات الخطابات، الّتي منها ما يترجّح في النظر في مسألتي تعارض العرف و اللغة و تعارض الراوي و المرويّ عنه، سواء كانت تلك المعاني هي المعاني الأصليّة الواصلة من الصدر الأوّل من أهل اللغة أو المعاني المعلوم وجودها في زمن الخطاب أو المعاني المودعة في الكتب المدوّنة، أو المعاني العرفيّة الموجودة في العرف الحاضر، و يدخل في هذا الضابط المعاني الشرعيّة الثابتة لجملة كثيرة من الألفاظ بعنوان الحقيقة بالقياس إلى عرف الشارع على القول بثبوت الحقيقة الشرعيّة فيها أو بعنوان المجاز بالقياس إلى عرفه أيضا على القول الآخر.

و ينبغي التنبيه على امور:

الأوّل: لا يعتبر في معرفة اللغة بالمعنى الأعمّ استحضار مسائلها فعلا و حفظها عن ظهر القلب،

بل يكفي فيها التمكّن من مراجعة الكتب المحرّرة في العلوم الثلاث أو مراجعة أهلها، كما نصّ عليه غير واحد من الأجلّة و منهم المصنّف في قوله: «و لو بالرجوع إلى الكتب المعتمدة» و الوجه في ذلك- بعد قضاء الوجدان القطعي بعدم مدخليّة الاستحضار الفعلي و الحفظ عن ظهر القلب فيما هو مقصود المقام من الاشتراط- أنّه المعلوم من طريقة الأعيان خلفا عن سلف من لدن بناء الاجتهاد إلى يومنا هذا.

الثاني: لا يجب كون هذه المعرفة بالقياس إلى كلّ واحد من العلوم الثلاثة

بطريق


صفحه 215

..........

الاجتهاد، على معنى بذل الوسع بمزاولة موارد استعمالات العرب و ممارسة كلمات الأقدمين من فصحائهم من الخطب و القصائد و مسافرة مواطنهم و مخالطة قبائلهم على حدّ ما كان يصنعه الأوّلون من أئمّة هذه الصناعات، بل قد يحرم الاجتهاد بهذا المعنى إذا استلزم تعطيل الأحكام و تعويق أمر الاجتهاد و القضاء و الإفتاء، بل يكفي فيها الاعتماد على ما في الكتب المحرّرة لما تقدّم من أنّه المعهود من طريقة الأساطين قديما و حديثا، و عليه ففي وجوب كون تلك المعرفة المستندة إلى مراجعة الكتب و غيرها بالغة حدّ الجزم و عدمه بالاكتفاء بالمعرفة الظنّية وجهان، من أنّ القدر المتيقّن للاستنباط الّذي علم برضا الشارع به هو القصر على المعرفة الجزميّة، و إنّ أساطين هذا الشأن لم يعهد منهم التزامهم بتحصيل الجزم بالمطالب المتعلّقة بهذه العلوم.

لكنّ الإنصاف: أنّ قول أهل اللغة في الغالب و لو بمعونة بعض القرائن الداخلة و الخارجة و لا سيّما الصرفيّون ثمّ النحاة منهم ممّا يفيد الجزم بالمطلب في الغالب، و ما لا يحصل به الجزم من كلامهم- كما لو كان من الموارد الخلافيّة عندهم مع كون الاختلاف فيه عظيما- نادر، و لم يعلم من سيرة العلماء الآخذين بكلامهم أنّهم يكتفون بالظنّ في مطالبهم خصوصا المطلق منه، لجواز كون اعتمادهم على كلامهم اعتمادا على ما يغلب اتّفاقه من حصول الجزم.

فالوجه حينئذ أن يقال: إنّه في موضع إمكان حصول المعرفة الجزميّة و لو بمراجعة الكتب المتعدّدة من غير استلزامه لتعطيل الأحكام أو العسر و الحرج المقطوع بنفيهما في الشرع يجب مراعاتها اقتصارا على القدر المتيقّن، و في غيره لا بدّ من الظنّ الاطمئناني و الاعتماد النفساني، سواء حصل بمراجعة كتاب واحد أو ما زاد عليه، من غير أن يكون له حدّ معلوم[1]و لا عدد محدود، و لعلّه إلى اعتبار هذا المعنى يشير وصف الاعتماد و غيره في عبارة المصنّف و غيره بقوله: «و لو بالرجوع إلى الكتب المعتمدة».

