بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 218

..........

من شروط الاجتهاد و إن لم يصرّحوا به في المقام، إلّا أن يمنع الملازمة بما في كلام بعض الفضلاء من أنّه كثيرا ما يستغني الذكيّ المتدرّب في طرق المحاورات بوجدانه عن الرجوع إلى العلوم المذكورة.

و الإنصاف أن يقال: إنّ الفصاحة و الأفصحيّة ليستا من المرجّحات الواردة في النصوص ليكون ذلك كبرى كلّية لصغريات لا تحرز إلّا بعلمي المعاني و البيان كما في العدالة و الأعدليّة و نحوهما المحرز صغرياتها بعلم الرجال، بل الترجيح بهما لو صحّ فإنّما هو لكونهما من المرجّحات الغير المنصوصة المعدودة من الظنون الاجتهاديّة على القول بالترجيح بمطلق الظنّ الاجتهادي كما هو الأظهر و ظاهر الأكثر، فيدور الترجيح بها[1]على إفادتها، و الفصاحة مع الأفصحيّة إنّما تورثان ظنّ الصدور عن الإمام المعصوم(عليه السلام)إذا ثبت أنّه في غالب مكالماته كان يراعي الفصاحة، بل إذا ثبت أنّ الغالب عليه في مقام بيان الأحكام الشرعيّة مراعاة مقام الفصاحة.

بل الإنصاف أنّ هذه الغلبة- مع أنّها ممنوعة كما في كلام غير واحد من الأساطين- غير مجدية فيما هو من محلّ الاشتباه، و هو كون أحد المتعارضين فصيحا و الآخر ركيكا، أو أحدهما أفصح و الآخر دونه في الفصاحة و لم يعلم بأنّ الصادر عن المعصوم هو الأوّل أو الثاني.

- و قالوا في وجه تقديم الفصيح: أنّه أشبه بكلام الرسول(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)إذ كان(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)أفصح العرب، و قد قال: «أنا أفصح من نطق بالضاد»[2]و الركيك بعيد عن كلامه، و في وجه تقدّم الأفصح: أنّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)كان مختصّا من الفصاحة بمرتبة لا يشاركه فيها غيره فيغلب على الظنّ اختصاصه بالأفصح، و ذلك غير متحقّق في الفصيح لمشاركة غيره له فيه-.

إذ غاية ما يقتضيه كونه أفصح العرب و اختصاصه في الفصاحة بمرتبة لا يشاركه غيره فيها أنّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)في الاقتدار على أداء الكلام الفصيح أو الأفصح بمرتبة لا يبلغه غيره فيها، و هو لا يقضي بامتناع صدور غير الفصيح أو غير الأفصح منه، و لا بغلبة صدورهما عنه

[1]كذا في الأصل: و الصواب: «فيدور الترجيح بهما على إفادتهما» و اللّه العالم.

[2]نقله الحلبي عن ابن هشام (راجع سيرة ابن هشام 1: 178)، و لكن حكى العجلوني في كشف الخفاء عن اللآلي أنّه قال: معناه صحيح و لكن لا أصل له كما قال ابن كثير و غيره من الحفّاظ، و أورده أصحاب الغريب و لا يعرف له إسناد (كشف الخفاء 1: 201)- و نحن أيضا لم نعثر على هذا التعبير في مجامعنا الروائية.


صفحه 219

[من شروط الاجتهاد معرفة الكتاب]

و من الكتاب قدر ما يتعلّق بالأحكام (1)

خصوصا في مقام بيان أحكام اللّه سبحانه، حيث لا تعلّق لمقام إظهار البلاغة ببيان الأحكام أصلا، بل المعلوم من طريقة الأئمّة(عليهم السلام)أنّهم ما كانوا يراعون مقام الفصاحة و البلاغة إلّا في مقام إنشاء الخطبة و الدعاء و المناجاة، و لذا يجد الذكيّ المتدرّب تفاوتا فاحشا بين الخطب و الأدعية لاشتمالها على مزايا معنويّة و خواصّ بيانيّة لا تشبه بكلام الآدميّين أصلا المعتاد صدوره منهم في محاوراتهم و مخاطباتهم، و الثانية ليست في الغالب إلّا نظير كلام الآدميّين بحيث لا يوجد فرق بحسب السبك و النظم و الاسلوب بين الأجوبة الصادرة عنهم و بين الأسئلة الصادرة عن أصحابهم و غيرهم من رواة أخبارهم، كما أنّه لا يقضي بامتناع صدور الفصيح بل الأفصح عن غيرهم خصوصا الكذّابة الواضعين للأحاديث الكاذبة الداسّين لها في أحاديثهم الصادرة عنهم الموجودة عند أصحابهم، حيث إنّ المعلوم من ديدنهم بمقتضى النصّ و الاعتبار غاية اهتمامهم في جعل موضوعاتهم بحيث يشبه الكلمات الصادرة عن الأئمّة(عليهم السلام)لكونه آكد في التباس الأمر و اشتباه الحال، و لذا كان أصحاب الأئمّة(عليهم السلام)حتّى الفضلاء منهم لا يعرفونها و لا يميّزونها عن أخبار أئمّتهم، و لا يتفطّنون بوقوع الوضع و الدسّ إلّا ببيان الأئمّة(عليهم السلام)لهم و تنبيههم عليهما و تمييزهم للموضوعات عن غيرها كما دلّت عليه نصوص مستفيضة تقدّم الإشارة إلى جملة [منها]، فبملاحظة ذلك كلّه لا يبقى وثوق بكون الفصيح أو الأفصح من المتعارضين صادقا صادرا عن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)أو الإمام(عليه السلام)و غيرهما كاذبا صادرا عن غيره من الوضّاعين، فلو سلّمت غلبة مراعاتهم الفصاحة في مقام بيان الأحكام كانت معارضة بغلبة مراعاتها أيضا من الكذّابة و وضّاع الرواية، بل الاعتبار بملاحظة ما ذكر ربّما يقضي بالترجيح على عكس القضيّة من تقديم الفصيح أو الأفصح كما لا يخفى.

(1) و التقييد بالقدر المذكور تنبيه على عدم وجوب معرفة الكتاب بأجمعه كما هو واضح الوجه و صرّح به في عبائر جمع.

قال في المنية: «و لا يشترط علمه بالكتاب أجمع، بل بما يتعلّق بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة منه، و ذلك نحو من خمسمائة آية، أمّا ما عدا ذلك من الآيات الدالّة على البعث و النشور و القصص و أحوال القرون الماضية و كيفية إثابة المطيعين على طاعاتهم و معاقبة العصاة على عصيانهم فلا» إلى آخره.


صفحه 220

..........

و تحديد آيات الأحكام بخمسمائة كما صرّح به في التهذيب و النهاية، و عن القواعد و المبادئ و شرحه و الدروس و الكشف و الوافية، و عن الأخير نفي الخلاف عنه[1]و في عبارة محكيّة عن السيّد الطباطبائي في بعض مصنّفاته: «و المشهور أنّها نحو من خمسمائة و قيل إنّها أقلّ و قيل أكثر، و الأصوب ترك التحديد فإنّها تزيد و تنقص بحسب اختلاف العلماء في وجوه الدلالات و تفاوت اجتهادهم في طرق الاستنباط و الانتقال إلى الأفراد الخفيّة و التنبّه للوازم النظريّة» إلى آخره.

و قد صنّف لضبط هذه الآيات و جمعها و شرحها كتب، و المشهور منها «فقه القرآن» و «كنز العرفان» و «زبدة البيان» و «مسالك الإفهام».

و قد ورد في جملة من الأخبار تقسيم القرآن إلى ما يخالف التحديد المذكور، فعن الباقر(عليه السلام): «نزل القرآن على أربعة أرباع: ربع فينا، و ربع في عدوّنا، و ربع سنن و أمثال، و ربع فرائض و أحكام»[2].

و عن أمير المؤمنين(عليه السلام): «أنّه نزل أثلاثا: ثلث فينا و في عدوّنا، و ثلث سنن و أمثال، و ثلث فرائض و أحكام»[3].

و لا ريب أنّ ثلث القرآن بل ربعه أيضا يزيد على العدد المذكور بكثير، فإنّ مجموع القرآن على ما ضبطوه ستّة آلاف و ستّمائة و ستّة و ستّون آية، فيكون ثلثه ألفين و مائتين و اثنين و عشرين آية، و ربعه ألفا و ستّمائة و ستّة و ستّين و نصفا، و يمكن الجمع بحمل ما في كلام الأصحاب على ما في القرآن الموجود الآن بأيدينا و حمل ما في الخبرين على ما في القرآن المستور عنّا الموجود عند إمام العصر(عجّل اللّه فرجه).