و أمّا ما عن كشف اللثام من قوله: «و لا يضرّ الافتقار في كثير من دقائق ذلك إلى الرجوع إلى الكتب المعتمدة في العلوم المذكورة، و لكن لا بدّ من التتبع بحيث يحصل العلم العادي أو الظنّ بأحد طرفي ما يتردّد فيه، و لا يقتصر على كتاب واحد أو كتابين كما ترى كثيرا من الفقهاء يقتصرون في المسألة اللغويّة على نحو الصحاح وحده، و النحويّة على

[1]و في الأصل: «معدوم» و هو سهو من قلمه الشريف، و الصواب ما أثبتناه في المتن.


صفحه 216

..........

المفصّل أو كتاب سيبويه» إلى آخره فإن رجع إلى ما قرّرناه فمرحبا بالوفاق، و إلّا فيدخل في قول من لا دليل عليه إلّا مجرّد دعواه.

و أمّا ما عساه يقال في سند دعوى كفاية الظنّ المطلق هاهنا من: أنّه يستلزم الظنّ بالحكم الشرعي و هو حجّة لدليل الانسداد و غيره و ملزوم الحجّة لا بدّ و أن يكون حجّة، كما قيل به في سند دعوى حجّية الظنّ الحاصل من قول اللغوي بالخصوص في غير المقام.

ففيه- بعد منع كلّية هذه القاعدة كما نبّهنا عليه في غير موضع-: أنّ المحقّق من مقتضى دليل حجّية الظنّ انسدادا كان أو غيره إنّما هو الظنّ الاطمئناني بعد تعذّر العلم دون ما زاد عليه، فعلى مدّعي الزيادة إقامة الدليل عليها.

الثالث: لا يجب في شيء من العلوم المذكورة الإحاطة بجميع مسائلها،

بل يكفي في كلّ واحد معرفة ما يكفي في حصول الغرض الأصلي و هو الاستنباط، كما نصّ عليه جماعة و تقدّم في عبارة المصنّف إليه الإشارة، حيث عبّر بعلم ما يتوقّف عليه الاستنباط من اللغة و معاني الألفاظ العرفيّة، فلا يشترط أن يكون في اللغة أو النحو أو غيره كسيبويه و نحوه كما صرّح به في التنقيح في عبارة محكيّة له.

الرابع: ربّما يعدّ من العلوم العربيّة المحتاج إليها في استنباط الأحكام علم المعاني

كما عن بعض العامّة.

و عن الوافية[1]و غيره أنّه المنقول عن السيّد الأجل المرتضى في الذريعة[2]، و عن الشهيد الثاني في كتاب آداب العالم و المتعلّم[3]و عن الشيخ أحمد بن المتوّج البحراني في كفاية الطالبين[4].

بل ربّما يحكى القول بشرطيّة علمي المعاني و البيان معا، لتوقّف معرفة جملة من التكاليف الّتي لها مدخل في معرفة المعاني و تمييز الأفصح عن الفصيح و الفصيح عن غير الفصيح في مقام التعارض على العلم المذكور، و استحسنه بعض الفضلاء.

و عن الوافية أنّه بعد ذكر علم البيان قال: «و لم يفرّق أحد بينه و بين المعاني في الشرطيّة و المكمّلية إلّا ابن أبي جمهور، فإنّه عدّ علم المعاني من المكمّلات و سكت عن البيان»[5]بل

[1]الوافية في اصول الفقه: 280.

[2]الذريعة إلى اصول الشريعة 2: 800.

[3]المسمّى ب: منية المريد في آداب المفيد و المستفيد: 225.

[4]كفاية الطالبين: 38 (المخطوط).

[5]الوافية: 281.


صفحه 217

..........

عنه أيضا أنّه بعد ذكر علم البديع قال: «و لم أجد أحدا أنكره إلّا ما نقل عن الشهيد الثاني في الكتاب المذكور و صاحب كفاية الطالبين فإنّهما عدّا العلوم الثلاثة أجمع في شرائط الاجتهاد»[1].