و هذا أولى ممّا ذكره السيّد المتقدّم ذكره في الجمع، فإنّه بعد ما ذكر الخبرين قال:

«و التحديد بالخمسمائة بعيد منهما و إن اعتبر بحسب الكلمات أو الحروف و ضمّ آيات الاصول إلى الفروع و اكتفى بمجرّد الإشعار الغير البالغ حدّ الظهور، و الوجه حمل الأثلاث و الأرباع على مطلق الأقسام و الأنواع و إن اختلفت في المقدار، و حمل الربع على ما يشمل البطون، و الثلاث على ما يعمّه و بطون البطون، أو الأوّل على غاية ما يصل إليه أفكار العلماء و الثاني على ما يعمّه و المختصّ بالأئمّة، أو حملها على أحكام الآيات دون آيات

[1]الوافية: 256.

[2]الكافي 2: 627، كتاب فضل القرآن- باب النوادر، ح 4.

[3]الكافي 2: 627، ح 2 من الباب المذكور.


صفحه 221

بأن يكون عالما بمواقعها و يتمكّن عند الحاجة من الرجوع إليها و لو كتب الاستدلال (1). و من السنّة الأحاديث المتعلّقة بالأحكام (2)

الأحكام، مع الاكتفاء في الثلث بالإشعار أو تعميمه بحيث يشمل البطون.

و لا ريب أنّ الأوّل أكثر من الثاني، فإنّ الآية الواحدة ربّما دلّت على أحكام كثيرة.

و قد ذكر عليّ بن إبراهيم في تفسيره: أنّ سورة البقرة وحدها اشتملت على خمسمائة حكم، و آية الشهادة منها خمسة عشر حكما، و قد زاد المتأخّرون على ذلك كثيرا و لا يزال يزداد بتلاحق الأفكار و تعاقب الأنظار» انتهى.

(1) إشارة إلى ما نصّ عليه جمع من الأساطين و نفي عنه الخلاف- كما في مفاتيح السيّد- من أنّه لا يشترط في معرفة الآيات المتعلّقة بالأحكام حفظها عن ظهر القلب، بل الواجب هو معرفة دلالتها و مواضعها بحيث يكون قادرا على الرجوع إليها و استنباط الأحكام منها، لكن يعتبر مع ذلك معرفة ناسخها و منسوخها، و محكمها و متشابهها، و مجملها و مبيّنها، و عامّها و خاصّها، و مطلقها و مقيّدها، و حقيقتها و مجازها، و منطوقها و مفهومها كما نصّ عليه غير واحد، و الوجه في الجميع واضح، بل يعتبر مع ذلك- على ما في نهاية العلّامة و تهذيبه و شرحه للسيّد و غيرها- أن يعرف من حال المخاطب أنّه يعني باللفظ ما يقتضيه ظاهره إن تجرّد أو ما يقتضيه مع القرينة إن وجدت، لأنّه لو لا ذلك لما حصل الوثوق بخطابه لجواز أن يعني به غير ظاهره أو غير ما يقتضيه مع القرينة و لم ينبّه عليه في وقت الحاجة، و إنّما يحصل ذلك بحكمة المتكلّم و عصمته، و الحكم بكونه تعالى حكيما على اصول المعتزلة مبنيّ على العلم بأنّه تعالى عالم بقبح القبيح و بأنّه غنيّ عنه ليمتنع صدوره عنه.

و أمّا على قواعد الأشاعرة ففي النهاية: أنّهم اعتذروا بأنّه جائز الوقوع عقلا لكنّه قد علم عدم وقوعه كانقلاب ماء البحر دما، حيث إنّه جائز عقلا و غير واقع خارجا، فكذا هنا يجوز من اللّه كلّ شيء لكنّه خلق فينا علما بديهيّا بأنّه لا يعني بهذه الألفاظ إلّا ظواهرها.

قال في النهاية: و ليس بجيّد، لتعذّر العلم مع حصول تجويز النقيض.

و فيه نظر، إذ لا منافاة بين القضيّتين، و هذا كما يقال في المجاز بلا حقيقة من: أنّه جائز عقلا و لكنّه غير واقع في الخارج فعلا.

[من شروط الاجتهاد معرفة السنّة]

(2) كما أنّ معرفة الكتاب على الوجه المتقدّم من شروط الاجتهاد كذلك من شروطه


صفحه 222

بأن يكون عنده من الاصول المصحّحة ما يجمعها، و يعرف موقع كلّ باب بحيث يتمكّن من الرجوع إليها (1) و أن يعلم أحوال الرواة في الجرح و التعديل و لو بالمراجعة (2) و أن يعرف مواقع الإجماع ليحترز عن مخالفته.

أيضا معرفة السنّة، لكن لا جميعها حتّى ما كان منها متعلّقا بالاصول و المواعظ و الآداب و أحوال المعاد و المعاش و أحوال القرون السابقة و الامم السالفة و غيرها ممّا لا تعلّق له بفروع الأحكام، بل القدر الكافي في استنباط الأحكام الفرعيّة، لكن يعتبر مع ذلك معرفة ما تقدّم في بيان الحاجة إلى الكتاب من الناسخ و المنسوخ و غيرهما من الأنواع المذكورة.

و في كلام غير واحد مع ذلك اعتبار معرفة أنواع الحديث من المتواتر و الآحاد و الصحيح و الضعيف و المسند و المرسل و غيرها من الأنواع الّتي يختلف أحكامها من حيث الاعتبار و الترجيح، و كأنّ المراد بمعرفة هذه الأنواع معرفتها باعتبار المفهوم و حينئذ فلا يخلو عن وجه.

[من شروط الاجتهاد معرفة علم الرجال]

و أمّا معرفة مصاديقها فالظاهر أنّها من فروع معرفة الرجال الّتي هي شرط آخر من شروط الاجتهاد.

و لك أن تقول: بأنّ معرفتها باعتبار المفهوم أيضا من توابع معرفة اصول الفقه لجريان العادة بالتعرّض لبيانها في طيّ مسائله.

(1) يعني لا يعتبر في معرفة القدر الكافي من السنّة حفظها عن قلبه، بل يكفي فيه وجود أصل مصحّح عنده يرجع إليه عند الحاجة.

(2) صرّح به في النهاية و التهذيب، و عن المبادئ و شرحه و القواعد و الدروس و الكشف و الزبدة و شرحها و الوافية و الفوائد و في رسالة الاجتهاد و الأخبار، بل التتبّع في كتب الاستدلال و الكتب المؤلّفة في الرجال يقضي بأنّ الحاجة إليه ممّا لا خلاف فيه بين قدماء الأصحاب و متأخّريهم من لدن فتح باب الاجتهاد إلى هذه الأعصار، إلّا من الفرقة الشاذّة الأخباريّة لشبهة قطعيّة الأخبار الموجودة بأيدينا أو خصوص المودعة في الكتب الأربعة.

و وجه الحاجة إليه- مع وضوحه-: إنّ العمل بالأخبار الّتي هي العمدة في طرق استنباط الأحكام- بل لا يكاد يتّفق مسألة إلّا و لها أصل من السنّة عموما أو خصوصا بحيث لو لا التعويل عليه لم يتأتّ الغرض الأصلي من النظر فيها-.

إمّا[1]من جهة الأدلّة الخاصّة المرخّصة في الاستناد إليه من الإجماع و النصوص المستفيضة

[1]خبر لقوله: «إنّ العمل بالأخبار» الخ.


صفحه 223

..........

القريبة من التواتر، بل المتواترة معنى في الحقيقة حسبما تقدّم إلى شطر منها الإشارة، أو من جهة عموم ما دلّ على حجّية ظنّ المجتهد حال انسداد باب العلم المستند إلى الكتاب و السنّة و ما يرجع إليها حسبما سبق تفصيله مستوفى، و أيّا ما كان فلا مناص من معرفة أحوال الرواة.

أمّا على الأوّل: فلما عرفت من أنّ القدر المعلوم من الأدلّة الخاصّة انحصار الحجّة بعد الكتاب في السنّة المعلومة أو الموثوق بها، و الأوّل في غاية الندرة، و الوثوق في الثاني لا يتأتّى إلّا بعد معرفة أحوال الرواة الّتي لها مدخل في حصول الوثوق و الاطمئنان بالصدق و الصدور ممّا يتعرّض لها علماء الرجال و غيرها ممّا يستحصل بممارسة كتب الاستدلال.