و عن العوائد أنّه قال: «و اعلم أنّ علم المعاني و البيان و البديع من مكمّلات الاجتهاد، و جعل جمع علم المعاني و البيان من شروط الاجتهاد- إلى أن قال-: و قد أشرنا إلى أنّه ربّما يحصل العلم من جهة الفصاحة و البلاغة بكون الكلام من الإمام(عليه السلام)، فمن هذه الجهة ربّما يكون لهما مدخليّة في الاشتراط بل البديع أيضا».

و عن الوافية أنّه قال: «و الحقّ عدم توقّف الاجتهاد على العلوم الثلاثة.

أمّا على تقدير صحّة التجزّي فظاهر.

و أمّا على تقدير عدم صحّة التجزّي فلأنّ فهم معاني العبارات لا يحتاج فيه إلى هذه العلوم، لأنّ في هذه العلوم يبحث عن الزائد على أصل المراد، فإنّ المعاني علم يبحث فيه عن الأحوال الّتي بها يطابق الكلام لمقتضى الحال، كأحوال الإسناد الخبري، و المسند إليه و المسند و متعلّقات الفعل، و القصر و الإنشاء، و الفصل و الوصل، و الإيجاز و الإطناب و المساواة، و بعض مباحث القصر و الانشاء المحتاج إليه يذكر في كتب الاصول. و البيان علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة، و ما يتعلّق بالفقه من أحكام الحقيقة و المجاز مذكور في كتب الاصول أيضا. و البديع علم يعرف به وجوه محسّنات الكلام و ليس شيء من مباحثه ممّا يتوقّف عليه الفقه.

نعم لو ثبت تقديم الفصيح على غيره في باب التراجيح أمكن القول بالاحتياج إلى هذه العلوم الثلاثة لغير المتجزّي و له في بعض الأحيان، إذ فصاحة الكلام و أفصحيّته ممّا لا يعلم في مثل هذا الزمان إلّا بهذه العلوم الثلاثة، و كذا على تقدير تقدّم الكلام الّذي فيه تأكيد أو مبالغة على غيره، و لكن لا شكّ في مكمّلية هذه العلوم الثلاثة للمجتهد» انتهى 2.

أقول: و يظهر القول بشرطيّة هذه العلوم أو الأوّلين منها ممّن يقول في باب الترجيح بالترجيح بالفصاحة كما عليه المصنّف و النهاية و التهذيب، و عن المبادئ و شرحه و المنية و الزبدة و غاية المأمول، و بالأفصحيّة كما عليه التهذيب و المنية و حكاه في المنتهى عن بعضهم.

و بالجملة كلّ من يرى الترجيح بالفصاحة أو الأفصحيّة يلزمه القول بكون العلوم المذكورة

[1]1 و 2 الوافية: 281.


صفحه 218

..........

من شروط الاجتهاد و إن لم يصرّحوا به في المقام، إلّا أن يمنع الملازمة بما في كلام بعض الفضلاء من أنّه كثيرا ما يستغني الذكيّ المتدرّب في طرق المحاورات بوجدانه عن الرجوع إلى العلوم المذكورة.

و الإنصاف أن يقال: إنّ الفصاحة و الأفصحيّة ليستا من المرجّحات الواردة في النصوص ليكون ذلك كبرى كلّية لصغريات لا تحرز إلّا بعلمي المعاني و البيان كما في العدالة و الأعدليّة و نحوهما المحرز صغرياتها بعلم الرجال، بل الترجيح بهما لو صحّ فإنّما هو لكونهما من المرجّحات الغير المنصوصة المعدودة من الظنون الاجتهاديّة على القول بالترجيح بمطلق الظنّ الاجتهادي كما هو الأظهر و ظاهر الأكثر، فيدور الترجيح بها[1]على إفادتها، و الفصاحة مع الأفصحيّة إنّما تورثان ظنّ الصدور عن الإمام المعصوم(عليه السلام)إذا ثبت أنّه في غالب مكالماته كان يراعي الفصاحة، بل إذا ثبت أنّ الغالب عليه في مقام بيان الأحكام الشرعيّة مراعاة مقام الفصاحة.