و أمّا على الثاني: فلما قرّرناه آنفا من أنّ الظنّ بالحكم و لا سيّما الاطمئناني منه لا بدّ و أن يكون عن سبب بينه و بين المظنون ملازمة، و ملزوم حكم اللّه- بحكم الاصول الكلاميّة و الأدلّة القطعيّة مع ملاحظة ما سبق في دفع شبه الأخباريّة- منحصر في كلامه تعالى و سنّة أمنائه من النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و أوصيائه، و هذه الملازمة بنفسها و إن كانت قطعيّة لقطعيّة أدلّتها، غير أنّها لا تكفي في قطعيّة الحكم إلّا مع القطع بملزومها.

و قد تقرّر سابقا أنّ القطع في الغالب مسدود بابه، فظنّيّة الحكم على ما هو الغالب إنّما تنشأ من ظنّية الملزوم إذا كان من قبيل السنّة كما هو الغالب، و لا ريب أنّ الظنّ بالنسبة إليها ممّا لا يتأتّى عادة إلّا بمعرفة أحوال نقلتها و لو ظنّا، و لو اعتبرنا في الحكم كونه مظنونا في مرتبة الوثوق و الاطمئنان- كما هو الأقوى- كان الوثوق به منوطا بالوثوق بملزوم الحكم، فمن جهته يتأكّد الحاجة إلى المعرفة المذكورة، و آكد منها الحاجة إليها أيضا في مقام علاج التعارض الحاصل فيما بين الأخبار على ما هو الغالب، لكون العمدة من طريقه البناء على التخيير أو الطرح أو الوقف و الرجوع إلى الأصل فهو فرع التعادل، أو على الترجيح فهو فرع وجود المرجّح في أحد الجانبين سليما عن المعارض الموجود في الجانب الآخر، و لا ريب أنّ التعادل و وجود المرجّح لا يظهران إلّا بمراجعة الرجال، سواء قلنا بقصر الحكم في الترجيح على ما ورد من المرجّحات في النصوص، أو بتعميمه بالقياس إلى كلّ ما أوجب الوثوق بأحد المتعارضين كما هو الأظهر.

أمّا على الأوّل: فواضح.

و أمّا على الثاني: فأوضح، إذ بالمعرفة المذكورة يحصل من الوثوق و الاطمئنان


صفحه 224

..........

ما لا يحصل بدونه و مع عدمه يبقى متحيّرا في جلّ المسائل.

و قد يستدلّ على ذلك أيضا بوجوه اخر:

أحدها: الأصل، الّذي يقرّر: بأنّ العمل بأخبار الآحاد لازم- و لو لكونها من أسباب الظنّ بل أقواها- للأدلّة المقامة عليه في محلّه.

و المفروض أنّ جواز العمل بها و استنباط الحكم منها بعد مراجعة الرجال و تعيين المعتبر من الأخبار بذلك في الجملة ممّا لا خلاف فيه، بل الإجماع من الجميع واقع عليه حتّى من الأخباريّة، لكون خلافهم في لزوم هذه المراجعة لا جوازها، و أمّا جواز العمل بها بدون المراجعة فمحلّ إشكال و موضع خلاف، و مقتضى الأصل عدم الجواز بمعنى عدم الاعتبار لوضوح أنّه على خلاف الأصل.

و ثانيها: أنّ الآحاد لا تفيد مطلقا أو غالبا إلّا الظنّ، و قد وقع النهي عن العمل به في الكتاب و السنّة بل عليه بناء العقلاء و سيرة العلماء، و الثابت في الخروج عن عموم النهي بالنسبة إلى الآحاد إنّما هو بعد الرجوع إلى الرجال في الجملة و أمّا قبله فلا.

و دعوى قطعيّة الصدور و الاعتبار معا أو الأخير فقط يأتي ما فيها من الفساد.

و ثالثها: أنّ مصير عامّة المجتهدين إلى الافتقار إلى علم الرجال و لو في الجملة مع ملاحظة ما يزيّف طريقة الأخباريّين و يضعّف مقالة المفصّلين إن لم يفد القطع بذلك فلا أقلّ من إفادته الظنّ، و مع التنزّل فلا أقلّ من إفادته الشكّ و الترديد، و لا ريب أنّ الإقدام على العمل في هذه الحالة من غير مراجعة الرجال قبيح مذموم عقلا و نقلا.

و هذه الوجوه الثلاث كما ترى إنّما تستقيم في إثبات أصل الافتقار و لو لمقام الاعتبار، و أمّا بالقياس إلى توقّف الاجتهاد بالمعنى الملحوظ في شروط الوجود كما هو محلّ البحث فلا، لما سبق الإشارة إليه.

و رابعها: أنّ من المعلوم الوارد على طبقه أخبار مستفيضة وجود أخبار كاذبة و أحاديث موضوعة فيما بين رواياتنا الموجودة بأيدينا، و إخراجها عمّا بينها حسبما يدّعيه الأخباريّة غير معلوم، و ادّعاؤه من دون قاطع يوجب القطع به غير مسموع، فالعمل بالجميع من غير تميّز الكاذب عن الصادق و الموضوع عن الصادر بالقدر المقدور قبيح، بل منهيّ عنه بتلك الأخبار المشار إليها بقوله(عليه السلام): «فاتّقوا اللّه و لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا و سنّة نبيّنا» و قوله(عليه السلام)في آخر: «فلا تقبلوا علينا ما خالف القرآن» و إلى هذا المعنى يرجع ما في بعض


صفحه 225

..........

تلك الأخبار من قوله(عليه السلام): «فيسقط صدقنا بكذبه» بناء على أنّ معناه سقوطه عن درجة الاعتبار بسبب ما طرأه من الاشتباه بما وضعه الكذّاب، بل هذه الرواية بنفسها دالّة على عدم جواز العمل إلّا بعد التمييز الّذي لا يتأتّى إلّا بمراجعة الرجال.

و من هنا أورد المحقّق في المعتبر- على ما حكي- على الحشويّة القائلة بجواز العمل بكلّ خبر، بقوله: «أفرط الحشويّة في العمل بخبر الواحد حتّى انقادوا لكلّ خبر، و ما فطنوا إلى ما تحته من التناقض، فإنّ من جملة الأخبار قول النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ستكثر بعدي القالة عليّ»[1]يعني أنّ العمل بما مرّ من الأخبار مع غيرها مطلقا موجبا للتناقض، لوضوح أنّ العمل بغيرها إنّما يتمّ مع الإعراض عن هذه الأخبار و إلّا فهي ناهية عن العمل.

و خامسها: الأخبار العلاجيّة المشتملة على الرجوع عند التعارض إلى الأعدل و الأورع و الأفقه، و هذه الصفات لا يعلم ثبوتها في الرواة إلّا بملاحظة الرجال لفقد المعاشرة معهم و انتفاء الشهادة اللفظيّة عليها فيهم، فانحصر في الكتبيّة الموجودة في كتب الرجال و إن لم نقل بكونها من باب الشهادة الشرعيّة.

و كون الترجيح بالشهرة و موافقة القرآن و نحوهما ممّا لا مدخل للرجال فيه لا يغني عن الترجيح بما ذكر من الامور المذكورة، و إلّا لما أمر بالجميع كيف و هي أحد أسباب الترجيح.

و سادسها: أنّ سيرة العلماء قديما و حديثا على تدوين كتب الرجال و تنقيحها و تحصيلها بالاشتراء و الاستكتاب، و على مطالعتها و الرجوع إليها في معرفة أحوال الرواة و العمل بها في الاعتداد برجال و الطعن في آخرين و التوقّف في طائفة ثالثة، حتّى أنّ كثيرا منهم كانت له مهارة في هذا العلم كالصدوق و المفيد و الطوسي و غيرهم من مشايخ الحديث، بل ربّما أمكن أن يقال: اهتمام المتقدّمين فيه كان أزيد من المتأخّرين، و أيّ عاقل يرضى بكون ذلك كلّه لغوا مكروها أو حراما؟ فليس إلّا للافتقار إليه.

و سابعها: إنّ سيرة الرواة و المحدّثين إلى زمن تأليف الكتب الأربعة بل إلى تأليف الثلاثة المتأخّرة الوافي و الوسائل و البحار على الالتزام بذكر جميع رجال جميع الأسانيد، حتّى أنّ أحدا لو أسقطهم أو بعضهم في مقام أشار إليهم في مقام آخر- ما في الفقيه و التهذيبين- مع التصريح بأنّه للتحرّز عن لزوم الإرسال و القطع و الرفع المنافية للاعتبار.

[1]المعتبر 1: 29.