بل الإنصاف أنّ هذه الغلبة- مع أنّها ممنوعة كما في كلام غير واحد من الأساطين- غير مجدية فيما هو من محلّ الاشتباه، و هو كون أحد المتعارضين فصيحا و الآخر ركيكا، أو أحدهما أفصح و الآخر دونه في الفصاحة و لم يعلم بأنّ الصادر عن المعصوم هو الأوّل أو الثاني.

- و قالوا في وجه تقديم الفصيح: أنّه أشبه بكلام الرسول(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)إذ كان(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)أفصح العرب، و قد قال: «أنا أفصح من نطق بالضاد»[2]و الركيك بعيد عن كلامه، و في وجه تقدّم الأفصح: أنّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)كان مختصّا من الفصاحة بمرتبة لا يشاركه فيها غيره فيغلب على الظنّ اختصاصه بالأفصح، و ذلك غير متحقّق في الفصيح لمشاركة غيره له فيه-.

إذ غاية ما يقتضيه كونه أفصح العرب و اختصاصه في الفصاحة بمرتبة لا يشاركه غيره فيها أنّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)في الاقتدار على أداء الكلام الفصيح أو الأفصح بمرتبة لا يبلغه غيره فيها، و هو لا يقضي بامتناع صدور غير الفصيح أو غير الأفصح منه، و لا بغلبة صدورهما عنه

[1]كذا في الأصل: و الصواب: «فيدور الترجيح بهما على إفادتهما» و اللّه العالم.

[2]نقله الحلبي عن ابن هشام (راجع سيرة ابن هشام 1: 178)، و لكن حكى العجلوني في كشف الخفاء عن اللآلي أنّه قال: معناه صحيح و لكن لا أصل له كما قال ابن كثير و غيره من الحفّاظ، و أورده أصحاب الغريب و لا يعرف له إسناد (كشف الخفاء 1: 201)- و نحن أيضا لم نعثر على هذا التعبير في مجامعنا الروائية.


صفحه 219

[من شروط الاجتهاد معرفة الكتاب]

و من الكتاب قدر ما يتعلّق بالأحكام (1)

خصوصا في مقام بيان أحكام اللّه سبحانه، حيث لا تعلّق لمقام إظهار البلاغة ببيان الأحكام أصلا، بل المعلوم من طريقة الأئمّة(عليهم السلام)أنّهم ما كانوا يراعون مقام الفصاحة و البلاغة إلّا في مقام إنشاء الخطبة و الدعاء و المناجاة، و لذا يجد الذكيّ المتدرّب تفاوتا فاحشا بين الخطب و الأدعية لاشتمالها على مزايا معنويّة و خواصّ بيانيّة لا تشبه بكلام الآدميّين أصلا المعتاد صدوره منهم في محاوراتهم و مخاطباتهم، و الثانية ليست في الغالب إلّا نظير كلام الآدميّين بحيث لا يوجد فرق بحسب السبك و النظم و الاسلوب بين الأجوبة الصادرة عنهم و بين الأسئلة الصادرة عن أصحابهم و غيرهم من رواة أخبارهم، كما أنّه لا يقضي بامتناع صدور الفصيح بل الأفصح عن غيرهم خصوصا الكذّابة الواضعين للأحاديث الكاذبة الداسّين لها في أحاديثهم الصادرة عنهم الموجودة عند أصحابهم، حيث إنّ المعلوم من ديدنهم بمقتضى النصّ و الاعتبار غاية اهتمامهم في جعل موضوعاتهم بحيث يشبه الكلمات الصادرة عن الأئمّة(عليهم السلام)لكونه آكد في التباس الأمر و اشتباه الحال، و لذا كان أصحاب الأئمّة(عليهم السلام)حتّى الفضلاء منهم لا يعرفونها و لا يميّزونها عن أخبار أئمّتهم، و لا يتفطّنون بوقوع الوضع و الدسّ إلّا ببيان الأئمّة(عليهم السلام)لهم و تنبيههم عليهما و تمييزهم للموضوعات عن غيرها كما دلّت عليه نصوص مستفيضة تقدّم الإشارة إلى جملة [منها]، فبملاحظة ذلك كلّه لا يبقى وثوق بكون الفصيح أو الأفصح من المتعارضين صادقا صادرا عن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)أو الإمام(عليه السلام)و غيرهما كاذبا صادرا عن غيره من الوضّاعين، فلو سلّمت غلبة مراعاتهم الفصاحة في مقام بيان الأحكام كانت معارضة بغلبة مراعاتها أيضا من الكذّابة و وضّاع الرواية، بل الاعتبار بملاحظة ما ذكر ربّما يقضي بالترجيح على عكس القضيّة من تقديم الفصيح أو الأفصح كما لا يخفى.

(1) و التقييد بالقدر المذكور تنبيه على عدم وجوب معرفة الكتاب بأجمعه كما هو واضح الوجه و صرّح به في عبائر جمع.

قال في المنية: «و لا يشترط علمه بالكتاب أجمع، بل بما يتعلّق بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة منه، و ذلك نحو من خمسمائة آية، أمّا ما عدا ذلك من الآيات الدالّة على البعث و النشور و القصص و أحوال القرون الماضية و كيفية إثابة المطيعين على طاعاتهم و معاقبة العصاة على عصيانهم فلا» إلى آخره.


صفحه 220

..........

و تحديد آيات الأحكام بخمسمائة كما صرّح به في التهذيب و النهاية، و عن القواعد و المبادئ و شرحه و الدروس و الكشف و الوافية، و عن الأخير نفي الخلاف عنه[1]و في عبارة محكيّة عن السيّد الطباطبائي في بعض مصنّفاته: «و المشهور أنّها نحو من خمسمائة و قيل إنّها أقلّ و قيل أكثر، و الأصوب ترك التحديد فإنّها تزيد و تنقص بحسب اختلاف العلماء في وجوه الدلالات و تفاوت اجتهادهم في طرق الاستنباط و الانتقال إلى الأفراد الخفيّة و التنبّه للوازم النظريّة» إلى آخره.

و قد صنّف لضبط هذه الآيات و جمعها و شرحها كتب، و المشهور منها «فقه القرآن» و «كنز العرفان» و «زبدة البيان» و «مسالك الإفهام».

و قد ورد في جملة من الأخبار تقسيم القرآن إلى ما يخالف التحديد المذكور، فعن الباقر(عليه السلام): «نزل القرآن على أربعة أرباع: ربع فينا، و ربع في عدوّنا، و ربع سنن و أمثال، و ربع فرائض و أحكام»[2].

و عن أمير المؤمنين(عليه السلام): «أنّه نزل أثلاثا: ثلث فينا و في عدوّنا، و ثلث سنن و أمثال، و ثلث فرائض و أحكام»[3].

و لا ريب أنّ ثلث القرآن بل ربعه أيضا يزيد على العدد المذكور بكثير، فإنّ مجموع القرآن على ما ضبطوه ستّة آلاف و ستّمائة و ستّة و ستّون آية، فيكون ثلثه ألفين و مائتين و اثنين و عشرين آية، و ربعه ألفا و ستّمائة و ستّة و ستّين و نصفا، و يمكن الجمع بحمل ما في كلام الأصحاب على ما في القرآن الموجود الآن بأيدينا و حمل ما في الخبرين على ما في القرآن المستور عنّا الموجود عند إمام العصر(عجّل اللّه فرجه).

و هذا أولى ممّا ذكره السيّد المتقدّم ذكره في الجمع، فإنّه بعد ما ذكر الخبرين قال:

«و التحديد بالخمسمائة بعيد منهما و إن اعتبر بحسب الكلمات أو الحروف و ضمّ آيات الاصول إلى الفروع و اكتفى بمجرّد الإشعار الغير البالغ حدّ الظهور، و الوجه حمل الأثلاث و الأرباع على مطلق الأقسام و الأنواع و إن اختلفت في المقدار، و حمل الربع على ما يشمل البطون، و الثلاث على ما يعمّه و بطون البطون، أو الأوّل على غاية ما يصل إليه أفكار العلماء و الثاني على ما يعمّه و المختصّ بالأئمّة، أو حملها على أحكام الآيات دون آيات

[1]الوافية: 256.

[2]الكافي 2: 627، كتاب فضل القرآن- باب النوادر، ح 4.

[3]الكافي 2: 627، ح 2 من الباب المذكور.